اخبار سلطنة عُمان
موقع كل يوم -الخليج أونلاين
نشر بتاريخ: ٢ نيسان ٢٠٢٦
لندن – الخليج أونلاين (خاص)
بدا المشهد وكأن واشنطن تتحدث في وقت واحد بلغة الانسحاب ولغة الإبقاء على الخيار العسكري مفتوحاً، من دون تعريف حاسم لما تعنيه 'النهاية' أصلاً.
لم يعد السؤال في هذه الحرب ماذا يحدث على الأرض فقط؟ هناك سؤال آخر صار يتكرر في غرف الأخبار، وعلى الشاشات، وفي أحاديث السياسيين والمحللين، وحتى بين الناس العاديين: ماذا يريد ترامب أصلاً؟
وحين يصل الأمر إلى حد أن يُنقل عن أحد مستشاريه قوله: 'لا يمكنك توقع خطواته'، فإن الحيرة لا تعود مجرد انطباع خارجي، بل تصبح جزءاً من الصورة المحيطة بالرجل نفسه.
غموض يربك الجميع
فرئيس الولايات المتحدة الذي بدأ عامه الثاني مؤخراً يصعب التكهن بمواقفه، فهو يرفع السقف ثم يخفضه، يهدد ثم يلمّح إلى التهدئة، يتحدث بلغة الحسم ثم يترك الباب مفتوحاً أمام تصعيد جديد.
ومع كل تصريح جديد لا تتضح الصورة بقدر ما يزداد الضباب، حتى بدا أن كلماته نفسها أصبحت جزءاً من الأزمة، لا مجرد تعليق عليها.
هذه الحيرة لم تعد انطباعاً شعبياً عابراً، ولا مجرد مبالغة إعلامية، إذ تتحدث تقارير أمريكية عن ارتباك داخل دائرته نفسها، وعن رسائل متناقضة بشأن إيران: هل يريد إنهاء الحرب فعلاً خلال أسابيع؟ أم يهيئ لصيغة أخرى تبقي الضغط العسكري قائماً؟ وهل 'النهاية' التي يتحدث عنها تعني خروجاً حقيقياً، أم مجرد إعلان نصر سياسي ثم العودة عند الحاجة؟
وبحسب رصد 'الخليج أونلاين' فإن هذا الالتباس لم يبقَ محصوراً في التقديرات السياسية، بل انعكس بوضوح أيضاً في التغطيات التلفزيونية العربية والأجنبية، حيث بدا أن كثيراً من السياسيين المراسلين والمحللين والخبراء العسكريين ومراكز الأبحاث ينطلقون من الخلاصة نفسها: لا أحد يعرف على وجه اليقين ما الذي يريده ترامب أو إلى أين يمضي، وأن ضبابية مواقفه ما تزال تتحكم بالمشهد.
تضارب الرسائل
أحد أوضح أمثلة هذا التناقض أنه قال إن الولايات المتحدة قد تنهي الحرب خلال أسبوعين إلى 3 أسابيع، (بعد شهر من الحرب) في أكثر تصريحاته وضوحاً حتى الآن عن قرب الخروج.
لكن هذه النبرة نفسها لم تُغلق باب العودة، بل رافقها حديث عن إمكان تنفيذ ضربات لاحقة إذا لزم الأمر.
وهكذا بدا المشهد كأن واشنطن تتحدث في وقت واحد بلغة الانسحاب ولغة الإبقاء على الخيار العسكري مفتوحاً، من دون تعريف حاسم لما تعنيه 'النهاية' أصلاً.
ويظهر التناقض بصورة أشد في الملف النووي، وهو أكثر الملفات حساسية، ففي مقابلة مع 'رويترز'، الأربعاء 1 أبريل، قال ترامب إن الولايات المتحدة لا تبدي قلقاً حيال المواد النووية داخل إيران، وإن مراقبتها يمكن أن تتم عبر الأقمار الاصطناعية.
لكن هذا الكلام جاء بعد أجواء وتصريحات سابقة أبقت الباب مفتوحاً أمام سيناريو أكثر تشدداً، شمل حتى نقاشات حول خيار ميداني مباشر يتضمن إرسال قوات برية للسيطرة على اليورانيوم المخصب أو تأمينه بالقوة، وهو ما وصفته تقارير وخبراء بأنه عملية بالغة التعقيد والخطورة.
أما مضيق هرمز، فكان من الأمثلة الواضحة على تذبذب الأولويات، فبحسب تقارير أمريكية، ظهر فتح المضيق ضمن الشروط التي طرحتها واشنطن لوقف النار، في وقت عاد فيه ترامب لاحقاً ليلقي عبء تأمينه على الدول المستفيدة منه، بما عزز الانطباع بأن الموقف الأمريكي من هذا الملف يتغير من رسالة إلى أخرى.
مزاج السياسة
تدخل السوق بوصفها المرآة الأسرع لهذا الارتباك؛ فالسوق لا تنتظر الشروح المطولة، بل تترجم الخوف والضبابية إلى أرقام فوراً.
رويترز أفادت بأن متوسط توقعات سعر خام برنت لعام 2026 قفز إلى 82.85 دولاراً للبرميل في استطلاع حديث، مقارنة بـ 63.85 دولاراً في استطلاع فبراير، وهي أكبر قفزة من هذا النوع في تاريخ الاستطلاع.
كما أشارت إلى أن أسعار النفط ارتفعت بنحو 60% منذ اندلاع الحرب، وهذه الأرقام لا تعكس فقط خطورة المعركة، بل تعكس أيضاً أن المستثمرين لا يرون مساراً واضحاً يمكن الوثوق به.
لكن المفارقة أن السوق نفسها تنقلب سريعاً مع كل إشارة جديدة من ترامب، فحين تصدر منه رسالة توحي بقرب إنهاء الحرب، تتراجع أسعار النفط وتتنفس الأسهم الصعداء، وحين تعود اللغة إلى التهديد أو إلى إبقاء كل الخيارات مفتوحة، يعود القلق من جديد.
بهذا المعنى، لم تعد الأسواق تسعّر الوقائع الميدانية وحدها، بل باتت تسعّر 'مزاج الإشارة السياسية' أيضاً، وهذا واحد من أوضح آثار الضبابية: أن كلمة واحدة من ترامب قد تدفع العالم، ولو لساعات، إلى الاعتقاد بأن الحرب توشك أن تنتهي، ثم تأتي كلمة أخرى لتعيد كل شيء إلى نقطة الشك.
وعلى وقع هذه التصريحات المتباينة، تتواصل حالة الترقب تجاه الموقف الأمريكي من مسار الحرب وحدودها وأهدافها. فالتناقض بين التهديد والتهدئة، وبين التشدد والتخفيف، لا يعقّد فقط مهمة المتابعين في فهم ما يريده ترامب، بل يضيف مزيداً من الضبابية إلى مشهد إقليمي شديد الحساسية، تتأثر به السياسة والأسواق معاً.





















