اخبار السودان
موقع كل يوم -أثير نيوز
نشر بتاريخ: ٢٥ أذار ٢٠٢٦
في العام 2004، تسلم إدارة شركة سودانير لواء من جهاز الأمن اسمو نصر الدين محمد أحمد.
وفي العام 2006، أعلنت الشركة عبر الصحف عن فرص لتوظيف طاقم طيران.
قدم عدد كبير جداً من الناس، وخلال المعاينات اتضح بأنو المدير العام اختار لجنة بعناية شديدة، وخلاهم يقسمو على أنو الاختيار يكون قائم على الكفاءة فقط، ما على المحسوبية أو الانتماء لأي جهة.
وبعدما توفقنا في اجتياز المعاينات وتم تعيينا بالشركة، تلقينا تدريب على أيدي أفضل كوادر الطيران، وكان من ضمن الطواقم مدربين ماليزيين.
قبل ما نزاول المهنة، نظم لنا نصر الدين دورات تدريبية غير تقليدية، شملت محاضرات في التاريخ السوداني، استضيف فيها نخبة من الخبراء، على رأسهم البروفيسور يوسف فضل. ونُظمت لينا رحلات ميدانية لمشروع كنانة وحقول البترول وعدد من المناطق الأثرية، في محاولة لربطنا عملياً بجغرافيا الوطن وتاريخه.
وأتيحت لينا فرصة تدريبية في مصر، وبعدها رحلة ثقافية تاريخية داخل مصر، بهدف توسيع مداركنا وتعزيز وعينا الحضاري.
وقبل ما نبدأ مهامنا، اجتمع بينا المدير العام وقال لينا:
'أنتو ما مجرد موظفين في الخطوط الجوية السودانية، أنتو حتكونوا سفراء السودان في الخارج.'
الهوية الزرعها فينا خلت كل واحد يشعر بزهو وفخر كبير. دفعتنا ما كان فيها أي انتماء سياسي، وكانت نموذج مصغر للسودان بكل تنوعه.
كان قريب من العاملين، ممكن تلقاهو بيشتغل وسطهم، لكن في نفس الوقت صارم جداً في الانضباط، وما بيسامح في التقصير.
في عهده، عادت الروح لسودانير، وانتظمت الرحلات، وعاد خط لندن، وبدأت شراكات للتوسع.
غادر بسبب موقف مبدئي، حين رفض الموافقة على شراء طائرة غير صالحة، رغم الضغوط، فكان قرار الاستغناء عنه.
بعد خروجه، بدأت الشركة في التراجع، وضاعت خطط كانت ممكن تحدث نقلة كبيرة.
كان نموذج لقائد يؤمن بالمؤسسية، وبالكفاءة، ومستعد يدفع ثمن مواقفه.
ما أورده صهيب عبدالله ليس مجرد سرد لتجربة شخصية بل شهادة حية على نموذج قيادي نادر في بيئة تعاني من اختلالات إدارية عميقة. قوة النص تكمن في أنه صادر من داخل التجربة مما يمنحه مصداقية عالية ويجعل القارئ يرى التفاصيل بعين من عاشها لا من سمع عنها.
التجربة تعكس بوضوح أن أي مؤسسة مهما كانت ظروفها—يمكن أن تنهض إذا توفرت لها قيادة تمتلك رؤية واضحة، وتؤمن بالكفاءة، وتطبق الانضباط دون محاباة. كما تكشف أن الاستثمار في الإنسان، فكرياً ووطنياً، لا يقل أهمية عن تأهيله مهنياً.
ومن أبرز الدروس المستفادة، أن القرارات الأخلاقية هي الاختبار الحقيقي للقادة. فرفض صفقة الطائرة، رغم كلفته الشخصية، يضع هذا النموذج في مصاف القيادات التي تقدم المبدأ على المنصب.
وفي المقابل، يوضح النص كيف يمكن أن تنهار الإنجازات سريعاً عند غياب نفس العقلية القيادية، وهو ما يعكس هشاشة المؤسسات التي لا تُبنى على أسس راسخة
فحين تصنع القيادة الفارق
ليست كل القيادات سواء، فبعضها يمر مروراً عابراً، بينما يترك بعضها الآخر أثراً عميقاً يتجاوز حدود الزمن والموقع. وتجربة اللواء نصر الدين محمد أحمد في سودانير تمثل نموذجاً حقيقياً للقيادة التي تبني، لا التي تدير فقط.
لقد أثبتت تلك التجربة أن جوهر الإصلاح المؤسسي يبدأ من الإنسان: اختياره، وتأهيله، وبناء وعيه. فحين يتحول الموظف إلى صاحب رسالة، تتغير معادلة الأداء بالكامل.
كما أكدت أن الانضباط ليس خياراً تكميلياً، بل هو العمود الفقري لأي مؤسسة ناجحة. فلا يمكن تحقيق التميز في بيئة تتسامح مع الفوضى أو تُدار بمنطق المجاملات.
أما المواقف الصعبة، فهي التي تكشف معدن القادة. والقيادة الحقيقية لا تُقاس بعدد القرارات، بل بنوعية تلك القرارات، خاصة حين تكون مكلفة على المستوى الشخصي.
إن السودان، وهو يواجه تحدياته، لا تنقصه الموارد ولا الكفاءات، بل يحتاج إلى هذا النمط من القيادة: قيادة تؤمن بالمؤسسية، وتُعلي قيمة الوطن، وتملك شجاعة اتخاذ القرار الصحيح مهما كانت التضحيات.
فالنهضة لا تبدأ من الخطط، بل من الرجال الذين يملكون القدرة على تحويلها إلى واقع.
ومن المهم هنا أن نوجه التحية للكاتب صهيب عبدالله، الذي أنصف هذه التجربة وقدمها بصدق، لأن الأمم التي لا توثق تجاربها تفقد جزءاً من ذاكرتها.
كما تمتد التحية والتقدير لقيادات الأجهزة الأمنية، التي أسهمت في صناعة مثل هذه النماذج القيادية المنضبطة، والتي لم يقتصر دورها على العمل الأمني، بل امتد لبناء الإنسان وإدارة مؤسسات الدولة بكفاءة.
وفي سياق الواقع الراهن، تتجلى هذه القيم ذاتها في ميادين معركة الكرامة، حيث يقدم أبناء الوطن من القوات المسلحة والقوات النظامية والمشتركة والمستنفرين أروع صور التضحية، وهم يذودون عن الوطن وكرامته.
إن السودان اليوم، أحوج ما يكون إلى هذا النموذج من القيادة: قيادة تؤمن بالمؤسسية، وتقدم الكفاءة، وتتحلى بالشجاعة في اتخاذ القرار.
وفي الختام، نسأل الله أن ينصر جيشنا، ويثبت أقدامهم، ويتقبل الشهداء، ويفك أسر المأسورين، ويشفي الجرحى، ويحفظ السودان وأهله، ويوحد كلمتهم على الحق، إنه ولي ذلك والقادر عليه.


























