اخبار السودان
موقع كل يوم -أثير نيوز
نشر بتاريخ: ٣ كانون الثاني ٢٠٢٦
في أغنية (أفكر فيه وأتأمل) لا نقف أمام نص عاطفي عابر، بل أمام عمل يختصر رحلة كاملة من تطور الوجدان السوداني، حيث تتلاقى مفردة الحقيبة العتيقة مع صوت حديث، في حوار فني عابر للأجيال، لا يعرف القطيعة ولا النسيان،
كلمات الشاعر الراحل عبيد عبد الرحمن تنتمي إلى مدرسة شعرية تعرف كيف تُلبِس العاطفة ثوب الوقار، وكيف تجعل الحب فكرة تُتأمل لا نزوة تُستهلك، المفردة هنا ليست سهلة، لكنها غير متكلفة ،جزلة دون أن تكون مغلقة، وعاطفية دون انزلاق للابتذال. أفكر فيه وأتأمل ليست مجرد عبارة افتتاحية، بل مفتاح دلالي للنص كله: حب قائم على الفكر، على الصبر، على الاستبطان، لا على اللهفة السريعة
في قوله:
سأصبر ياخي إيه أعمل
إذا قلب الفتى اتحمل
مصايب الدهر والامو
أرى الصبر الجميل أجمل…
نحن أمام شاعر لا يكتب عن الحبيب فقط، بل عن الإنسان في امتحانه الوجودي، الحب هنا يتداخل مع الفقد، مع الزمن، مع الأخلاق، مع فكرة الصبر نفسها كقيمة عليا، هذا شعر يُقرض بوعي، ويُصاغ بميزان دقيق، حيث تتوازن الفكرة مع الصورة، واللغة مع الإحساس
أما من الناحية الموسيقية، فاللحن جاء وفيًا لروح النص، لا يطغى عليه ولا يستعرض نفسه خارجه، هو لحن سوداني خالص، يعتمد على الانسياب لا القفز، وعلى التدرج العاطفي لا الصدمة الجملة اللحنية تتحرك كما تتحرك الفكرة في رأس العاشق: تبدأ هادئة، تتصاعد ببطء، ثم تعود إلى تأملها الأول، لا تعقيد زائد، ولا مباشرة فجة، بل سلاسة تجعل المستمع يدخل الأغنية دون مقاومة، ويبقى فيها دون ملل
هنا يأتي دور محمود عبد العزيز، لا كمغنٍ فقط، بل كجسر زمني، صوته في هذا العمل لا يتعامل مع النص باعتباره (تراثًا) ، بل باعتباره حالة حية، محمود لا يغني الكلمات، بل يسكنها، في أدائه نلمس ذلك التوتر الجميل بين القوة والحنين، بين الشباب والنص القديم، صوته يحمل بُحّة صادقة، تجعل كل كلمة تبدو وكأنها كُتبت اليوم، لا قبل عقود
محمود عبد العزيز، وهو ابن جيله، أعاد تقديم الشاعر عبيد عبد الرحمن لجمهور لم يعاصره، دون أن يفرغ النص من روحه، أو يساوم على لغته ، هنا تتجلى عبقرية التواصل بين الأجيال في الفن السوداني: شاعر قديم يكتب بصدق زمانه، وفنان حديث يقرأ هذا الصدق بعين عصره، فيلتقي الزمنان في نقطة واحدة اسمها الإحساس
إني من منصتي استمع … حيث ينتابني احساس عميق …. أن هذه الأغنية تثبت أن الفن الحقيقي لا يشيخ، وأن القصيدة الجيدة قادرة على عبور الأزمنة إذا وجدت الصوت الذي يحترمها، (أفكر فيه وأتأمل) ليست فقط أغنية عن الحب، بل شهادة على أن الإبداع حين يكون صادقًا، يصبح وطنًا مشتركًا بين من كتب، ومن لحن، ومن غنّى، ومن استمع… مهما اختلفت أعمارهم.


























