اخبار سلطنة عُمان
موقع كل يوم -الخليج أونلاين
نشر بتاريخ: ١٩ نيسان ٢٠٢٦
يوسف حمود - الخليج أونلاين
تشير البيانات إلى أن دول الخليج تعرضت خلال أول 30 يوماً من الحرب لأكثر من 5200 هجوم صاروخي ومسيّر.
لم تكن دول مجلس التعاون الخليجي بعيدة عن مسار الحرب على إيران، بل تحولت خلال أسابيع قليلة إلى ساحة رئيسية للهجمات، مع آلاف الصواريخ والطائرات المسيّرة التي استهدفت مدنها ومنشآتها منذ 28 فبراير وحتى 8 أبريل 2026، في واحدة من أكثر موجات التصعيد كثافة في تاريخ المنطقة الحديث.
وخلال هذه الفترة القصيرة التي سبقت إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هدنة لأسبوعين، تكشف الأرقام عن مشهد مختلف عما يوحي به حجم الهجمات، حيث تقابل التصعيد العسكري مع قدرة واضحة على الاحتواء، واستمرار الاستقرار الداخلي، وبقاء الخدمات والاقتصاد في حالة عمل شبه طبيعية رغم الضغط الإقليمي المتزايد.
وتُظهر البيانات المسجلة خلال الحرب أن قراءة سلوك دول الخليج لا تحتاج إلى تأويل سياسي، بقدر ما تعتمد على الأرقام نفسها، التي ترسم صورة متكاملة لثلاثة مسارات متزامنة: صد الضربات عسكرياً، والحفاظ على التماسك اجتماعياً، واستمرار الاستقرار اقتصادياً.
البعد العسكري وصد الضربات
تشير البيانات إلى أن دول الخليج تعرضت خلال أول 30 يوماً من الحرب لأكثر من 5200 هجوم صاروخي ومسيّر وفق قناة 'الجزيرة'، إضافة إلى هجمات أقل على دول أخرى، حيث تركزت نحو 83% من إجمالي الضربات الإيرانية على دول مجلس التعاون، ما يجعل المنطقة نقطة الاستهداف الرئيسية ضمن مسرح العمليات العسكرية خلال هذه الفترة.
وتُظهر الإحصاءات أن إيران أطلقت خلال الحرب أكثر من 850 صاروخاً باليستياً ونحو 2650 طائرة مسيّرة باتجاه دول الخليج، مع تسجيل موجات مكثفة خلال فترات قصيرة، منها إطلاق أكثر من 350 صاروخاً و900 طائرة مسيّرة خلال 48 ساعة فقط على عدة دول خليجية.
وعلى مستوى الدول، أعلنت الإمارات اعتراض 182 صاروخاً باليستياً وإسقاط 169 منها بنسبة نجاح تقارب 93%، إضافة إلى اعتراض 645 طائرة مسيّرة، فيما سجلت الكويت اعتراض 178 صاروخاً و384 مسيّرة، والبحرين 70 صاروخاً و76 مسيّرة، وقطر 101 صاروخ واعتراض 24 مسيّرة من أصل 39.
وبحلول 7 أبريل 2026، تشير التقديرات إلى أن إجمالي الهجمات على الخليج والأردن تراوح بين 5936 و6722 هجوماً خلال نحو 36 يوماً، ورغم هذا الحجم، بقيت الخسائر البشرية محدودة نسبياً، مع تسجيل إصابات طفيفة وأضرار مادية محدودة مقارنة بكثافة الهجمات المسجلة.
التماسك الاجتماعي
تقول البيانات السكانية إن دول مجلس التعاون تضم ما بين 60 و64 مليون نسمة تقريباً، مع تصدر السعودية بنحو 35–36 مليون نسمة، تليها الإمارات بـ10–11 مليون نسمة، فيما تتوزع بقية الدول على أعداد أقل من 5 ملايين نسمة لكل دولة.
وخلال فترة الحرب، ركزت الحكومات الخليجية على تعزيز الاستقرار الداخلي من خلال تفعيل أنظمة الإنذار المبكر، وتنظيم حركة المدنيين في المناطق الحساسة، وتقديم رسائل توجيهية يومية عبر وسائل الإعلام والتطبيقات الرسمية، ما ساهم في الحفاظ على حالة من الانضباط المجتمعي.
ورغم كثافة الهجمات العسكرية، استمرت معظم الأنشطة اليومية والخدمات دون توقف ملحوظ، وهو ما يعكس قدرة الأنظمة على إدارة الوضع الاجتماعي في بيئة ضاغطة، باستثناء إيقاف بعض الفعاليات؛ حفاظاً على حياة المدنيين.
كما تعكس البيانات استمرار مستويات مرتفعة نسبياً من الرضا المجتمعي، حيث تحتل دول مثل السعودية والإمارات والكويت وقطر مواقع متقدمة في مؤشرات السعادة، وهو عامل سابق للحرب لكنه ساهم في تقليل أثر الضغوط النفسية الناتجة عن التصعيد العسكري.
الاقتصاد والاستقرار المالي
قبل الحرب كانت البيانات الاقتصادية تشير إلى أن إجمالي الناتج المحلي لدول الخليج تجاوز 2 تريليون دولار في 2025، مع تصدر السعودية بنحو 1.2–1.3 تريليون، تليها الإمارات بـ560–600 مليار دولار، بينما تتوزع بقية الدول على اقتصادات أقل من 180 مليار دولار لكل دولة.
وعلى مستوى المالية العامة، بلغ الإنفاق الحكومي نحو 540 مليار دولار مقابل إيرادات تتراوح بين 487 و490 مليار دولار، ما يعني وجود عجز يتم تمويله عبر الاحتياطيات والصناديق السيادية، وهو ما وفر هامشاً مالياً يمكن إعادة توجيهه للتعامل مع تداعيات الحرب.
وخلال فترة الحرب، لم تُسجل موجات تضخم حادة أو توقف في الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمواصلات والاتصالات، رغم التوترات في النقل البحري والجوي، ما يعكس قدرة الأنظمة الاقتصادية على امتصاص الصدمات.
كما استمرت برامج الدعم الحكومي ومشاريع البنية التحتية وتدفق الرواتب، ما ساهم في الحفاظ على مستويات الدخل والنشاط الاقتصادي، ومنع انتقال آثار الحرب بشكل مباشر إلى الحياة اليومية للمواطنين والمقيمين.
الأمن الغذائي والإمدادات
تُظهر المؤشرات أن دول الخليج تحتفظ بمواقع متقدمة في الأمن الغذائي، رغم اعتمادها على استيراد ما بين 70% و85% من احتياجاتها الغذائية، حيث تعتمد على منظومات تخزين واستيراد متنوعة تقلل من مخاطر انقطاع الإمدادات خلال الأزمات.
وتحافظ دول مثل الإمارات على مخزون استراتيجي يغطي ما بين 4 و6 أشهر من السلع الأساسية، في حين تمتلك السعودية وقطر والكويت وعُمان برامج مشابهة تشمل بناء مستودعات ومخازن استراتيجية وتنويع مصادر الاستيراد عبر عدة قارات.
وخلال فترة الحرب، عززت الحكومات الرقابة على الأسواق عبر متابعة الأسعار وتشغيل خطوط ساخنة لتلقي البلاغات ومعاقبة المخالفين، ما ساهم في الحد من حالات التلاعب أو الارتفاع غير المبرر في أسعار السلع الأساسية داخل الأسواق المحلية.
كما أظهرت البيانات استمرار توافر السلع الغذائية والاستهلاكية دون تسجيل نقص واسع، وهو ما يعكس فعالية أنظمة الإمداد والتخزين، وقدرة الدول على إدارة سلاسل التوريد رغم الضغوط المرتبطة بالتوترات الإقليمية.
اختبار للصمود
يقول د. محمد الرميحي، أستاذ الاجتماع السياسي بجامعة الكويت، في مقال له بصحيفة 'الشرق الأوسط'، إن هذه الحرب لم تكن حدثاً عابراً، بل اختباراً حقيقياً لقدرة الدول على الصمود، حيث أظهرت دول الخليج تماسكاً لافتاً على المستويات العسكرية والسياسية والمجتمعية رغم حجم الهجمات والتوترات الدولية المصاحبة.
وأضاف الرميحي أن الصبر الاستراتيجي لدى القيادات الخليجية لعب دوراً محورياً في تجنب الانجرار إلى التصعيد، مشيراً إلى أن هذه القيادات تعاملت مع الاستفزازات الإيرانية بحسابات دقيقة، من خلال ردود مدروسة تحافظ على السيادة دون توسيع رقعة الصراع، وهو ما أعاد تعريف مفهوم القوة باعتبارها قدرة على ضبط الإيقاع لا الاندفاع.
ويشير في مقاله إلى أن التماسك المجتمعي كان أحد أبرز عوامل النجاح، حيث أظهرت شعوب الخليج وعياً عالياً في مواجهة حملات التضليل، ورفضت الانزلاق نحو الفتنة الداخلية، وهو ما ساهم في تحصين الجبهة الداخلية ومنع أي اختراق ناعم، رغم كثافة الضغوط الإعلامية والسياسية التي رافقت الحرب.
ويؤكد أن إدارة سلاسل الإمداد واستمرار الخدمات بكفاءة، إلى جانب الأداء الإعلامي والدبلوماسي المتوازن، عكست نضجاً مؤسسياً متقدماً، لافتاً إلى أن ما تحقق يعزز حضور 'النموذج الخليجي' كمنظومة متكاملة قادرة على إدارة الأزمات المركبة بكفاءة عالية.
اقتصاد مرن
فيما رأى محمد أحمد منعم، المحلل الفني المختص بأسواق الأسهم في الخليج، في مقال له بمنصة 'Investing' حول أداء اقتصادات الخليج خلال الحرب الإيرانية، أن دول الخليج أظهرت مرونة كبيرة في إدارة إمدادات الطاقة، رغم التحديات الناتجة عن شبه إغلاق مضيق هرمز، مشيراً إلى نجاح السعودية في رفع طاقة التصدير عبر خط 'شرق-غرب' إلى مستويات غير مسبوقة.
ويوضح منعم أن سرعة استعادة تشغيل المنشآت النفطية بعد الهجمات، رغم فقدان مؤقت للإنتاج، تعكس كفاءة البنية التحتية وقدرة دول الخليج على التعامل مع الأزمات بكفاءة عالية، وهو ما ساهم في تقليل أثر الصدمات على الأسواق المحلية والعالمية.
وأضاف أن تأثير الحرب كان متفاوتاً بين الدول، حيث واجهت الدول غير المصدرة للطاقة ضغوطاً كبيرة، في حين استفادت الدول الخليجية من ارتفاع الأسعار، بفضل تنوع مصادر دخلها ومرونة سياساتها الاقتصادية، مقارنة بدول تعتمد بشكل شبه كامل على عائدات النفط.
ولفت إلى أن دول الخليج باتت تمثل ركيزة للاستقرار الإقليمي والعالمي، في ظل التحديات الاقتصادية العالمية، لافتاً إلى أن استضافة أبوظبي اجتماعات صندوق النقد والبنك الدولي لعام 2029 تعكس الثقة الدولية المتزايدة بمكانة الخليج كشريك رئيسي في صياغة مستقبل الاقتصاد العالمي.





















