اخبار سلطنة عُمان
موقع كل يوم -الخليج أونلاين
نشر بتاريخ: ٢٣ حزيران ٢٠٢٦
يوسف حمود - الخليج أونلاين
موقع عُمان في معادلات الخليج لم يعد مرتبطاً بدورها التقليدي كوسيط فحسب، بل بات يشمل حضوراً مباشراً في الملفات الأمنية والاقتصادية.
لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري تعبره ناقلات النفط والغاز، بل تحول إلى أحد أبرز الملفات التي أعادت رسم موازين القوى والتحركات الدبلوماسية في الخليج، بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية التي دفعت المنطقة إلى حافة مواجهة واسعة هددت أمن الملاحة وإمدادات الطاقة العالمية.
وخلال أسابيع الحرب، تصاعدت مخاطر استمرار إغلاق المضيق أو تعطيل حركة السفن التجارية، خصوصاً مع تبادل الضربات بين الولايات المتحدة وإيران ودخول 'إسرائيل' على خط المواجهة، وهو ما انعكس مباشرة على أسواق الطاقة العالمية ورفع تكاليف الشحن والتأمين البحري.
ومع إعلان التوصل إلى مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران لوقف العمليات العسكرية وفتح مسار تفاوضي بشأن الملفات العالقة، عاد اسم سلطنة عُمان إلى الواجهة باعتبارها أحد أبرز الوسطاء الذين شاركوا في الاتصالات والمشاورات التي مهدت للتفاهمات الأخيرة، إلى جانب دورها الجغرافي المباشر في المضيق نفسه.
وفي وقت انشغلت فيه القوى الإقليمية والدولية بمصير هرمز ومستقبل الملاحة فيه، وجدت مسقط نفسها في موقع متقدم داخل المشهد، ليس فقط كوسيط سياسي بين الأطراف المتصارعة، بل أيضاً كدولة مطلة على المضيق وشريك لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات تخص أمنه وإدارته خلال المرحلة المقبلة.
الحرب وهرمز
شكل مضيق هرمز أحد أكثر الملفات حساسية خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، نظراً لما يمثله من أهمية استراتيجية للاقتصاد العالمي، فالمضيق الذي يربط الخليج العربي بخليج عُمان وبحر العرب يمر عبره نحو 20% من استهلاك العالم من النفط، إضافة إلى جزء كبير من تجارة الغاز الطبيعي المسال القادمة من الخليج.
وخلال التصعيد العسكري الأخير تعرضت الملاحة البحرية للاضطراب، فيما تزايد الحديث عن خيارات إيرانية مرتبطة بالمضيق، سواء عبر تشديد الرقابة على السفن أو فرض ترتيبات جديدة على حركة العبور، كما ارتفعت تكاليف التأمين البحري بشكل ملحوظ مع تزايد المخاطر الأمنية في المنطقة.
ولم تقتصر تداعيات الأزمة على الدول الخليجية المنتجة للطاقة، بل امتدت إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية التي تعتمد على النفط والغاز المارين عبر هرمز، ما دفع العديد من العواصم إلى متابعة تطورات الملف بصورة يومية بوصفه أحد أكثر الملفات تأثيراً على الاقتصاد العالمي.
ومع التحركات الأخيرة لإنهاء الحرب، أصبح ملف المضيق جزءاً أساسياً من النقاشات السياسية والأمنية بين واشنطن وطهران، إذ ارتبطت أي ترتيبات لوقف التصعيد بضرورة ضمان استمرار حرية الملاحة ومنع تكرار التهديدات التي طالت حركة السفن خلال فترة المواجهة.
مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية
أعادت مذكرة التفاهم التي جرى التوصل إليها بين الولايات المتحدة وإيران ملف هرمز إلى الواجهة من زاوية مختلفة، إذ لم يعد الحديث مقتصراً على المخاطر العسكرية، بل انتقل إلى مناقشة الترتيبات المستقبلية المتعلقة بالملاحة والأمن البحري وآليات منع التصعيد.
وتضمنت المباحثات التي أعقبت الاتفاق ملفات مرتبطة بحرية المرور، وإجراءات بناء الثقة، وآليات التواصل لتجنب الحوادث البحرية، إضافة إلى قضايا مرتبطة بالبرنامج النووي والعقوبات الاقتصادية، وأصبح المضيق أحد البنود الرئيسة التي جرى التعامل معها باعتبارها جزءاً من ترتيبات الاستقرار الإقليمي.
— وكالة الأنباء العمانية (@OmanNewsAgency) June 22, 2026
وفي 23 يونيو 2026 أعلن وزير الخارجية العُماني، بدر بن حمد البوسعيدي، إجراء مباحثات في مسقط مع رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي، تناولت مذكرة التفاهم الموقعة بين إيران والولايات المتحدة، مع تركيز خاص على البنود المتعلقة بمضيق هرمز.
وقال البوسعيدي إن المناقشات كانت بناءة، مؤكداً التزام الجانبين بالقانون الدولي وضمان المرور الآمن للسفن من دون فرض رسوم، حيث أعطى هذا التصريح مؤشراً مهماً على طبيعة التفاهمات التي يجري العمل عليها، كما أظهر حجم الحضور العُماني في واحدة من أكثر القضايا حساسية بعد الحرب.
كمااتفقت سلطنة عُمان وإيران على تشكيل لجنة مشتركة لمتابعة القضايا المتعلقة بمضيق هرمز، وذلك خلال مباحثات مسقط ذاتها، وأكدتا، بصفتيهما الدولتين المشاطئتين لمضيق هرمز، التزامهما بضمان العبور الآمن عبر المضيق بما يتوافق مع أحكام القانون الدولي، مع التشديد على سيادتهما وحقوقهما السيادية على مياههما الإقليمية.
دور عُماني قديم حديث
الأكاديمي والباحث العُماني محمد بن عوض المشيخي قال إن أزمة مضيق هرمز الحالية تمثل 'قضية قديمة جديدة'، مشيراً إلى أن جذور الملف تعود إلى اتفاق عام 1974 بين عُمان وإيران بشأن تنظيم المسؤوليات في المضيق.
وأضاف، في تصريحات نقلتها عنه منصة 'The Cradle'، أن الدور العُماني تطور لاحقاً ليشمل الإشراف على حركة الملاحة وحماية المياه الإقليمية والبيئة البحرية وإرشاد السفن العابرة.
وفيما يتعلق بالتطورات الأخيرة، قال المشيخي إن أي خطوات أحادية في المضيق دون تنسيق بين الأطراف المعنية قد تدفع قوى دولية كبرى إلى التدخل في الملف، لافتاً إلى أن عُمان لا ترغب في تحمل أعباء أمن المضيق منفردة في ظل المخاطر المتزايدة التي تحيط به.
أما الباحث العُماني المتخصص في شؤون الخليج والعلاقات الدولية، الدكتور عبد الله باعبود، فيقول إن السياسة العُمانية في مضيق هرمز تستند إلى ثلاثة أهداف رئيسية تتمثل في الحفاظ على حرية الملاحة الدولية، والإبقاء على العلاقات مع إيران ومنع التصعيد، وتجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة والقوى الغربية ودول الخليج.
— وكالة الأنباء العمانية (@OmanNewsAgency) June 23, 2026
ووصف باعبود الخطاب العُماني الرسمي بأنه يركز باستمرار على أمن الملاحة والقانون الدولي واستمرار حركة التجارة وسلاسل الإمداد العالمية، موضحاً أن مسقط تسعى إلى ترتيبات عملية تشمل تنسيق حركة الشحن وإدارة الأزمات البحرية وبناء الثقة بين الأطراف المختلفة.
كما أشار إلى أن عُمان لا تتحرك باتجاه إقامة تحالف استراتيجي مع إيران حول المضيق، بل تعمل على إيجاد تفاهمات عملية تمنع التصعيد وتحافظ على استقرار الممر البحري، في ظل تزايد حساسية ملف هرمز بعد الحرب الأخيرة والتفاهمات الأمريكية الإيرانية اللاحقة.
'هيئة مضيق الخليج الفارسي'
قبل أسابيع من التفاهمات الأخيرة، أعلنت إيران، في مايو 2026، إنشاء 'هيئة مضيق الخليج الفارسي'، وهي خطوة أثارت نقاشات واسعة داخل المنطقة وخارجها بشأن مستقبل إدارة المضيق وطبيعة الدور الذي تسعى طهران إلى ممارسته فيه.
وطرحت الخطوة تساؤلات حول إمكانية فرض رسوم أو ترتيبات جديدة على السفن التجارية العابرة، كما أثارت مخاوف لدى شركات الشحن والتأمين البحري من ظهور متطلبات إضافية قد تزيد من تكاليف العبور عبر أحد أكثر الممرات البحرية ازدحاماً في العالم.
غير أن المباحثات التي جرت في مسقط في 23 يونيو حملت مؤشرات مختلفة، إذ أكد البوسعيدي التزام الجانبين بالقانون الدولي وحرية الملاحة دون رسوم، وهو ما اعتبر رسالة تهدف إلى طمأنة الأسواق والدول المعتمدة على المضيق بشأن مستقبل حركة السفن.
كما عكست تلك التصريحات رغبة في إبقاء ملف هرمز ضمن الأطر القانونية الدولية، بدلاً من تحويله إلى أداة صراع سياسي أو اقتصادي، وهي مقاربة تتماشى مع الموقف العُماني التقليدي القائم على حماية الاستقرار وتجنب التصعيد.
وأظهرت التطورات الأخيرة أن موقع عُمان في معادلات الخليج لم يعد مرتبطاً بدورها التقليدي كوسيط فحسب، بل بات يشمل حضوراً مباشراً في الملفات الأمنية والاقتصادية المرتبطة بالممرات البحرية والتجارة الدولية.
وعززت الأزمة أهمية المقاربة العُمانية القائمة على الحوار والتواصل مع مختلف الأطراف، خصوصاً في وقت شهدت فيه المنطقة استقطاباً حاداً وتراجعاً في قنوات الاتصال المباشر بين عدد من القوى المتنافسة.





















