اخبار الجزائر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٧ كانون الثاني ٢٠٢٦
فوجئ المواطنون مع مطلع العام الجديد بزيادة أسعار المحروقات وجمعيات حماية المستهلك تؤكد استبعادها من النقاشات قبل إقرارها
شهدت أسعار الوقود في الجزائر مع مطلع عام 2026 زيادة تعد الأولى من نوعها منذ نحو ستة أعوام، في خطوة تندرج ضمن مساعي الدولة إلى تقليص فاتورة الدعم وترشيد الاستهلاك، بما يخفف الضغط على الموازنة العامة في ظل تحديات اقتصادية متزايدة.
وفوجئ المواطنون، صباح أمس الخميس، بدخول هذه الزيادات حيز التنفيذ، بعد تسجيل ارتفاعات متفاوتة راوحت ما بين 3 و30 في المئة بمختلف أنواع المشتقات النفطية.
هذا الغموض فتح باب الجدل والتساؤلات في الشارع الجزائري، بخاصة بعد تداول واسع لوثيقة منسوبة لسلطة ضبط المحروقات على شبكات التواصل الاجتماعي كشفت عن الأسعار الجديدة قبل تأكيدها ميدانياً، مما طرح إشكالات تتعلق بآليات التواصل الرسمي، وتوقيت القرار ومرجعيته التشريعية، وحدود إعادة توجيه سياسة الدعم في بلد ظل الوقود فيه من أكثر المواد المدعمة استقراراً في الأسعار.
مع حلول منتصف ليلة العام الجديد شرعت محطات الوقود عبر مختلف الولايات في تحيين لوحات الأسعار وتطبيق التسعيرة الجديدة للبنزين والمازوت وغاز النفط المميع.
ونشرت المحطات قائمة الأسعار الجديدة، التي ارتفع فيها سعر ليتر وقود الديزل (مازوت) من 29.01 دينار (0.223 دولار) إلى 31 ديناراً (0.238 دولار)، وصعد سعر الليتر الواحد من البنزين من 45.62 دينار (0.350 دولار) إلى 47 ديناراً (0.361 دولار)، فيما ارتفع سعر الليتر الواحد من وقود غاز البترول المسال (LPG)الذي يعتبر الأقل سعراً في البلاد من تسعى إلى 12 ديناراً (0.092 دولار).
وورد في وثيقة لسلطة ضبط المحروقات، وهي هيئة حكومية تتولى مراقبة نشاط القطاع في البلاد، تأكيد هذه الزيادات اعتباراً من مطلع يناير 2026.
وبارك الاتحاد الوطني للمستثمرين ومالكو محطات الوقود، في بيان له، الزيادات الجديدة في الأسعار، وقال إنها 'جاءت بعد مسار طويل من الصبر، وبعد أعوام من المثابرة والنضال المهني المسؤول'، معتبراً إياها 'مكسباً تاريخياً يُسجّل بفخر، وإنجاز لم يكن ليرى النور لولا الإيمان بعدالة المطالب، والعمل الدؤوب في إطار مؤسساتي راق، والدفاع المستمر عن حقوق المهنيين بروح وطنية مسؤولة تضع مصلحة القطاع واستقراره في صلب الأولويات'.
ومنذ عام 2020 ظلت أسعار الوقود في الجزائر مستقرة عند المستويات التي أُقرت بعد زيادات 2020، من دون أي تعديل رسمي.
وتُظهر قواعد تتبع الأسعار أن أعلى مستوى للبنزين سُجل في الثامن من يونيو (حزيران) 2020 وبقي قائماً حتى نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2025، بالتوازي مع ثبات باقي الأنواع، مما يؤكد أن الأعوام الأربعة الماضية كانت مرحلة تجميد فعلي للأسعار وليست مرحلة مراجعات تدريجية.
وتُعد هذه الزيادة في أسعار الوقود سابقة لافتة في المسار الاقتصادي الجزائري، إذ تعتبر المرة الأولى منذ عقود التي يتم فيها إقرار زيادات من هذا النوع خارج إطار قانون الموازنة العامة، فعلى رغم دخول قانون الموازنة للسنة الجديدة حيّز التنفيذ ابتداء من الخميس الماضي، بعد نشره في الجريدة الرسمية، فإنه لم يتضمن أي إشارة إلى مراجعة أسعار الوقود بمختلف أنواعه، مما زاد من حال الغموض التي رافقت القرار.
يأتي ذلك في وقت تعتمد الجزائر منذ أعوام طويلة سياسة دعماً واسعاً لأسعار المحروقات، إذ تتحمل الخزانة العمومية الفارق بين الكلفة الحقيقية لليتر الواحد على مستوى مصافي التكرير وسعر تسويقه النهائي في محطات التوزيع.
وأثارت الزيادات استياء واسعاً بين المواطنين، بخاصة سائقي السيارات الأجرة والنقل والأسر ذات الدخل المحدود، فقد شهدت محطات الوقود بالعاصمة وولايات عدة طوابير طويلة، إذ سارع كثر إلى التزود قبل التطبيق الكامل للأسعار الجديدة.
وشهدت بعض الولايات حال شلل شبه تام في حركة النقل، بعد دخول سائقي الحافلات والشاحنات في إضراب مفتوح مما عطّل المصالح العمومية والخاصة، وأوصل العمال والطلبة إلى تأخرات واسعة، مع ازدحام كبير بمحطات الوقود وتوقف شبه كلي في النقل بين المدن.
وكتب الناشط عابدين بادي، على صفحته بموقع 'فيسبوك' أن 'ارتفاع أسعار الوقود من دون سابق إنذار ليس مجرد قرار اقتصادي عابر، بل صدمة يومية للمواطن، فالوقود ليس سلعة كمالية، بل عصب الحياة الاقتصادية، وأي زيادة فيه تنعكس تلقائياً على أسعار النقل والمواد الغذائية والخدمات، لتتحول الزيادة إلى سلسلة غلاء لا تنتهي'.
وأضاف 'كان الأجدر إشراك الرأي العام، أو في الأقل التمهيد لمثل هذه القرارات، وتقديم بدائل تخفف من آثارها، لا فرضها بطريقة فجائية'.
وقال إن 'معالجة الاختلالات المالية لا تكون دائماً على حساب المواطن البسيط، بل عبر سياسات مدروسة، ومحاربة الفساد والهدر، وتحقيق توازن بين متطلبات الاقتصاد وكرامة المواطن'.
وأعرب المنسق الوطني للمنظمة الجزائرية لحماية وإرشاد المستهلك فادي تميم، عن دهشة المنظمة من قرار رفع أسعار الوقود بأنواعه الثلاثة، بسبب عدم إشراك جمعيات الدفاع عن المستهلك في النقاشات الأولية قبل إقرار الزيادات، على رغم أن قانون الموازنة لعام 2026 لم يذكر أي زيادات ضريبية أو جبائية في المحروقات أو أنواع الوقود.
وقال تميم لـ'اندبندنت عربية' إن 'ما حدث يعتبر أمراً تقنياً بحتاً، وهو من اختصاص سلطة ضبط المحروقات المنوط بها تحيين الأسعار والمحافظة على هوامش ربح لا تتجاوز 10 في المئة لفائدة موزعي المواد الطاقوية، لكن الإشكال المطروح يكمن في عدم إعلام المستهلك مسبقاً، لأن هذه الزيادات تمت بعد لقاءات بين سلطة ضبط المحروقات وموزعي المواد الطاقوية الذين طالبوا بهوامش ربح بناء على تغير كلفة الإنتاج وارتفاع الأعباء'.
وتساءل 'لماذا لم يتم إشراك الطرف الذي يحمي المستهلك في هذه الاجتماعات لإحداث توازن بين مطالب نقابات موزعي الوقود ومصالح المستهلكين'، مضيفاً 'أصحاب هذه المهن لهم حقوق ومطالب ومصالح مشروعة، ولكن كان المفروض إشراك جمعيات حماية المستهلك في النقاشات ليكون هناك عدل في الطرح'.
وتابع 'القانون يسمح لسلطة الضبط بتحيين الأسعار، لكن لماذا اختيار بداية العام الجديد لتطبيقه، وقد كان بالإمكان الإعلان عن القرار في وقت سابق حتى لا تكون له أبعاد وتأويلات أخرى، وتفادي بداية العام الجديد بمثل هذه الأخبار التي تقلق المواطن'.
من جانبه، يقول أستاذ قانون الأعمال بجامعة 'جيجل' عبد الحق غريمس، إن شروع محطات الوقود في تطبيق الزيادات الجديدة في الأسعار تم بناء على بلاغ صادر عن سلطة ضبط المحروقات، وهي سلطة مستقلة في مجالها، وخوّلها المرسوم التنفيذي رقم 21-63 المحدد لمنهجية حساب أسعار بيع الوقود صلاحية حساب أسعار بيع الوقود بالتجزئة وأسعار البيع للمستهلكين، بناء على معطيات حينية تراعي كلفة الإنتاج وهامش الربح والضرائب.
وأوضح أنه 'بالنظر إلى الإجراءات المتبعة في الإعلان عن الأسعار الجديدة، فقد فضّلت سلطة ضبط المحروقات انتظار آخر يوم من الأجل الممنوح لها في المرسوم، إذ يلزمها بإبلاغ الأسعار الجديدة قبل الأول من يناير من السنة المعنية بالزيادة إلى المتعاملين في مجال المحروقات (المكررين والمحولين والموزعين) من دون أن يلزمها بالإجراء نفسه إزاء المستهلكين'.
في المقابل، يرى المحلل الاقتصادي سليمان ناصر، أن الزيادات الأخيرة في أسعار الوقود بأنواعه الثلاثة 'غير مقبولة' كونها جاءت في أول يوم من دخول العام الجديد، إذ يصحو الناس على إرسال التمنيات لبعضهم بعضاً، لا بالمكدّرات.
وقال ناصر في منشور على 'فيسبوك'، إن الزيادات 'جاءت بعد خطاب الرئيس عبدالمجيد تبون الذي أكد فيه وفي كل خطاباته من قبل، على الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطن، وعلى الطابع الاجتماعي للدولة وبخاصة أن الأمر يتعلق بمادة مدعّمة وتتعلق بها كل النشاطات، وأيضاً ذكّر الجميع بما أقرّه من زيادات في الأجور وصلت إلى 47 في المئة، على أن تصل إلى 100 في المئة خلال الأعوام المقبلة'.
أما من ناحية المضمون، يضيف المتحدث، فإن 'الأمر يتعلق بكل أنواع الوقود وبخاصة المازوت الذي تعتمد عليه كل وسائل النقل، مما يعني أن الزيادة في أسعار النقل تعني زيادة في كلفة كل السلع والخدمات'.
واستطرد 'حتى ولو كانت الزيادات طفيفة، فهناك من التجار الجشعين من يستغل الفرصة لتبرير كل زيادة في أسعاره بارتفاع أسعار الوقود حتى وإن لم يتضرر منها فعلياً'.
ويأتي القرار في الوقت الذي توقّع صندوق النقد الدولي أن يحقق إصلاح دعم الطاقة في الجزائر إيرادات سنوية إضافية كبيرة على المدى المتوسط، مما يتيح مجالاً أوسع لتوجيه الإنفاق بصورة أكثر استهدافاً.
وتأثرت موازنة الجزائر بتراجع إيراداتها بسبب انخفاض أسعار النفط، إذ خصصت البلاد في موازنة 2026 أكثر من 5 مليارات دولار لدعم السلع الاستهلاكية الأساسية، بما يشمل الطاقة، على رغم الأخطار المرتبطة بعجز الموازنة، الذي يبلغ 74 مليار دولار.




















