اخبار السودان
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١٦ نيسان ٢٠٢٦
المسارات المطروحة انشغلت غالباً بترتيبات إنسانية موقتة أو بهدن محدودة زماناً ومكاناً لكنها لم تنجح في معالجة جذور الصراع
شهدت الحرب المندلعة بين الجيش السوداني وقوات 'الدعم السريع'، والتي دخلت عامها الرابع، جهوداً ومبادرات عدة لإيقافها منذ الوهلة الأولى من اشتعالها، لكنها لم تنجح في وقف نزيف الدم، ناهيك بالانتهاكات التي صاحبتها، مما تسبب في أكبر أزمة نزوح داخلي وخارجي في العالم، وذلك بتشرد أكثر من 12.5 مليون شخص، من بينهم نحو 9.5 مليون نازح داخلياً و4 ملايين لاجئ في دول الجوار، وفقاً لتقارير الأمم المتحدة و'اليونيسيف' لعام 2026.
فلماذا استعصت الحلول السلمية لإيقاف هذه الحرب؟
يقول المتخصص في العلوم السياسية مصعب محمد علي 'مرت الحرب في السودان خلال الأعوام الثلاثة الماضية بعديد من المبادرات لتحقيق السلام، لعل أبرزها مسار جدة ومبادرات إيقاد والاتحاد الأفريقي، فضلاً عن محاولات الآلية الرباعية. ونجح اتفاق جدة في تحقيق هدن موقتة لكنها لم تستمر طويلاً، حتى إن المقترح الأخير الذي اقترحته الآلية الرباعية بخصوص هدنة لمدة ثلاثة أشهر لم ينجح أيضاً، مما يفسر أن الأطراف المتحاربة ترى أن هذه الجهود تكتيكية أكثر من كونها تعبر عن تحقيق السلام أو إيقاف إطلاق النار'.
وتابع علي 'في نظري أن فشل كل الجهود المتعلقة بوقف هذه الحرب خلال الأعوام الماضية يعود لغياب الإرادة لدى أطراف الصراع، وأنهم لم يصلوا إلى مرحلة الإنهاك العسكري، الأمر الذي يؤدي إلى استمرار القتال والرغبة في العمليات العسكرية لتحقيق مكاسب ميدانية'. وزاد 'من ناحية أخرى، فإن تعدد المنابر الخاصة بإحلال السلام أدى إلى تشتيت الجهود وعدم توحيدها والاستمرار في منبر واحد يتفاوض حوله من خلال جولات للحوار، إضافة لذلك فقد أسهمت التدخلات الإقليمية بصورة لافتة في إطالة فترة الحرب. كذلك غياب القوى السياسية السودانية أيضاً أثر في عدم إيجاد رؤية مجمع عليها للاتفاق حولها والضغط لأجل تحقيق السلام'.
وأردف المتخصص في العلوم السياسية 'من المتوقع استمرار الحرب، لكن بصورة متقطعة مع صعوبة إنهائها وحسمها عسكرياً. وفي حال وصول الطرفين إلى توازن ضعف فإنهما سيكونان أقرب للتفاوض، وهذا أمر متوقع لكن ليس قريباً'.
من جانبه، أشار الباحث في الشؤون السياسية عروة الصادق إلى أنه 'بعد مرور نحو ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب في السودان، يمكن القول إن معظم الجهود التي بُذلت لوقف إطلاق النار ظلت محكومة بطابع تكتيكي قصير الأمد، أكثر من كونها جزءاً من مقاربة استراتيجية متكاملة تؤسس لوقف دائم للعدائيات وسلام شامل. فالمسارات المطروحة انشغلت غالباً بترتيبات إنسانية موقتة، أو بهدن محدودة زماناً ومكاناً، لكنها لم تنجح في معالجة جذور الصراع، ولا في بناء آليات إلزام ومراقبة فعالة تمنع الانهيار المتكرر لهذه التفاهمات'. وأضاف 'أبرز مثال على ذلك مسار منبر جدة الذي مثّل من حيث الشكل، أكثر المسارات إنتاجاً للاتفاقات والوثائق، بدءاً من إعلان الالتزام بحماية المدنيين، ثم اتفاقات وقف إطلاق النار القصيرة والترتيبات الإنسانية اللاحقة. غير أن المعضلة الأساسية تمثلت في أن هذه التفاهمات لم تستند إلى إرادة سياسية ناضجة لدى الطرفين، بخاصة جانب الجيش الذي هيمن على قراره ولا يزال التيار الإخواني المتطرف الذي أشعل الحرب. لذلك جرى خرقها بصورة متكررة بخاصة من قبل طيران الجيش، وتحولت تلك الهدن في بعض المراحل إلى فترات لإعادة التموضع وتحسين المواقع الميدانية أكثر من كونها مدخلاً فعلياً للتهدئة'. وأردف 'في تقديري أن استعصاء هذه الجهود يعود إلى تداخل مستويات عدة من العوامل هي: عوامل داخلية بنيوية تتعلق بطبيعة الحرب نفسها، من حيث تعدد مراكز القرار الميداني، وارتباط الصراع باقتصاد حرب قائم على الموارد وشبكات التمويل والتهريب، بالإضافة إلى تفكك القوى المدنية واتساع العنف المجتمعي وتآكل سلطة الدولة المركزية. وعوامل إقليمية تتمثل في تضارب أجندات الفاعلين الخارجيين، بحيث أصبحت بعض الوساطات متأثرة بحسابات النفوذ وموازين الاصطفاف الإقليمي، مما أضعف الثقة في حيادها وفاعليتها. وأخيراً العامل الدولي، حيث بدا واضحاً أن أدوات الضغط والإلزام ظلت أضعف من مستوى الكارثة، وأن الإرادة الدولية نفسها بقيت مترددة أو منقسمة، وقد تفاقمت بعد احتدام حرب إيران، إذ باتت غالب التحركات أقرب إلى إدارة الأزمة إنسانياً من فرض تسوية سياسية مُلزمة'.
ورجح الصادق أن 'يستمر السودان، في المدى القريب، في حالة حرب استنزاف وتشظٍّ ربما يصل لتقسيم البلاد، ما لم يحدث تحول جوهري في طريقة إدارة الملف داخلياً وإقليمياً ودولياً. وهذا التحول يتطلب توحيد مسارات الوساطة ضمن إطار أكثر انضباطاً وفعالية وتأثيراً، ويفضل أن يكون أفريقيا - أممياً بصورة متكاملة تنخرط فيه الخماسية الدولية بصورة أكثر فاعلية، حتى لا يظل الملف موزعاً بين منابر متنافسة وأجندات متباعدة كالتي تحكم تحرك الرباعية الدولية. كذلك يتطلب بناء وقف إطلاق نار متدرج وقابل للتحقق، يبدأ بحماية المدنيين وضمان الوصول الإنساني بصورة مراقبة بضمانات وفاعلين إقليميين ودوليين، ثم ينتقل إلى ترتيبات أوسع ذات طابع أمني وسياسي. أيضاً يتطلب استهداف اقتصاد الحرب نفسه، عبر أدوات رقابية وعقابية أكثر صرامة تطال شبكات التمويل وموارد الذهب والتهريب وغيرها. وأخيراً إعادة بناء مسار سياسي مدني سوداني حقيقي وممثل، لا شكلياً أو هامشياً، لأن أي حديث عن السلام في غياب قوة مدنية موحدة وفاعلة سيظل أقرب إلى إدارة الحرب منه إلى إنهائها'.
وبين الباحث في الشؤون السياسية أن 'الأزمة السودانية لم تعد مجرد حرب بين قوتين مسلحتين، وإنما تحولت إلى أزمة بنية دولة، وأزمة شرعية سياسية، وأزمة تمثيل وطني في آن واحد. ولهذا، فإن وقف إطلاق النار، على رغم ضرورته القصوى، لا يكفي وحده إذا لم يكن جزءاً من تصور أشمل لإعادة بناء الدولة السودانية واستعادة مؤسساتها وإخراجها من قبضة العسكرة والاقتصاد الموازي وشبكات النفوذ، التي ازدهرت تحت مناخ الحرب'. وحدد أوجه القصور التي لازمت تلك الجهود في أنها تعاملت مع الحرب بوصفها مشكلة أمنية قابلة للإدارة، أكثر من التعامل معها باعتبارها أزمة سياسية وطنية شاملة تتطلب عقداً جديداً للدولة السودانية. وهذا هو السبب الذي جعل كثيراً من المبادرات تتعثر فضلاً عن تقاطع تلك المبادرات مع أجندات وتصور شيوخ الحركة الإخوانية، لأنها حاولت تجميد النار من دون أن تقترب بجدية من السؤال الأعمق: من يحكم السودان؟ وعلى أي أساس؟ وبأي شرعية؟ ولصالح من؟ مؤكداً أن السلام الحقيقي في السودان لن يولد فقط من تفاهمات العسكريين، وإنما من إعادة الاعتبار للقوى المدنية والفاعلين السياسيين ولجان المقاومة والنقابات والقوى الاجتماعية الحية، باعتبارهم أصحاب المصلحة الحقيقية في استعادة الدولة ومنع إعادة إنتاج الحرب في صورة جديدة. ونوه بأن الحرب في السودان لم تستعصِ فقط لأن الأطراف المتحاربة ترفض التسوية، وإنما أيضاً لأن البيئة السياسية والإقليمية والدولية المحيطة بها لم تنجح، حتى الآن، في تحويل كلفة استمرار الحرب إلى كلفة أعلى من كلفة وقفها. وما دامت هذه المعادلة قائمة، فإن الأرجح هو استمرار النزاع، مع مزيد من التشظي والإنهاك الوطني والانهيار الإنسان وتآكل فكرة الدولة نفسها.
ورأى الصادق أن السلام في السودان لن يكون نتيجة هدنة موقتة، وإنما ثمرة إرادة سياسية جديدة تعيد تعريف العلاقة بين السلاح والسياسة والأيديولوجيا والعنف، وبين الدولة والمجتمع، وبين السلطة والشرعية وبين التنافس النظيف والعنف والإرهاب المتطرف الذي تقوده الجماعات الإخوانية التي أشعلت الحرب وتقتات من استمرارها. ومن دون هذا التحول، ستظل كل محاولات وقف إطلاق النار تدور في الحلقة نفسها، مهما تغيرت الأسماء والمنابر والبيانات.
من جهته أوضح القيادي في 'حركة العدل والمساواة' السودانية إدريس لقمة أن 'الحرب المندلعة في السودان مفروضة على الدولة السودانية، فعند الرجوع إلى الفترة التي سبقت اندلاعها نجد أن قوات ‘الدعم السريع‘ كانت تتمادى وتحاصر كل المواقع الاستراتيجية والمهمة في العاصمة وتريد الجيش أن يستسلم. وبعد فترة بسيطة من انطلاق الحرب، ظهر منبر جدة سعياً لإيقافها من خلال الوصول إلى تفاهمات، وقد ذهبت حكومة الخرطوم لهذه المفاوضات إيماناً منها بأن الحرب تؤدي إلى دمار البلد، لكن القوات المتمردة رفضت الخروج من الأعيان المدنية بخاصة منازل المواطنين الذي كان أحد شروط الجيش'. وأضاف 'بالتالي لم يكن أمام وحدات الجيش غير مقاومة تلك القوات المتمردة، حيث تحركت بجانبها القوات المساندة من القوات المشتركة التابعة للحركات المسلحة والمستنفرين، وتمكنت بالعزيمة والإصرار من إخراج تلك الميليشيات من ولاية الجزيرة وبعض مناطق ولاية سنار وولاية الخرطوم، والاتجاه إلى كردفان وصولاً إلى دارفور، وهي تسير بثبات في هذا الطريق'. واستطرد 'لم تقف الحكومة السودانية في محطة جدة، فقد تعاونت مع المجتمع الدولي من أجل وقف إطلاق النار والانصياع لكل قرارات الأمم المتحدة، لكن برزت جهات حاولت اختطاف المشهد حيث تبدو في مظهرها بأنها تنادي بالسلام، لكن في الوقت نفسه تقوم بدعم قوات التمرد بالسلاح والعتاد والمال، ما أدى إلى تدمير البلاد بخاصة البنى التحتية'.
وتابع لقمة 'على رغم ذلك، تفهمت حكومة السودان موقف بعض القوى الخارجية المنطوية في الآلية الرباعية الدولية، لكن للأسف أن رؤيتها في الحل تجاوزت الدولة السودانية، حيث باتت دول تحدد مسارات التفاوض والتي في أغلبها ساوت بين الجيش و‘الدعم السريع‘، وهو ما جعل الوفد الحكومي يرفضها جملة وتفصيلاً. ووجد هذا الرفض قبولاً كبيراً من الشارع السوداني، لذلك اضطر المجتمع الدولي لخلق منابر أخرى وعقد اجتماعات في جنيف وباريس وأديس أبابا، لكن ظلت تدور في الفلك ذاته'. ولفت إلى أن اتجاه 'الدعم السريع' لتشكيل سلطة موازية للحكومة السودانية جعل الحوار غير ممكن لأن أي تفاوض مع هذه السلطة الموازية يعد اعترافاً بها، وهو أمر غير مقبول بتاتاً ولا يقبله غالبية السودانيين لأنه يعني تقسيم البلاد. لكن من الممكن التحاور مع تلك الميليشيات باعتبارها قوات تمردت على الجيش، وذلك في إطار خريطة الطريق التي طرحتها الحكومة السودانية على الأمم المتحدة، والتي تمحورت حول إنهاء الوجود العسكري لقوات 'الدعم السريع' ورفض الهدن الموقتة من دون انسحاب وتجميع المقاتلين في معسكرات، مع التمسك بسيادة الدولة ورفض القوات الدولية، والتركيز على الحوار السوداني - السوداني كمسار وحيد للحل السياسي. وواصل 'في تقديري أن المجتمع دولي حينما أيقن بتقهقر قوات ‘الدعم السريع‘ المتمردة وتراجعها نحو السقوط، خلق الآلية الخماسية بانضمام الأمم المتحدة و‘إيقاد‘ والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي، لكنها للأسف لا فرق بينها والآلية الرباعية، فقط جرى الزج بالأمم المتحدة لإيجاد شرعية لها، واتجهت الآن للإعلان عن مؤتمرات ولقاءات من بينها مؤتمر برلين المقرر عقده منتصف أبريل (نيسان) الجاري'.
ومضى القيادي في 'حركة العدل والمساواة' بالقول 'الحكومة السودانية منفتحة على كل الاتجاهات، وجلست مع الاتحاد الأفريقي وهو متفهم حالياً ما يجري في البلاد، ويعترف بالسلطة الحاكمة ويرفض أي سلطة موازية وانقسام البلاد. فالحكومة لا ترفض أي تحرك من أجل السلام أو هدنة موقتة، لكن ألا يكون ذلك على حساب سيادة البلاد والمواطن السوداني، ومن دون أدنى شك أنه قبل نهاية هذا العام سيجري القضاء على هذه القوات المتمردة نهائياً، بخاصة أنها تنحدر للوراء تدريجاً'.


























