اخبار العراق
موقع كل يوم -المسلة
نشر بتاريخ: ٢٦ حزيران ٢٠٢٦
26 يونيو، 2026
بغداد/المسلة: في صباح يومٍ ملبّد بغيوم الحزن الأبدي، حيث تتكرر نبضات التاريخ بثبات قاسٍ، أحاطت حشود جماهيرية غفيرة الصحن الحسيني الشريف بحنين يشبه استذكار ألم الفقد الأول. جاءت القراءة المقتضبة والمهيبة للمقتل الحسيني 'لتقول للزمن ما تقوله الذاكرة للنسيان: لا تنسَ'.
وامتدت الجموع من الأطراف البعيدة للصحن الحسيني، فئات عمرية متنوعة، من الشيوخ الذين يعاودون الزيارة للمرة الخمسين إلى الأطفال الذين ترى الحزن يستوطن عيونهم للمرة الأولى. درجات الحرارة اللاهبة، القيظ الذي يحرق الرمال، لم تثنِ أحداً عن الحضور.
كان المشهد يبدو مثل الخيال في طريقة ما: ملايين الأجساد، نبض واحد، قلب موحد ينبض مع قلب الإمام منذ 1385 سنة.
ركضة طويريج المليونية انطلقت بعد صلاة الظهر كموجة بشرية لا تعرف الخور أو الكلل. ارتفعت الصيحات الملتاعة نحو السماء. الحشود القادمة من مختلف مدن العراق والمحافظات إلى جانب الزوار العرب والأجانب التقت على نقطة واحدة: الألم المشترك، المقدس المتكرر.
الشيخ عبد الزهراء الكعبي، الذي لُقّب بمؤسس هذه الشعيرة، ابتكر قراءة مقتل الإمام الحسين بثوبه الجديد واشتهر بقراءته أمام حشود الناس في صبيحة كل يوم عاشوراء من قلب مدينة كربلاء. حين بثّ المقتل لأول مرة من إذاعة بغداد عام 1959، وصلت رسائل تطالب بإعادة البث بآلاف العشرات في ساعات قليلة فقط.
المقتل ليس مجرد نص؛ إنه شهادة حية، وثيقة إنسانية تتحدث عن المبادئ في أنقى صورها. الخطيب يقف أمام الميكروفون بحنجرة مهتزة، ينقل تفاصيل واقعة الطف بطريقة تجعل السامع يشعر كأنه بالفعل شاهد. لا تاريخ جاف، بل حكاية لحم ودم.
وفي أعمق مستويات هذه الشعيرة، ثمة رسالة سياسية تتجاوز الزمن. العتبة الحسينية تشهد وللمرة الحادية عشر على التوالي بعد سقوط النظام المقبور قراءة المقتل الحسيني وسط حضور جماهيري كثيف، والنظام السابق كان قد منع إجراء هذه الشعائر خلال حكمه الذي استمر لأكثر من خمسة وثلاثين عاماً.
عاشوراء ليست مجرد ذكرى دينية؛ إنها بيان سياسي مستمر ضد الاستبداد والظلم. حين يقف مئات الآلاف ليستمعوا لقصة رفض الإمام الحسين للذل، حين يسمعون عن رفضه 'عدم العودة للجاهلية'، إنهم في الواقع يقولون للسلطة: 'الكرامة فوق الحياة'.
ما يميز هذه المراسم هو أنها حزن منظم، يشتغل كقوة اجتماعية. الآلاف من المتطوعين الخدميين، فريقاً طبياً كاملاً على الأرض، تنسيق أمني محكم. شارك ملايين المؤمنين في إحياء ليلة الوحشة، وتضمنت مراسم الاحياء إيقاد الشموع وإقامة مجالس العزاء والتشابيه، قرب مرقدي الامام الحسين وأخيه العباس.
الحزن في هذا السياق ليس انكفاءً أو استسلاماً، بل اختيار فاعل. إنه يقول: نحن نتذكر لأن التذكر مقاومة، نبكي لأن البكاء نبض حي، نحتشد لأن الاحتشاد بيان.
في نهاية المطاف، ما يجري هنا يتجاوز التاريخ والدين والسياسة. إنه سؤال فلسفي أعمق: كيف نتعامل مع الألم الإنساني الأبدي؟ كيف نحوّل الفاجعة إلى درس؟ كيف نستخرج الجمال من الحزن؟
الإمام الحسين، عبر قراءة مقتله سنة بعد سنة، يصبح رمزاً حياً لا لموضوع تاريخي منصرم، بل لسؤال يتجدد دائماً: هل يستحق المبدأ الحياة، بل الموت؟
في ظل عالم يحاول نسيان مبادئه كل يوم، في زمن يقول فيه الاستبداد بكل براءة: 'خذوا السلام، واتركوا الكرامة'، فإن شعائر عاشوراء تقول جملة واحدة بلا نقاش: 'لا'.
About Post Author
Admin
See author's posts






































