لايف ستايل
موقع كل يوم -في فن
نشر بتاريخ: ١٧ تشرين الأول ٢٠٢٦
اخترق فيلم «البارح العين ما نامت» عدة حواجز فنية وإجتماعية، دقائق معدودة من الفيلم يتناسى فيها المشاهد المتواجد بجوار البحر، في الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، أشياء غير معهودة تحدث هنا والآن، في الداخل والخارج؛ مسابقة شحيحة الأفلام لا تشجع تمامًا مثل الدورات السابقة، لكنها تستدعي الرضا وسط مهرجانات سينمائية أخرى أجّلت خروجها، وأخرى تحت التهديد، ومحيط عالمي يشهد حربًا تترك آثارها وألاعيبها في معارك أخرى إقليمية. كل تلك العوامل يتجاهلها المشاهد في قلب قصة تختصر قدرًا من آلامه ومآسية وجنونه المخفي.
ركان مياسي رغم كونه يقدم الفيلم الروائي الطويل الأول، فإنه جاء ناضجًا بشكل كافٍ، بعد عدة أعمال سينمائية قصيرة. جاء ركان من أصل فلسطيني. وُلد في ألمانيا ويعيش حاليًا في لبنان. درس السينما والمسرح وعلم النفس في لبنان، ومن ثم تدرب على صناعة الأفلام مع عباس كياروستامي في كوريا الجنوبية، في أكاديمية الفيلم الآسيوية. كتب وأخرج وأنتج الكثير من الأفلام القصيرة. كان فيلمه «ربما» من ضمن المشاركات الرسمية في مهرجان لوكارنو السينمائي سنة 2012. أما فيلمه القصير «بونبونه»، الذي يتناول ظاهرة تهريب النطف الفلسطينية من السجون الإسرائيلية، فقد عُرض في مهرجان تورنتو الدولي سنة 2017، وحصد 28 جائزة لأفضل فيلم قصير في عدد من مهرجانات الأفلام الدولية، أهمها مهرجان كوستندورف الدولي للسينما والموسيقى والدورة الأربعون من مهرجان موسكو الدولي للأفلام.
الفيلم يحكي ذاته في قلب وادٍ يلفه الضباب وتحكمه الأعراف القبلية. تسير شقيقتان نحو الليل، لا كابنتين، بل كقرابين، حيث يحاول الدم والذاكرة والصمت منع النار من الانتشار. وربما لذلك، وأكثر، بدت النظرة الأولى، وربما الأكثر سطحية للفيلم على اعتباره يتماس مع قضايا قدرية وأزمات حرية المرأة/الإنسان عمومًا. بينما بدا أكثر خطابًا مجازيًا حول الحدود وآثارها المدمرة؛ حدود الجغرافيا التي تصنع خيالًا إنسانيًا ضحل التواصل والإدراك، وأكثر انحرافًا في معالجة مشكلاته.
يحكي الفيلم قصته في «وادي البقاع: المنطقة الحدودية بين لبنان وسوريا». شاب من إحدى الأسر يصدم، بالخطأ، شابًا آخر من أسرة على الحدود الأخرى، وبدلًا من فدية قتله وأخذ الثأر، تفتدي الأسرة نفسها بزواج أخته من العائلة المتضررة. بدت صلة الدم ذاتها، أقرب المنطلقات البشرية للتواصل مع الآخر، مجرد إجراء لمنع القتل، وليس للتواصل مرة أخرى.
يبدأ الفيلم من لقطات واسعة للجبل والحجارة والحدود، ويترك تلك اللقطات بين المشاهد مرة بعد أخرى. لا يبدو الفيلم مشغولًا تمامًا بنسوية أبطاله، بقدر اعتبارها مدخلًا ملفتًا للمأساة الأكبر؛ الحد الجغرافي الوهمي الذي يصنع خيالات بشرية مدمرة.
هذا الحد، السياسي أولًا، ثم الثقافي والاجتماعي، يبدو غطاءً مثاليًا للحكاية الغرائبية في الفيلم، وسببًا وجيهًا للأزمات التي تحدث خارجه وقت عرضه، هنا والآن. ورغم اختيارات المخرج المكانية والبصرية التي لا تنتقل كثيرًا من الوادي الصغير بين سوريا ولبنان، فإننا نجد فيه ضالتنا في عالم عربي واسع، مليء بحدود الجغرافيا والبشر التي تمنع تواصل الإنسان، وتصل أحيانًا بأصحابها إلى كل ما يبدو في الفيلم غرائبيًا وغير منطقي.
'البارح العين ما نامت' فيلم يجلب الأرق خلال بحر من الأسئلة المفتوحة غير المجابة حول أبطاله، وخارجهم بالقدر ذاته. ليس فيلمًا عن الحرية وأزمات النساء رغم قصته الظاهرة: أختان تفترقان دون رغبة، نتيجة حكم القبيلة التي لا تواجه مشكلاتها كما يجب. ورغم فراقهما الحتمي مع زواجهما، الذي ربما كانتا تدركانه، فإن حدوثه بالطريقة التي اختارها الفيلم أوجد المسافة الإجبارية التي لا يفكر فيها الجميع بالقدر الكافي. لماذا كل تلك الحدود أساسًا إذا كان الجميع يخسر من وجودها؟ العين لن تجد راحتها إذا ابتُليت بسؤال مفتوح مثل ذلك. سؤال مغلف بقصة مركبة، يحكيها مخرجها بالتقطير، بما يجعلها في ذاتها سؤالًا بصريًا كما هي سؤال مكتوب. يحبس أبطاله داخل زمن ماضٍ لم يخرج منه أحد.
'البارح العين ما نامت' كان عملًا مثاليًا يبدأ من خلاله المهرجان، بدلًا من الفيلم الذي اختاره المهرجان للافتتاح، «كل شيء عن كورين»، المخجل. هنا سينما عربية واعدة، ومخرج سينمائي فلسطيني مبشّر ومتجاوز للأزمات في الداخل والخارج، جاء إلى مصر سابقًا بأحد أفلامه القصيرة، واليوم يبشّر مرة أخرى بعمل ملهم.




























