اخبار العراق
موقع كل يوم -سي ان ان عربي
نشر بتاريخ: ١٧ كانون الثاني ٢٠٢٦
دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) -- توصلت دراسة إلى أن صور النباتات المرسومة على الفخار قبل نحو 8,000 عام قد تكون أقدم مثال على التفكير الرياضي لدى البشر.
وقد فحص باحثون من الجامعة العبرية في القدس فخارًا أنتجه شعب حلف في شمال بلاد ما بين النهرين، الذين عاشوا بين عامي 6200 و5500 قبل الميلاد.
وتضمّن العديد من الأواني أشكالًا لزهور صُوّرت بـ4 أو 8 أو 16 أو 32 أو 64 بتلة.
وأوضح الباحثون في الدراسة، التي نُشرت الشهر الماضي في دورية Journal of World Prehistory، أن استخدام هذه الأعداد يشكّل 'متتالية هندسية' توحي بنوع من التفكير الرياضي القائم على التناظر والتكرار.
وقام مؤلفا الدراسة، يوسف غارفينكل، أستاذ علم الآثار في الجامعة العبرية في القدس، وسارة كرووليتش، مساعدة بحث وطالبة ماجستير في قسم الآثار بالجامعة، بدراسة شظايا فخارية من 29 من المواقع الحلفية، جرى تنقيبها على مدى 100 عام منذ العام 1899.
ووجد الباحثان أنه في نحو كل واحدة من الشظايا الـ375 التي تصوّر زهورًا، يتحدد عدد البتلات وفق متتالية التضاعف هذه، التي تقسّم الدائرة إلى وحدات متناظرة.
وقال غارفينكل لـCNN: 'إن الالتزام الصارم بهذه الأعداد، التي تتكرر في أمثلة من مواقع مختلفة على امتداد مئات الكيلومترات، لا يمكن أن يكون مصادفة، ويدل على أنه كان مقصودًا'.
وأشار الباحثان إلى أن شعب حلف ربما طوّروا هذا الشكل من التفكير الرياضي، القائم على التضاعف التدريجي للأعداد، استجابةً لإدارة مجتمعات قروية كانت قائمة في الشرق الأدنى منذ نحو 4,000 عام، وأصبحت معقّدة اقتصاديًا.
وأفاد غارفينكل في بيان صحفي: 'إنّ القدرة على تقسيم المساحة بالتساوي، كما ينعكس في هذه الزخارف الزهرية، من المرجح أن تكون لها جذور عملية في الحياة اليومية، مثل تقاسم المحاصيل أو توزيع الأراضي الجماعية'.
ويشير مؤلفا الدراسة إلى أنه لم يكن حتى الألفية الثالثة قبل الميلاد أن قدّمت النصوص بيانات لا جدال فيها عن أنظمة رياضية متعددة. وقد استخدم السومريون، في ما يُعرف اليوم بالعراق، نظامًا عدديًا قائمًا على الرقم 60، من النوع المستخدم حتى اليوم في قياس الوقت، وقد اقتُرح أيضًا وجود نظام ما قبل سومري استخدم الرقم 10 كأساس.
لكن الباحثين يريان أن استخدام شعب حلف للأعداد 4 و8 و16 و32 لا ينسجم مع أي من هذين النظامين، و'قد يعكس مستوى أقدم وأبسط من التفكير الرياضي كان مستخدمًا في الشرق الأدنى في الألفيتين السادسة والخامسة قبل الميلاد'.
ولفتت كرووليتش في البيان إلى أنّ 'هذه الأنماط تُظهر أن التفكير الرياضي بدأ قبل الكتابة بزمن طويل. فقد كان الناس يتصورون التقسيمات والمتتاليات والتوازن من خلال فنهم'.
وتسهم الدراسة في مجال أكاديمي يُعرف بالإثنورياضيات، وهو يحدد المعارف الرياضية المضمّنة في التعبير الثقافي لدى المجتمعات ما قبل التاريخ أو غير المتعلمة.
وليست هذه المرة الأولى التي يُقترح فيها أن قطعًا أثرية غير الوثائق المكتوبة قد تدل على تفكير رياضي مبكر.
فبعض الخبراء يعتقدون أنّ الأدلة على صنع الخيوط لدى إنسان النياندرتال قبل أكثر من 40,000 عام تشير إلى أن أسلافنا في العصر الحجري كانوا يمتلكون فهمًا لمفاهيم رياضية مثل الأزواج والمجموعات، فضلًا عن مهارات أساسية في العد.
وقال غارفينكل إن اكتشاف فريقه يشكّل خطوة تأسيسية في نضج الفكر البشري، وأن فهم كيفية إجراء القسمة البسيطة كان ضروريًا لظهور الرياضيات الأكثر تعقيدًا لاحقًا.
وأضاف: 'مثل كل شيء في تطور الإنسان، تطورت جوانب الرياضيات أيضًا بطريقة تطورية من البسيط إلى الأكثر تعقيدًا'.
كما أشار مع كرووليتش في البيان إلى أن فخار شعب حلف يتميّز بكونه مثالًا مبكرًا على تطبيق البشر لفهم التناظر في الفن. ولا تُظهر أي من الصور محاصيل صالحة للأكل، ما يوحي بأن الغرض منها كان جماليًا لا زراعيًا ولا طقوسيًا.
وقال الباحثان: 'تمثل هذه الأواني اللحظة الأولى في التاريخ التي اختار فيها الناس تصوير العالم النباتي بوصفه موضوعًا جديرًا بالتعبير الفني، ما يعكس تحولًا إدراكيًا مرتبطًا بالحياة القروية وازدياد الوعي بالتناظر والجماليات'.
ومع ذلك، فإن ينس هويروب، الأستاذ المساعد المتفرغ في جامعة روسكيلده بالدنمارك، والمتخصص في رياضيات بلاد ما بين النهرين، غير المشارك في الدراسة، أقل اقتناعًا بحجة علماء الآثار.
وقد وصف تناظر الزخارف الزهرية لدى شعب حلف بأنه 'حادثة معزولة من تقنية رياضية' أكثر من كونه دليلًا على تفكير رياضي أوسع.
وقال هويروب لـCNN: 'إذا أردت أن تقسّم دائرة بشكل جميل، فأولًا ترسم قطرًا، فيصبح العدد اثنين. ثم تقسّم بالاتجاه الآخر، فيصبح العدد أربعة. لا يعني ذلك أي بحث عن متتالية هندسية تصاعدية، بل هو مجرد تنصيف'.
وأضاف: 'لديهم إحساس بالتناظر، وهذا واضح. لكن لا يمكننا الاستنتاج من ذلك أنهم امتلكوا نظامًا رياضيًا. لا توجد رياضيات عليا، إنه فقط أبسط طريقة لإجراء التقسيمات'.






































