اخبار قطر
موقع كل يوم -الخليج أونلاين
نشر بتاريخ: ٤ نيسان ٢٠٢٦
كامل جميل - الخليج أونلاين
الخبير الاقتصادي د. علي دعدوش: تطورات الحرب تمهد لموجة تضخمية عالمية جديدة، مدفوعة بارتفاع تكاليف النقل والتأمين واضطراب سلاسل الإمداد، لا سيما في أسواق الطاقة والغذاء
شهدت التجارة البحرية العالمية موجة غير مسبوقة من ارتفاع التكاليف، وسط تصاعد النزاعات الدولية والإقليمية التي قلبت الممرات البحرية الحيوية إلى ساحات توتر استراتيجي.
وتوضح البيانات الحديثة أن أسعار التأمين على مخاطر الحرب ارتفعت بشكل مذهل، إذ باتت التكلفة عشرة أضعاف ما كانت عليه قبل النزاعات الأخيرة، ما يفرض على شركات الشحن خياراً صعباً بين تحمل الرسوم المرتفعة أو مواجهة شلل في حركة التجارة.
وهذا الواقع يضع الاقتصاد العالمي أمام تحديات مالية ومعيشية مباشرة، من الأسواق إلى رفوف المستهلكين، فالتوجهات الجديدة في تأمين السفن تكشف عن تزايد تأثير المخاطر الجيوسياسية على أسواق الطاقة والغذاء، حيث ترتبط قرارات شركات التأمين مباشرة بأسعار الحبوب والسلع الأساسية.
وتشير تقارير وتحليلات متخصصة إلى أن أي اختلال في تغطية التأمين قد يدفع الدول إلى إنشاء صناديق ضمان سيادية، وهو حل مكلف ومعقد قد يؤثر على الميزانيات العامة.
واليوم، بات يتضح جلياً التحولات النوعية في النزاعات المعاصرة؛ حيث لم تعد المواجهات البرية والجوية وحدها تشكل تهديداً، بل أصبحت الممرات البحرية نفسها مسرحاً رئيسياً للصراع الدولي، ما يجعل أمنها مسألة استراتيجية حيوية تتجاوز البعد الفني واللوجستي لتصبح عنصراً رئيسياً في الاستقرار الاقتصادي العالمي.
وتفيد تقارير وبيانات بأن التجارة الدولية عبر البحار ستكون محور التعقيدات التي تنتظر الاقتصادات العالمية، ويمكن معرفة ذلك من خلال التالي:
ارتفعت أقساط مخاطر الحرب للسفن التجارية بنسبة 1000% منذ اندلاع النزاعات الأخيرة.
السفينة التي كانت تدفع 10.000 دولار للرحلة الواحدة قبل عام، باتت اليوم تدفع أكثر من 100.000 دولار (سوق لويدز لندن للتأمين).
ارتفاع التأمين يعزز ظاهرة التضخم المستورد، ويؤثر على أسعار السلع الأساسية عالمياً.
رفض التأمين أو اشتراط مبالغ عالية يجبر شركات الشحن على الالتفاف حول مسارات أطول، مثل رأس الرجاء الصالح، مما يزيد الاستهلاك الوقودي بنسبة 40%، ويقلل الطاقة الاستيعابية للأسطول بنسبة 15% (أونكتاد).
ارتفاع كلف التأمين يهدد الأمن الغذائي، خاصة في الدول المستوردة للحبوب، حيث لا تتحمل البضائع منخفضة القيمة مثل القمح والذرة تكاليف حماية مرتفعة (منظمة الأغذية والزراعة - الفاو).
يخشى مختصون انسحاب شركات التأمين بالكامل، ما قد يدفع الحكومات إلى إنشاء صناديق ضمان سيادية لتغطية السفن الوطنية، وهو حل مكلف ومعقد
ازدياد الصراعات المسلحة في مختلف مناطق العالم خلال السنوات القليلة الماضية جعل الممرات البحرية تبرز بشكل كبير؛ لكونها من بين أبرز ركائز الاقتصاد العالمي، وأكثرها تأثراً بالحروب والنزاعات.
ولمعرفة أهمية هذه الممرات والصراعات التي أثرت عليها، يلفت المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، في دراسة، إلى الآتي:
الممرات البحرية تحولت إلى ساحات صراع جيوسياسي وضغط استراتيجي.
الحرب الروسية-الأوكرانية أبرزت أهمية البحر الأسود لتصدير الحبوب والطاقة.
النزاع في غزة كشف هشاشة الملاحة في البحر الأحمر.
التوترات الإيرانية أعادت التركيز على الحساسية الاستراتيجية لمضيق هرمز.
ارتفاع مستويات التوتر في الممرات البحرية أثر مباشرة على حركة التجارة العالمية.
النزاعات لم تعد مقتصرة على الأرض والجو، بل تشمل السيطرة على الممرات البحرية.
تعطيل الممرات المائية الرئيسية أدى إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية، مع اعتماد نحو 90% من التجارة الدولية على الشحن البحري.
أمثلة على الاضطرابات: إغلاق مضيق هرمز، حصار موانئ أوكرانيا، تعطل سفينة إيفر جيفن في قناة السويس، الجفاف في قناة بنما، والهجمات المستمرة على السفن في البحر الأحمر.
ويرى الخبير الاقتصادي د. علي دعدوش أن إغلاق مضيق هرمز لا يمكن التعامل معه بصفته حدثاً عابراً، بل تحولاً مفصلياً يعيد تشكيل خريطة المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية، خاصة بالنسبة للدول المصدّرة للطاقة والمستوردة للسلع والخدمات على حد سواء.
ويشير دعدوش، في حديثه لـ'الخليج أونلاين'، إلى أن القفزة غير المسبوقة في أقساط التأمين على السفن التجارية تكشف عن هذا التحول بوضوح، إذ ارتفعت في بعض الحالات بنحو عشرة أضعاف، بينما قفزت تغطية 'مخاطر الحرب' من مستويات هامشية إلى نسب تتراوح بين 3% و7% لكل رحلة، ما يترجم إلى كلفة إضافية بملايين الدولارات لناقلة نفط واحدة.
وبحسب دعدوش، فإن هذا الارتفاع لا يعكس مجرد زيادة مؤقتة في الأسعار، بل انتقالاً نوعياً في طبيعة المخاطر داخل الممرات البحرية الحيوية، التي يمر عبرها نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، من كونها مخاطر قابلة للاحتواء إلى مخاطر عالية الاحتمال والتأثير، في ظل تصاعد الهجمات وتنامي استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة، إلى جانب تراجع قدرة شركات التأمين وانسحاب بعضها من تغطية هذه المناطق.
وعلى صعيد قطاع الشحن، يوضح دعدوش أن الشركات اضطرت إلى إعادة تسعير خدماتها بشكل حاد، مع ارتفاع أجور النقل البحري بنسب كبيرة، وفرض رسوم إضافية تحت بند 'مخاطر الحرب'، فضلاً عن اللجوء إلى مسارات أطول لتفادي مناطق التوتر، ما ينعكس مباشرة على زمن الرحلات وكلفها التشغيلية.
أما على المستوى الكلي، فيحذّر من أن هذه التطورات تمهد لموجة تضخمية عالمية جديدة، مدفوعة بارتفاع تكاليف النقل والتأمين واضطراب سلاسل الإمداد، لا سيما في أسواق الطاقة والغذاء.
ويقدّر أن استمرار هذه الأوضاع قد يضيف ما بين نصف إلى نقطة مئوية كاملة إلى معدلات التضخم العالمية، مع ما يحمله ذلك من مخاطر تباطؤ النمو والدخول في سيناريو 'الركود التضخمي'.
ويضيف أن التأثيرات لن تتوزع بشكل متساوٍ، إذ تواجه الدول المستوردة للطاقة ضغوطاً مضاعفة نتيجة ارتفاع الأسعار وكلف الشحن، في حين قد تستفيد الدول المصدّرة من ارتفاع الأسعار، لكنها في المقابل تتحمل كلفاً أعلى ومخاطر متزايدة على تدفقات التصدير.
ويخلص دعدوش إلى أن ما يجري اليوم يتجاوز كونه أزمة عابرة، ليعكس عملية إعادة تسعير شاملة لمخاطر التجارة الدولية، حيث لم تعد كلفة النقل مرتبطة بعوامل تقليدية كالمسافة والوقود فحسب، بل أصبحت رهينة مباشرة لمستوى التوترات الجيوسياسية، ما ينذر بمرحلة ممتدة من ارتفاع كلفة التجارة وتزايد هشاشة الاقتصاد العالمي.























