اخبار السودان
موقع كل يوم -أثير نيوز
نشر بتاريخ: ٣ كانون الثاني ٢٠٢٦
رصد/ اثير نيوز
تبدو العناوين الصادرة هذا الصباح فى السودان كأنها خريطة مكثفة لبلد يعيش لحظة سياسية واجتماعية تتقاطع فيها الذاكرة الثقيلة مع واقع يومى يتغير بسرعة تفوق قدرة الناس على استيعابه، حيث تتجاور أخبار الغارات العسكرية مع تحولات داخل مؤسسات الدولة، وتتداخل الأزمات الاقتصادية مع موجات النزوح، بينما يحاول المواطنون فهم ما تعنيه هذه التطورات لمستقبلهم فى ظل حرب تجاوزت عامها الألف دون أن تلوح نهاية قريبة. فهذه العناوين، رغم تنوعها، تشترك فى رسم صورة لبلد يعيد تعريف نفسه وسط انهيار واسع للبنى السياسية والأمنية، وتنافس محموم على السلطة، وتراجع مستمر فى الخدمات الأساسية.
وتكشف العناوين السياسية عن مشهد مضطرب تتداخل فيه الأسئلة حول السلطة والمصير مع وقائع ميدانية متسارعة، بدءًا من الكشف عن مصير الشرتاى آدم صبى بعد اختفاء طويل فى شمال دارفور، وصولًا إلى الغارات المسيّرة التى ينفذها الجيش السودانى مجددًا على نيالا وكلبس، فى مؤشر على استمرار التصعيد العسكرى فى مناطق متعددة. وتبرز تصريحات عبدالله حمدوك، الذى يرى أن «التجربة الإسلامية دمّرت مؤسسات الدولة وقادت السودان إلى العزلة والحروب»، كجزء من نقاش أوسع حول جذور الأزمة السودانية، وهو نقاش يتجدد مع مرور سبعين عامًا على التجربة السياسية الحديثة، كما تعكسه رؤى مريم الصادق والدقير التى تعيد النقاش إلى «جذوره» كما ورد فى العناوين.
وتتوازى هذه التحليلات مع تحركات داخل المؤسسة العسكرية، حيث أعلنت القوات البرية قائداً جديدًا بحضور قادة الوحدات، بينما يتحدث نائب رئيس هيئة الأركان عن «معركة مصيرية»، فى لغة تكشف عن إدراك داخل الجيش بأن الصراع الحالى يتجاوز مجرد مواجهة عسكرية إلى صراع على شكل الدولة نفسها. وفى المقابل، يواصل قادة سياسيون مثل صندل وأردول تقديم قراءات مختلفة، إذ يرى الأول أن ما يجرى يمثل «نهاية الجمهورية الأولى وبداية الثانية»، بينما يحذر الثانى من أن من يُستبعد من ترتيبات ما بعد الحرب «سيدفع ثمناً سياسياً باهظاً». وتضيف حركة الحلو بُعدًا آخر حين توجه نداءً حاسمًا لسكان كادقلى والدلنج، فى سياق يعكس استمرار التوتر فى جنوب كردفان.
وتتداخل هذه التطورات مع موجة من الأخبار التى تعكس حالة القلق العام، مثل الضجة الواسعة التى أثارها تداول خبر وفاة عمر البشير، ورد زوجته برسالة أربكت المتابعين، أو سقوط حامد على أبو بكر وخمسة من مرافقيه فى غارة قرب زالنجي، وهى أحداث تعكس هشاشة المشهد السياسى وتعدد مراكز القوة. كما يبرز خطاب وزير الداخلية الذى يقول إن السودان «يواجه غزواً خارجياً وليس تمرداً داخلياً»، فى لغة تعكس محاولة لإعادة تأطير الصراع ضمن سردية أمنية أوسع.
وعلى المستوى المحلى، تتراوح العناوين بين ما هو اجتماعى وما هو سياسى، من كشف والد الفنانة إيمان الشريف سر فيديو أثار جدلاً واسعًا، إلى زيارة البرهان لمسيد شيخ الأمين فى أم درمان، وهى زيارة تحمل رمزية دينية واجتماعية فى لحظة سياسية حساسة. كما تشير العناوين إلى بدء الحكومة عودة جزئية إلى الخرطوم وتوزيع مقار الوزارات، فى خطوة تعكس محاولة لإعادة بعض مظاهر الدولة إلى العاصمة بعد شهور من الفراغ. وتظهر أيضًا تصريحات إبراهيم جابر الذى يقول إن «السودان سيعود أقوى»، فى خطاب يعكس رغبة رسمية فى بث رسائل طمأنة رغم الواقع المعقد.
أما الاقتصاد، فيبدو حاضرًا كظل ثقيل يرافق كل تطور سياسى، إذ تتناول العناوين خطوات جديدة لإعادة تشغيل مطار الخرطوم بعد عامين من التوقف، وتراجع الحكومة عن رفع أسعار الكهرباء وسط تشكيك من المواطنين الذين يرون أن «اللعبة مكشوفة»، إلى جانب تقارير عن رواسب ذهب واعدة فى النيل الأزرق، وهى أخبار تعكس مزيجًا من الأمل والقلق فى اقتصاد يعانى من الانكماش والاضطراب. كما يروى وزير سابق «أسرار الكهرباء فى عهد الإنقاذ»، فى محاولة لفهم جذور الأزمة المزمنة.
وتتعمق الأزمة الإنسانية فى عناوين الغربة والنزوح، حيث تتفاقم الأوضاع فى أمبرو «بلا مستشفى ولا غذاء»، بينما تعلن الداخلية المصرية ضبط المتهم بقتل الشابة السودانية ذكريات عبد الباقى، فى قضية أثارت اهتمامًا واسعًا. كما تؤيد قطر الحكم ضد الناشط الوليد مادبو، فى سياق يعكس تداخل القضايا الحقوقية مع العلاقات الإقليمية.
وتكشف عناوين القضايا والحوادث عن واقع يومى مثقل بالعنف والانهيار الخدمى، من أكبر حملة لإزالة المخالفات فى الخرطوم قبل العودة، إلى نشاط مريب فى شندى، وحريق مفاجئ يحول ورشة سيارات إلى كتلة لهب فى أم درمان، إضافة إلى فضيحة أراضٍ عامة فى حلفا الجديدة. وتظهر أيضًا تقارير عن «انفلات أمنى خطير» فى ولاية الجزيرة، فى مؤشر على اتساع رقعة الاضطراب.
وفى الصحة والتعليم، تتراوح الأخبار بين مبادرات إيجابية مثل إعلان 90 منحة مجانية فى جامعة سودانية، وبين واقع قاتم يواجه فيه مرضى الكلى فى جنوب دارفور «الموت البطيء» بسبب نقص المستلزمات، فى مشهد يعكس انهيار الخدمات الصحية.
وتأتى الرياضة كمساحة تمنح الجمهور متنفسًا، حيث يشعل قائد منتخب السودان الأجواء برسالة تحدٍ قبل مواجهة السنغال، بينما تتواصل أخبار الدوريات الأوروبية، من تصريحات غوارديولا إلى انتقالات اللاعبين، فى تذكير بأن الرياضة تظل أحد المجالات القليلة التى تمنح السودانيين لحظة ابتعاد عن ثقل الواقع.
فى مجموعها، تقدم هذه العناوين صورة لبلد يقف عند مفترق طرق، تتداخل فيه الأسئلة حول المستقبل مع واقع يومى يزداد تعقيدًا، بينما يحاول السودانيون، رغم كل شىء، الحفاظ على خيط رفيع من الأمل وسط عاصفة لا تهدأ.


























