اخبار العراق
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢٦ أيلول ٢٠٢٦
حزبا 'الديمقراطي' و'الاتحاد' يقتربان من عقد اتفاق تفاهم حول النفوذ ينهي عامين من الجمود السياسي داخل الإقليم
دخلت أزمة تشكيل حكومة جديدة في إقليم كردستان العراق مرحلة جديدة، بعد مرور نحو عامين على خوض الأكراد الانتخابات البرلمانية في الـ20 من أكتوبر (تشرين الأول) 2024، مع تزايد المؤشرات عن قرب توصل الحزبين الرئيسين إلى تفاهم، قد ينهي حال التعطيل والشرخ المزمن، نحو إبرام شراكة تقليدية في الصلاحيات على مستوى القرار والمؤسسات، وفيما تتعد السيناريوهات إزاء الصيغة المتوقعة، فإن أي اتفاق لن يتخطى إطار قاعدة النفوذ السياسي والمناطقي المتجذرة منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي.
وعلى رغم أن الحزبين 'الديمقراطي' بزعامة مسعود بارزاني المتنفذ في أربيل ودهوك، و'الاتحاد الوطني' بزعامة بافل طالباني في السليمانية، لم يحسما بعد ما بقي من الخلافات، فإن التصريحات الصادرة عن قيادات الحزبين تشير إلى قرب التوصل إلى اتفاق نهائي، يفتح الباب لتجاوز أشد عقبة يمر بها الإقليم الكردي على مر الدورات الانتخابية التي خاضها، منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي.
غير أن الخطوة تبقى مثار تساؤلات إزاء توقيتها، بعد تأخير غير مسبوق وغموض يلف الخطوط العريضة للاتفاق، وما إذا كانت قد جاءت تحسباً لتبعات اقتراب موعد سحب القوات الأميركية من العراق نهاية الشهر الجاري، في ظل تداعيات الحرب المتوالية بين واشنطن وطهران، وهو الموعد الذي حددته بغداد أيضاً للفصائل الشيعية الموالية لطهران لتسليم سلاحها، بالتزامن مع انتهاء عقد تمويل واشنطن لقوات الـ 'بيشمركة' الكردية، فضلاً عن دخول الإقليم مفاوضات مع بغداد لاتفاق حول الموازنة المالية.
وخلال الأسابيع القليلة الماضية، خيّم على مشهد الانقسام داخل البيت الكردي تحول مفاجئ في موازين الثقل النيابي، عندما تحالف 'حزب طالباني' (23 مقعداً)، مع حركة 'الجيل الجديد' بزعامة شاسوار (15 مقعداً)، لمعادلة ثقل 'حزب بارزاني' (39 مقعداً)، من مجموع مقاعد البرلمان البالغة 100 مقعد، من دون أن يتمكن أي من الطرفين من تحقيق الغالبية البالغة 51 مقعداً، قبل أن يعود 'حزب عبدالواحد' أخيراً لإعلانه مقاطعة الحكومة، والاحتفاظ بموقعه كأكبر القوى المعارضة.
وتشير بعض القراءات إلى أن الغاية من إعلان التحالف كانت ورقة وظّفها طالباني للتضييق على بارزاني، بغية انتزاع صلاحيات أوسع في الائتلاف الحكومي الجديد، بخاصة أن عبدالواحد كان مسجوناً في نطاق نفوذ حزب طالباني، بناء على ملفات قضائية عدة، في انتظار صدور مزيد من الأحكام على ملفات أخرى، ليوصل الطرفين في آخر المطاف إلى الاستعانة بخيار الشراكة التقليدية، مع إضفاء بعض التغيير في الصلاحيات.
ويدور التباين، وفق التسريبات المتداولة، حول احتمالين، إما اتباع آلية المداورة في تولي منصب رئاسة الحكومة، أو العودة لوضع ما قبل مشاركة حركة 'التغيير'، كأول قوة معارضة في الائتلاف الحكومي عام 2009، والمضي في احتفاظ 'حزب بارزاني' بمنصبي رئاسة الحكومة والإقليم، في مقابل تولي 'الاتحاد' منصبي رئاسة البرلمان ونائب رئيس الحكومة، مع منح الأخير صلاحيات أوسع، فضلاً عن منحه حصة أكبر في مناصب بعض الوزارات والمؤسسات السيادية.
ويكتسب حلّ التقاسم بمختلف الصيغ، لتجاوز أية عقدة، أهمية كونه السمة التي رافقت الواقع السياسي في الإقليم، منذ الانتفاضة الكردية على نظام حزب 'البعث' مطلع تسعينيات القرن الماضي، بحكم تفرضه المعادلة الكردية المنقسمة ذاتياً بين قطبين، يتقاسمان النفوذ السياسي والإداري والعسكري، وإن تفوق أحدهما بفارق نيابي كبير على الآخر، وحتى مع إشراك بقية القوى السياسية في الائتلافات الحكومية المتعاقبة، وكان الثابت في عدم نجاح خيار الوزن النيابي، ليكون معياراً لإدارة الحكم.
يكمن جوهر الخلاف آنياً في رفض 'حزب طالباني' ما يصفه 'باحتكار الديمقراطي للقرار'، نظراً إلى احتفاظه بمنصبي رئاستي الإقليم والحكومة لدورات انتخابية عدة، مع تهميش مناصب نواب الرئيسين التي كان يتولاها الاتحاد، وهو ما دعا الأخير إلى تمسكه برفض الاستمرار على هذه الآلية، في حين شدد 'الديمقراطي' على أن نتائج الانتخابات لا بد من أن تكون المعيار الأول في أي اتفاق.
وهنا تبرز قراءة المحلل السياسي سرتيب جوهر، الذي يرى أن 'الإقليم يدور في حلقة مفرغة، وواقعه يراوح ما بين إدارتين لم تتحدا بعد منذ الحرب الأهلية بين الحزبين عام 1994، ففي وقت يتحكم الديمقراطي بقرار وإدارة علاقات الإقليم، فإن الاتحاد يرى في ذلك إقصاء لنفوذه'.
واستدرك جوهر 'لكن يبدو أن الديمقراطي ربما بادر إلى طرح صيغة تمنح الاتحاد جزءاً من صلاحيات رئيس الحكومة، عبر تعزيز دور نائبه'، لافتاً إلى أن 'التقارب الحاصل مدفوع بدعوى قضائية مرفوعة لدى المحكمة الاتحادية العليا في بغداد، لإبطال شرعية حكومة تصريف الأعمال، في موازاة تحذير أميركي، وأيضاً فهناك دور مؤثر تمارسه الدول المجاورة، لإبرام اتفاق من عدمه'.
ويلخص جوهر الصيغة المتوقعة للاتفاق بأنها 'تهدف إلى تجاوز مرحلة العامين الباقيين، فالبلد مقبل على انسحاب عسكري أميركي نهاية الشهر الجاري، والإيرانيون يدفعون نحو إعادة ترتيب علاقتهم مع القوى المقربة منهم'، لتنسجم هذه القراءة مع واحد من أقدم جذور الخلاف بين الحزبين: هل تكون حكومة الإقليم ذات مركز تنفيذي موحد؟ أم ستراوح في آلية إدارة كل طرف في منطقة نفوذه؟
من جانبه، يقرأ المحلل السياسي محمد نوري الأزمة من زاوية التكافؤ المتجذر في المعادلة، قائلاً إن 'نتائج الانتخابات لا تلغي الحقائق الجغرافية والتنظيمية المتراكمة في الإقليم، ذلك أن الديمقراطي لا يستطيع التعامل مع الاتحاد كقوة قابلة للتجاوز، والعكس صحيح، مما انعكس من خلال إخفاق أية قوة معارضة على تغيير ميزان القوة، لأنها ستجد نفسها في الهامش، بمجرد أي تفاهم يحصل بين الحزبين'.
وأوضح المحلل السياسي أن 'ما يجري ليس مفاجئاً، وهو استمرار للمعادلة الحاصلة منذ عقود، وهي أن الحزبين هما الوحيدان القادران على تحقيق التسوية، لذلك فإن تشكيل الحكومة يبقى خياراً أفضل من الجمود، حتى وإن بنيت على صيغة التقاسم'.
وكان لإعلان التحالف بين حزبي طالباني وعبدالواحد أثر في تعميق أزمة تشكيل الحكومة، في محاولة لمجاراة 'الديمقراطي' عبر التساوي في عدد المقاعد البرلمانية، قبل أن يعلن 'حزب عبدالواحد' أخيراً تخليه عن فكرة المشاركة في الحكومة، على رغم إعلان عدم تفكيك التحالف.
ومن هذه الزاوية يرى الكاتب هاوكار ميكا أن التحالف كان أقرب ما يكون إلى تفاهم شخصي أكثر من كونه مؤسسياً، نظراً إلى عدم إعلان أي نص موقّع ومعلن، مما يعني أنه كان ورقة ضغط ليس إلا'.
وأضاف 'قد نشهد تطورات في الإقليم خلال الأيام المقبلة، في ضوء ما يمر به العراق والمنطقة عموماً، ولكن في النهاية فإن الحزبين لن يحققا أكثر مما لديهم، من دون معالجة حال الانقسام المتجذرة'.
تسبب الخلاف بين الحزبين في تعطيل البرلمان، وأي اتفاق سياسي لن يمرّر من دون استئناف جلساته، لذا فإن المتحدث باسم 'الديمقراطي'، محمود محمد، شدد على أهمية تفعيل البرلمان، والتي تزداد في ضوء دعوة مرفوعة أمام المحكمة الاتحادية، لإبطال شرعية التشكيلة التاسعة منذ الـ 10 من يوليو (تموز) 2023، وما يترتب عليها من آثار قانونية في قرارات اتخذتها الحكومة بعد ذلك التاريخ، ليصبح الحزبان أمام سباق مع الزمن، وفي مواجهة معضلتين: سياسية وقانونية.
يتقاطع ملف الخلاف على الحكومة مع ملف آخر لا يقل أهمية، ويكمن في معضلة إعادة تنظيم قوات الـ 'بيشمركة' المنقسمة بين الحزبين، وعلى رغم الإعلان المفاجئ أخيراً عن قرار توحيدها، لكن الشكوك لا تزال تلف حول طبيعة الإجراءات الفعلية المتخذة على مستوى المؤسسات المعنية.
وفي هذه الجزئية يرى المحلل السياسي محمد طه أن 'الانقسام العسكري يشكل أحد أهم العوامل التي تبقي الصراع في حال استمرار، وإذا تمكن الحزبان فعلياً من توحيد القوات، فإن ذلك يشكل خطوة جبارة، فكثيراً ما كانت المؤسسات الأمنية إحدى العناصر الجوهرية في ميزان القوة، ومثلت أداة رئيسة في الشرخ المزمن'.
وأضاف طه أن 'إعلان قرار التوحيد ربما يرتبط بقرب تطبيق قرار الانسحاب الأميركي نهاية الشهر الجاري، والمشروط بحل الفصائل الشيعية الموالية لطهران، وهو نفسه موعد انتهاء التمويل الأميركي للـ 'بيشمركة'، في وقت ترهن الفصائل نزح سلاحها باتخاذ اجراء مماثل لنزع سلاح الـ 'بيشمركة' إضافة إلى شروط أخرى'.
وفي جانب آخر من التحول الحاصل، يعزو بعض المراقبين جزءاً من تحقيق التقارب بين الحزبين إلى حراك متواز حدث الشهر الجاري، من الجانبين الأميركي والإيراني، خلال لقاء القائم بالأعمال الأميركي الجديد، ستيف فاجن، رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني، بالتزامن مع زيارة مفاجئة لبافل طالباني إلى طهران، ولقائه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي مع مسؤولين آخرين.
وفي هذه النقطة يعتقد المحلل سرتيب جوهر أن 'تأثير الدولة المحيطة بالإقليم، بخاصة إيران، يبقى عاملاً مؤثراً في سلوك الحزبين'، ولا يتوقف العنصر المحرك عند العوامل أعلاه، إذ إن الإقليم يخوض مفاوضات حول الملفات المعلقة مع بغداد، وفي مقدمها النفط والموازنة، وهو ما يتطلب موقفاً كردياً متجانساً خلال المفاوضات.
ولم يخف وزير مالية الإقليم، أوات شيخ جناب، القلق الذي يخيم على البيت الكردي، عندما دعا الحزبين خلال 'قمة السليمانية الاقتصادية' إلى 'النزول عن برج الشيطان، بغية الدفاع بصوت واحد عن حقوقنا في بغداد'، مشدداً على أن 'التجانس الداخلي شرط أساس للدفاع عن حقوق الإقليم'، في إشارة إلى أن ملف تشكيل الحكومة يتقاطع مع حاجة الحزبين إلى جبهة تفاوضية متماسكة مع بغداد، وليس الانشغال بتوزيع المناصب فقط.
وفي المحصلة، فإن النقاش الدائر لم يعد يتعلق بمن يشكل الحكومة، بل في صيغتها، وما إذا كانت التسوية المنتظرة ستنتج حكومة بقرارات موحدة، أم ستعيد تنظيم التقاسم القائم بين أربيل والسليمانية داخل إطار حكومي مشترك.






































