اخبار العراق
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١ تشرين الأول ٢٠٢٦
يرتبط التحذير الأميركي بصورة مقلقة لمستقبل بلاد الرافدين في حال استمرار الميليشيات الموالية لإيران
ترك تحذير وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، صورة مقلقة لمستقبل العراق، مؤكداً خطورة الصراع الداخلي والتفكك المناطقي، في حال استمرار الميليشيات المسلحة الموالية لإيران رفضها نزع السلاح غير المرخص من الحكومة العراقية، والتخلي عن زرع المجموعات المسلحة الولائية تحت سيطرتها، خلال الفترة المقبلة بعد الـ30 من سبتمبر (أيلول) الجاري.
هذا التحذير الأميركي للعراقيين أعاد التذكير بمحصلة ما وصلت إليه يوغوسلافيا مطلع تسعينيات القرن الماضي، حين كان العراق يستورد منها أسلحته ومعداته الحربية، طوال العهد الجمهوري في بلاد الرافدين الذي بدأ في يوليو (تموز) عام 1958، قبل أن ينشطر هذا البلد الأوروبي إلى ست دول بعد وفاة رئيسها التاريخي جوزيف بروس تيتو ومجيء حكام أغرقتهم الظروف في وحل الانقسام العرقي والإثني، بعدما كان تيتو يردد مفاخراً: (أنا أحكم بلداً فيه أبجديتان، وثلاث لغات وأربع ديانات وخمس قوميات، وست جمهوريات، وسبعة جيران وثمانية أعراق).
هكذا ظن تيتو أنه يمتلك سر الاستمرارية بهذا التنوع في البلد السابق، ففي عهده كانت يوغسلافيا قوة عسكرية واقتصادية كبرى، ودولة لها وزنها السياسي كبير، لكن الأمور تغيرت بعد 10 أعوام من رحيله في الرابع من مارس (آذار) عام 1980، إذ قسمت إلى كرواتيا ومقدونيا الشمالية وصربيا والجبل الأسود والبوسنة والهرسك وكوسوفو، وأطلق عليها اسم 'دول البلقان'.
وبعد حرب ضروس بين مكوناتها الستة سميت سياسياً بـ'البلقنة' ومنها ظهر هذا المصطلح الذي استخدمه الوزير الأميركي محذراً من احتمالية أن يعاد دور البلقنة على العراق، داعياً إلى حل الميليشيات وإنهاء دورها كحليف لإيران قبل أن 'يبلقن العراق' في إشارة مخيفة إلى إمكان انقسامه إلى ثلاث دول أو أكثر.
تحذير روبيو خلف صورة مقلقة لمستقبل العراق، خصوصاً في ظل الصراع الداخلي والتفكك المناطقي، في حال استمرار رفض الميليشيات المسلحة الموالية لإيران نزع السلاح غير المرخص من الحكومة العراقية خلال الفترة المقبلة.
وهنا كان وزير الخارجية الأميركي واضحاً في تحذيره المعلن لرئيس الحكومة العراقية علي الزيدي بأن تجريد تلك الجماعات من السلاح من شأنه أن يجنب البلاد خطر 'البلقنة'، وهو تحذير يربط بين استمرار وجود السلاح خارج سيطرة الدولة وخطر تفكك البلاد إلى مناطق نفوذ متنافسة، تتمتع كل منها بقوتها العسكرية وسلطة اتخاذ القرار وحتى علاقاتها الخارجية الخاصة كما يرجح المراقبون لمشهد العراق المرتبك.
الباحث الأكاديمي الوزير العراقي السابق لؤي الخطيب يحاول تفسير تحذير وزير الخارجية الأميركي بقوله 'لعل ما أراد روبيو الإشارة إليه هو ليس التقسيم الفعلي، بقدر ما هو حدوث سيناريو التصادم والاقتتال بين القوى العسكرية المتمثلة بالتشكيلات الحكومية والفصائل المسلحة خارج سلطة القائد العام للقوات المسلحة'، ويضيف 'مثل هذا السيناريو من الصعوبة حدوثه إذا ما أخذنا في الاعتبار ذاكرة العراقيين القريبة في قتال عصابات ’داعش‘ وكيف وحدتهم جبهات القتال ليكون تنوعهم هو الجامع الذي راهنت عليه المرجعية العليا في النجف عندما أصدرت فتواها بإعلان ’الجهاد الكفائي‘ علماً أن تقسيم يوغوسلافيا كان له أسبابه التاريخية والاجتماعية والجغرافية المعقدة ولا يمكن اعتماد إسقاطاته على الواقع العراقي لاعتبارات كثيرة'.
وعن هذه الاعتبارات، يؤكد الخطيب 'وحدة الأكثرية العربية من الشعب على رغم تنوع الطوائف والخلفيات الفكرية، فضلاً عن الأواصر الاجتماعية الرابطة بين العشائر التي تمتد على كل التراب العراقي، لأن العشائر العراقية موحدة بقياداتها وضوابطها ومدوناتها وأعرافها وتقاليدها على رغم احتوائها على تنوع طائفي واضح في معظم المحافظات العراقية بل وعابرة للحدود إلى دول الجوار'، ويتابع حديثه 'أما موضوع المحاصصة كسلوك فئوي غير مشروع، فعلينا التفريق بينها وبين التمثيل السياسي كسلوك ديمقراطي مشروع، الذي هو انعكاس للأوزان الانتخابية في العملية السياسية، وهي في مسار التطور الطبيعي على هفواتها وكبواتها وتحدياتها وعامل الزمن فيها في حاجة إلى مسيرة جيلين أو ثلاثة حتى تستقر كما هي الحال في سياق تطور الأنظمة الديمقراطية حول العالم'، ويوضح أنه 'في النهاية لا يمكن اعتماد تحذير الشخصيات الأميركية كتنبؤات واقعة لا محالة، بل هي في غالب الظن قراءة محكومة بدوافع سياسية مشحونة بأجواء الحرب والمواسم الانتخابية، وعلينا أن لا نحملها تفسيرات بعيدة لأن الموقف الأميركي لا يمكن اختزاله برأي شخصي لوزير في إدارة قد تتغير توجهاتها بعد انتهاء الانتخابات النصفية أو حتى بعد رحيلها نهاية عام 2028'.
في الوقت نفسه يرى الباحث في الشؤون السياسية هيثم المياحي أن 'تقسيم العراق يعد مشروعاً غير ناجح داخلياً على رغم مطالبة البعض بذلك، لأن فيه إضعافاً للدولة وتشتتاً للقرار السياسي وانهياراً كاملاً للوطن، فالعراق ليس كالولايات المتحدة يوحدها العلم والقرار داخل الكونغرس ومجلس الشيوخ مهما تعددت ولاياتها، لكن المشكلة الكبرى في بلادنا أنه لو حدث التقسيم سنضعف جميعاً بدليل أن الغالبية الشيعية تذهب باتجاه إيران والغالبية السنية منقسمة بين دول الجوار، أما الكرد فعلى رغم أن دستور العراق ضامن لحقوقهم كإقليم بحكم ذاتي فإنهم متمسكون ببقاء العراق موحداً، وقد سمعنا ذلك من خطاب الرئيس مسعود البارزاني مراراً وتكراراً'.
ويحذر المياحي من أن 'الوضع الذي وصل إليه العراق خطر جداً، فحين نسمح لوزير الخارجية الأميركي بأن يلمح إلى تقسيم بلادنا فإن ذلك يحتاج إلى صوت عراقي موحد من جميع الأحزاب وقادتهم بالرفض كي لا نقع طعماً سهلاً لكل من هب ودب، فمحاولة تقسيمنا إضعاف لسياستنا واقتصادنا وتفكيك لمجتمعنا'.
غير أن الباحث والسياسي الكردي، كفاح محمود، له رؤية مختلفة يحكمها واقع تسيد الميليشيات التي تتحكم بالقرار العراقي أو تتدخل فيه، متسائلاً في البداية 'هل يسعى العراق إلى حال البلقنة التي حذر منها روبيو؟ بالتأكيد لا توجد دولة تكثر فيها مؤسسات عسكرية ميليشياوية بهذا الحجم وتتمتع بمكاتب اقتصادية تدر عليها أموالاً هائلة مثل العراق'.
وينبه إلى أن 'هذه الميليشيات تسيطر على منافذ البلد وتعتقل كما تشاء ولديها محاكم وكثير من الأمور، حتى أضحت دويلات صغيرة، من هنا فالبلقنة واردة جداً بخاصة إذا استخدمت الولايات المتحدة وحكومة علي الزيدي بعد انتهاء مهلة الـ90 يوماً القوة لتفكيك أو تصفية هذه الميليشيات، إذ ستتعقد الأمور كثيراً، وربما تذهب إلى احتراب داخلي، بخاصة أن معظم هذه الميليشيات تضمر عداءً كبيراً لإقليم كردستان، لأنها في عقيدتها الأيديولوجية لا تؤمن لا بالنظام الديمقراطي ولا بالنظام الفيدرالي'، ويضيف 'رأينا أن عمليات استهداف كردستان العراق لم تكن منذ اندلاع حرب إيران خلال فبراير (شباط) الماضي فحسب بل تضرب بجذورها لأعوام طويلة مضت، إذ يقصفون آبار ومصافي النفط وقواعد البشمركة، وكل ميليشياتهم التي تنتشر في سهل نينوى في كركوك وديالى وخانقين كانت تستهدف الإقليم كواحد من أهدافهم الاستراتيجية، محاولين إنهاء النظام الديمقراطي والفيدرالي فيه، وهذا يعني محاولتهم إنهاءه بما يؤدي إلى احتراب داخلي ربما يكون مع الإقليم أيضاً'.
يعود الباحث الكردي كفاح محمود ليؤكد أن منطلق التصريح والرؤية الأميركية حول البلقنة تأتي من تطور الأحداث مع الميليشيات، الداعي إلى تسليم سلاحها وإنهاء وجودها واندماجها في الحياة المدنية أو العسكرية، 'على رغم أنني شخصياً لا أشجع على اندماج الميليشيات في المؤسسة العسكرية، لأننا سنقع في أخطاء جسيمة ندفع ثمنها باهظاً، كما فعلنا في بداية عام 2004 بدمج تلك الميليشيات في جسد المؤسسة العسكرية والأمنية العراقية، بحيث غلب على الدولة لونها الطائفي، وهذا خطر جداً في بلد متعدد المكونات'.
وتابع 'إن العامل المهم والرئيس هو الدستور باعتباره الضامن للنظام الديمقراطي والفيدرالي وتطويرهما، وأعتقد أن هذا هو العامل الأساس الذي سيحافظ على النظام الديمقراطي والفيدرالي'، مؤكداً أن النموذج اليوغوسلافي قابل للاستنساخ، فالأوضاع في يوغوسلافيا كانت تعيش حال النظام الشمولي المتشدد بعد تيتو، وهو ما أوصلها إلى الحد الذي عشناه مطلع التسعينيات من القرن الماضي، بنشوب حرب طاحنة أدت إلى تقسيم يوغوسلافيا إلى دول عدة.
ويتساءل الباحث والكاتب السياسي مازن الشمري حول جدلية ومسوغات تحذير واشنطن لبغداد من احتمالية البلقنة وأخطارها، وهي التي وافقت على المحاصصة التي خربت البناء الوطني الموحد للعراق بعد عام 2003، ويقول 'كيف تحذر واشنطن اليوم من بلقنة العراق فيما كانت سياساتها بعد الغزو والاحتلال قد أسهمت في بناء نظام مفاسد المحاصصة؟ فأميركا هي التي ناقشت علناً إعادة تنظيم العراق على أساس مناطقي يرتبط بالمكونات الطائفية والإثنية'، ويوضح أن 'المحاصصة ليست نصاً دستورياً، لكنها تحولت إلى تقاليد راسخة في توزيع المناصب والموارد والنفوذ، إذ تخلص دراسة حديثة إلى أن نظام تقاسم السلطة ما زال مستمراً، على رغم تراجع شرعيته الاجتماعية، بفعل تداخل الهوية وتآكل الشرعية وتباين الأولويات، فضلاً عن نظام انتخابي وقيود مؤسسية تعيد إنتاج التصويت المكوناتي'.
ويعتبر الباحث مازن الشمري أن السؤال الحقيقي لا يبدأ عند حصر السلاح بل بعده وهو 'هل ينتقل العراق من تعدد القوى المسلحة إلى وحدة القرار، أم يبقى تعدد مراكز النفوذ قائماً داخل الدولة؟ هنا تتصل الإجابة بجذور المشكلة وتتمثل في مفاسد المحاصصة، فإصلاح الدولة لا يكتمل بإخراج السلاح من المعادلة، ما لم يترافق ذلك مع إصلاح سياسي يحد من إعادة إنتاج الولاءات والمكونات، ويعيد الاعتبار للمؤسسة والقانون والمواطنة وهذا الثمن الأصعب'، ويقول 'المحاصصة ليست مجرد توزيع مناصب، بل شبكة مصالح تراكمت داخل الدولة وخارجها، كما تؤكد دراسات حديثة أن استمرار المحاصصة يرتبط بحوافز النخب وبالترتيبات الانتخابية والمؤسسية التي تجعل تغييرها أكثر تعقيداً، أما البلقنة فلا تبدأ بمجرد وجود تعدد قومي أو طائفي، بل عندما ينتقل التعدد من الهوية والنفوذ إلى السيطرة، ومن السيطرة إلى مناطق نفوذ مستقرة، ثم إلى كيانات سياسية وجغرافية متمايزة، وفق ذلك يختلف العامل الكردي، فإقليم كردستان يمتلك مؤسسات وتجربة سلطة واضحة، بينما ظل خيار الانفصال محكوماً بحسابات إقليمية ودولية واقتصادية معقدة، ولذلك لا يصح التعامل مع الدولة الكردية كسيناريو حتمي، كما لا يصح تجاهلها كاحتمال سياسي قائم، إذا تعرضت الدولة المركزية لانهيار شامل'.
وما بين هذا وذاك، تؤكد واشنطن أن مستقبل علاقتها مع بغداد يرتبط بثلاثة ملفات مترابطة تحول دون شبح 'البلقنة'، في مقدمها إنهاء سلاح الميليشيات وعدم شن هجمات من الأراضي العراقية على دول الجوار، وإبعاد مؤسسات الدولة العراقية عن الهيمنة الإيرانية، وتحميل بغداد مسؤولية أي هجوم ينطلق من العراق حتى إذا نفذته جهة مسلحة لا تخضع لقراراتها.
ويبقى على الحكومة العراقية أن تواجه تلك التحديات لأنها مطالبة باستعادة سيادتها على قراراتها السيادية والأمنية من دون إشعال صراع داخلي، والحفاظ على علاقتها بواشنطن من دون الدخول في مواجهة مفتوحة مع القوى المرتبطة بإيران.






































