اخبار الجزائر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٧ نيسان ٢٠٢٦
اتخذها العثمانيون موقعاً تجارياً وحولها الفرنسيون إلى مكان لإعدام المقاومين بينما سماها المستوطنون 'ساحة الحكومة'
بين مرور حضارات ما قبل الميلاد والفتح الإسلامي وما بعده، وصولاً إلى الوجود العثماني والاستعمار الفرنسي إلى الاستقلال في 1962، تواصل ساحة 'الشهداء' أو ساحة 'الحكومة' أو 'ساحة الفارس' أو 'ساحة الحصان' أو 'إيكوزيوم'، ربط الحاضر بالماضي، وتختزل خفايا سكان الجزائر وهي تحتضن مختلف فئات المجتمع في شكل مركز التقاء يطل على البحر الأبيض المتوسط.
تعتبر 'ساحة الشهداء' أشهر ساحة في الجزائر، وقد ذاع صيتها في الخارج لارتباطها بأحداث عدة عاشتها البلاد خلال مختلف الفترات، ولا يمكن للسائح سواء الأجنبي أو القادم من خارج العاصمة، تأجيل زيارتها وأخذ صور في مختلف جنباتها وأطرافها التي تحكي قصص وروايات، بخاصة أن موقعها يأسر الحاضرين ويسر الناظرين، ومن أول خطوة تخطوها داخلها تدرك أنك سافرت خارج حدود المكان.
ليست 'ساحة العود أو الحصان' مجرد مساحة في قلب العاصمة الجزائر، بل ذاكرة حية يحكي تفاصيلها صدى جدران البنايات المجاورة، التي تحفظ أسرار الزمن ووجوه المارة وصياح الباعة، وبعض أصوات أمواج البحر، حيث تختلط العراقة بالتجدد في لوحة متكاملة تعكس هوية مدينة بأكملها.
وتكشف الحفريات التي تتواصل إلى يومنا هذا، أن تاريخ المكان يعود إلى الحقبة النوميدية، كما كانت طوال خمسة قرون أكبر سوق للرقيق الأبيض الأوروبي.
تقول كتب التاريخ إن الساحة كانت في مركز مدينة الجزائر منذ تأسيسها على يد بولوغين بن زيري، وقد سميت 'ساحة الجنينة' أي 'ساحة الحديقة الصغيرة'، لكن بعد قدوم العثمانيين عام 1514، اتخذوها موقعاً تجارياً يلتقي فيه كل سكان ضواحي الجزائر العاصمة.
وخلال الاحتلال الفرنسي تحولت إلى مكان للإعدام العام للمقاومين الجزائريين، ثم منحوها اسم 'ساحة الدوق دورليان' بعدما أقاموا فيها عام 1845 نصباً تخليداً لفرديناند فيليب دورليان، نجل لويس الـ13 ملك فرنسا، ممتطياً حصانه، وقد صنع من المعدن المذاب من مدافع مدينة الجزائر، بينما أطلق عليها المستوطنون اسم 'ساحة الحكومة'، على اعتبار أنها كانت مركز التقاء وتجمع مختلف طبقات وفئات المجتمع الفرنسي، لا سيما من النخبة والأثرياء وكبار التجار والعسكريين، للحديث عن أمور السياسة.
وكل تلك الأجناس التي تشكل النسيج الاجتماعي الأوروبي، كانت تلتقي في هذا المكان، من دون تواصل حقيقي مع الأهالي، فالمعمرون لم يكونوا ينظرون بعين الثقة للجزائريين الذين ظلوا في عداء دائم لهم، مما جعل الساحة تجسد الاحتلال والاستعمار عبر نظرات الكراهية والاستعلاء المنبعثة من أعين الأوروبيين.
وبعد استقلال الجزائر سمي المكان بـ'ساحة الشهداء' تخليداً للمقاومين الذين سقطوا في ميدان الشرف من أجل تحرير البلاد من الاحتلال الفرنسي، والذين يفوق تعدادهم نحو 10 ملايين بحسب إحصاءات بعض المؤرخين.
تقع 'ساحة الشهداء' في القصبة السفلى بالعاصمة الجزائرية، على خليج البحر الأبيض المتوسط قرب 'تامنفوست'، المكان الذي كان شاهداً على تحطم بواخر 'شارلوكان' أثناء محاولة غزوه المدينة عام 1541، بعد عاصفة هوجاء تسببت في فقدانه جل أسطوله البحري غرقاً، يقابلها من الجهة الأخرى من البحر ثالث أكبر مسجد في العالم بعد الحرمين بالسعودية، 'الجامع الأعظم' الذي ينفرد بأكبر مأذنة في العالم، بينما على يسارها الحي الأكبر في الجزائر المعروف بـ'حي باب الواد'، الذي شيدته السلطات الاستعمارية الفرنسية، وكانت تسكنه عائلات أوروبية وموريسكية ويهودية بجنسية فرنسية، في حين تعانق على يمينها حي 'باب عزون'، وهو أحد أبواب المدينة القديمة، ومن الخلف يقف حي 'القصبة' العتيق أو 'الجزائر القديمة' أو 'مزغنة' أو 'المحروسة'.
وسجلت الساحة على مستوى هيئة 'اليونيسكو' ضمن فضاء 'القصبة' كموقع للتراث العالمي منذ عام 1992، إذ يحتفل باليوم العالمي للقصبة في الـ23 من فبراير (شباط) من كل عام، كونه يعد رمزاً يحكي في طياته تاريخ وحضارة المدينة.
وشهدت ساحة 'الشهداء' عام 2012 حدثاً كبيراً زادها أهمية وزخماً تاريخياً، بعدما تم العثور على قطع ومواقع أثرية تحت الأرض أثناء عمليات حفر وأشغال إنجاز خط جديد من مترو الجزائر العاصمة، وبحسب السلطات فإن الحفريات تعود إلى 2000 عام، وذكرت أن الاكتشافات تعكس التاريخ العمراني لمدينة 'إيكوسيم'، اسم الجزائر قديماً، التي أصبحت 'إيكوزيوم' في عهد الإمبراطور الروماني 'فيسباسيان' عام 75 قبل الميلاد.
وفي سياق منحها والمنطقة المجاورة لها صبغة العالمية، تشهد 'ساحة الشهداء' تهيئة واسعة بمساحة تقدر بـ7986 متراً مربعاً، تنتهي بشرفة تطل على البحر بنظرة بانورامية تمسح كل شرق العاصمة التي يتوسطها الجامع الأعظم وناطحات السحاب، حيث يتم إنجاز ممرات علوية زجاجية فوق البقايا الأثرية لتمكين الزوار من استكشافها، إضافة إلى مصعدين كهربائيين وسلالم كهربائية، لربط الساحة بمتنزه الميناء، كذلك يشمل المشروع إقامة فضاءات ترفيهية ومتنزهات، إلى جانب مطاعم ومقاهٍ ودور عرض وغيرها، مما يجعلها فضاء تاريخياً وسياحياً مفتوحاً.




















