اخبار السودان
موقع كل يوم -أثير نيوز
نشر بتاريخ: ١١ أب ٢٠٢٦
تمثل عودة المحول القومي للمدفوعات بعد ثلاث سنوات من الحرب نقطة تحول استراتيجية في مسار إعادة إعمار الاقتصاد السوداني، لأنه يشكل البنية التحتية الوطنية التي تربط المصارف، ومقدمي خدمات الدفع، وشركات التقنية المالية، والجهات الحكومية ضمن شبكة موحدة وآمنة.
وفي مرحلة ما بعد الحرب، لا تقتصر أهمية هذه العودة على استئناف خدمات الدفع الإلكتروني، بل تمتد لتشمل إعادة تنشيط الدورة الاقتصادية وتحسين كفاءة إدارة السيولة على مستوى الدولة.
فعلى المستوى المصرفي، يؤدي المحول القومي إلى تسريع عمليات تحويل الأموال بين المصارف بصورة لحظية أو شبه لحظية، بما يقلل من حجم الأموال المجمدة أثناء فترات التسوية، ويرفع كفاءة استخدام السيولة داخل الجهاز المصرفي. كما يسهم في تخفيض تكاليف التشغيل على المصارف من خلال الاستغناء عن تعدد قنوات الربط الثنائي بين كل مصرف والجهات الأخرى، والاكتفاء بنقطة ربط واحدة مع المحول القومي.
أما على مستوى الاقتصاد الوطني، فإن وجود محول قومي فعال يسهم في زيادة سرعة دوران النقود داخل الاقتصاد، وهو ما ينعكس على تنشيط التجارة، وتسريع عمليات البيع والشراء، وتقليل الاعتماد على النقد الورقي، بما يخفض تكلفة طباعة العملة ونقلها وتأمينها، وهي تكاليف أصبحت مرتفعة بصورة كبيرة في ظل الظروف الاستثنائية التي مر بها السودان.
ومن أهم الآثار الاقتصادية كذلك أن المحول القومي يمثل أداة رئيسية لجذب الكتلة النقدية خارج الجهاز المصرفي. فكلما توسعت شبكة المدفوعات الإلكترونية وأصبحت أكثر سهولة واعتمادية، ازدادت رغبة الأفراد والتجار في الاحتفاظ بأموالهم داخل المصارف بدلاً من تداولها نقداً، الأمر الذي يرفع حجم الودائع، ويزيد قدرة المصارف على تمويل الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية.
كما يعزز المحول القومي كفاءة السياسة النقدية، إذ يتيح للبنك المركزي رؤية أشمل لحركة المدفوعات والسيولة داخل الاقتصاد، بما يساعده على اتخاذ قرارات أكثر دقة في إدارة السيولة، ومراقبة الأسواق، والحد من الأنشطة غير الرسمية، وتعزيز الامتثال لمتطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وفي جانب التحول الرقمي، فإن المحول القومي يخلق بيئة موحدة تتيح لشركات التقنية المالية تطوير خدماتها وفق معايير وطنية موحدة، بدلاً من إنشاء تكامل منفصل مع كل مصرف على حدة. وهذا يقلل زمن وتكلفة إطلاق المنتجات الجديدة، ويحفز الابتكار والمنافسة، ويشجع دخول استثمارات جديدة إلى قطاع التقنية المالية.
وتبرز أهمية المحول القومي بصورة أكبر في تقديم الخدمات الحكومية الرقمية، إذ يمكن لجميع الوزارات والهيئات الحكومية تحصيل الرسوم والضرائب والجمارك والزكاة ورسوم الخدمات المختلفة عبر بوابة دفع وطنية موحدة، دون الحاجة إلى بناء روابط مباشرة مع كل مصرف أو شركة دفع. ويؤدي ذلك إلى خفض التكلفة، وتبسيط إجراءات التكامل، وتوحيد معايير الأمن السيبراني، وتحسين الرقابة المالية، ورفع كفاءة التحصيل الحكومي.
كما يسهم المحول القومي في دعم التجارة الإلكترونية، وتمكين التجار من قبول المدفوعات الرقمية بسهولة، وربط نقاط البيع والمتاجر الإلكترونية والتطبيقات المالية بمنظومة دفع موحدة، وهو ما يوسع النشاط الاقتصادي الرسمي، ويحد من الاقتصاد النقدي غير المنظم.
وفي مرحلة إعادة الإعمار، يمثل المحول القومي أحد أهم الأصول السيادية للدولة، لأنه يوفر البنية الأساسية التي تعتمد عليها جميع خدمات الاقتصاد الرقمي، بدءاً من المدفوعات الحكومية، مروراً بالخدمات المصرفية الرقمية والمحافظ الإلكترونية، وانتهاءً بمنصات التجارة الإلكترونية والخدمات المالية المبتكرة. ولذلك فإن نجاح تشغيله بكفاءة لا يعني فقط استعادة خدمة مصرفية، بل يمثل استثماراً استراتيجياً في بناء اقتصاد رقمي أكثر مرونة، وأكثر قدرة على جذب الاستثمارات، وأكثر استعداداً للنمو المستدام.
** مدير التسويق والمبيعات السابق بشركة الخدمات المصرفية الالكترونية EBS لأكثر من 17 عاماً


























