اخبار العراق
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٨ تشرين الثاني ٢٠٢٦
فصائل ترفض التخلي النهائي عن عتادها ومخاوف من ضغوط أميركية تعرقل الإعلان عنه أو تؤثر في مساره
تتجه أزمة السلاح خارج المؤسسات الرسمية في العراق نحو مرحلة جديدة من التجاذبات السياسية والأمنية، مع الكشف عن تفاهمات توصلت إليها لجنة شكلها 'الإطار التنسيقي' مع ممثلين عن فصائل مسلحة في شأن تنظيم السلاح وحصره بيد الدولة، في خطوة يُفترض أن تمهد لإعادة ترتيب العلاقة بين القوى المسلحة والمؤسسات الدستورية، لكنها لا تزال تواجه عقبات تتعلق بآليات التنفيذ والضمانات السياسية ومواقف بعض الفصائل، فضلاً عن الحسابات الأميركية المرتبطة بمستقبل النفوذ المسلح في البلاد.
وكشف رئيس كتلة 'حقوق' النيابية سعود الساعدي عن التوصل إلى اتفاق بين لجنة شكلها 'الإطار التنسيقي' وممثلين عن الفصائل المسلحة، مشيراً إلى أن رئيس الوزراء علي فالح الزيدي لم يوقع الاتفاق حتى الآن، على رغم اكتمال التفاهمات في شأن عدد من بنوده، وسط مخاوف من ضغوط أميركية تعرقل الإعلان عنه أو تؤثر في مساره التنفيذي.
وبحسب الساعدي، فإن التفاهم يتضمن صيغة توافقية بين الأطراف المعنية، مع توجه لتشكيل لجنة تضم الحكومة والفصائل و'الحشد الشعبي' و'الإطار التنسيقي'، تتولى الإشراف على تنفيذ الاتفاق ومتابعة الالتزامات المتبادلة، بما يضمن تنظيم السلاح وترتيب العلاقة بين القوى المسلحة ومؤسسات الدولة.
ولا يبدو الملف محصوراً في مسألة تسليم الأسلحة أو سحبها من الفصائل، بل يتصل بطبيعة الدور الذي ستؤديه هذه القوى مستقبلاً، وحدود مشاركتها في المؤسسات السياسية والأمنية، فضلاً عن ضمانات تتعلق بعدم استخدام الأراضي والأجواء العراقية في صراعات إقليمية أو استهداف البلاد من أطراف خارجية.
وتكشف هذه المعادلة عن محاولة سياسية للوصول إلى تسوية تدريجية، تتيح للدولة استعادة احتكار قرار الحرب والسلم، من دون الذهاب إلى مواجهة مباشرة مع الفصائل التي لا تزال تتمسك بمواقف متباينة إزاء مستقبل سلاحها.
تأتي التحركات الأخيرة في ظل تحديد الحكومة العراقية الـ30 من يونيو (حزيران) عام 2027 موعداً نهائياً لحصر السلاح بيد الدولة، وهو إطار زمني يمنح الأطراف السياسية والفصائل المسلحة فرصة للتوصل إلى تفاهمات في شأن مستقبل التشكيلات المسلحة وآليات دمجها أو انتقالها إلى العمل السياسي.
وقال المتحدث باسم الحكومة حيدر العبودي إن رئيس الوزراء أجرى حوارات مباشرة مع الفصائل المسلحة، وتمكن من احتواء خمس منها، مؤكداً استمرار الحكومة في تنفيذ خطتها لحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية.
وتشير هذه التصريحات إلى أن الحكومة تعتمد مسار التفاوض والاحتواء السياسي والأمني، بدلاً من المواجهة المباشرة، في محاولة لتقليل احتمالات التصعيد الداخلي وتهيئة الظروف لانتقال تدريجي نحو حصر السلاح.
لكن هذا المسار لا يخلو من تعقيدات، خصوصاً مع وجود فصائل ترفض التخلي النهائي عن أسلحتها، وترى أن تنظيم السلاح لا يعني بالضرورة تسليمه أو إنهاء وجودها العسكري بصورة كاملة.
وفي هذا السياق، أكد المتحدث باسم حركة 'أنصار الله الأوفياء' علي الفتلاوي أن الحركة لم تسلم سلاحها، موضحاً أن الاتفاق يتضمن تنظيم السلاح وحصره خلال المدة الممتدة من سبتمبر (أيلول) الماضي حتى يونيو (حزيران) عام 2027، وليس تسليمه أو التخلي عنه.
ويكشف هذا الموقف عن وجود تباين جوهري في تفسير طبيعة الاتفاق، إذ تتحدث الحكومة عن إنهاء ملف السلاح خارج المؤسسات الرسمية، بينما تتمسك بعض الفصائل بصيغة التنظيم التي تتيح استمرار وجودها ضمن ترتيبات مختلفة.
ومن أبرز الملفات التي ظهرت خلال المفاوضات، مسألة انتقال بعض الفصائل إلى العمل السياسي والمؤسسات التنفيذية، إذ كشف نائب رئيس الوزراء محمد تميم عن اشتراط عدد من الفصائل الحصول على مناصب تنفيذية عليا في مؤسسات الدولة مقابل إلقاء السلاح والتحول إلى النشاط السياسي، مؤكداً أن رئيس الوزراء لا يعارض مشاركة هذه القوى في العملية السياسية وإدارة مؤسسات الدولة، شرط نزع السلاح بصورة كاملة والتزام الأطر القانونية المعتمدة.
وتضع هذه المطالب الحكومة أمام معادلة دقيقة تتمثل في إمكان استيعاب القوى المسلحة ضمن النظام السياسي والإداري، من دون أن يتحول ذلك إلى صيغة جديدة لإعادة إنتاج النفوذ العسكري داخل مؤسسات الدولة.
كذلك، تثير مسألة توزيع المناصب التنفيذية تساؤلات سياسية وإدارية في شأن معايير الاختيار والكفاءة، ومدى ارتباط المشاركة الحكومية بالالتزام الفعلي بنزع السلاح، خصوصاً أن الانتقال من العمل المسلح إلى النشاط السياسي يفترض الفصل بين النفوذ العسكري والقرار الإداري.
ويرى مراقبون أن نجاح هذا المسار يتطلب اتفاقاً واضحاً في شأن طبيعة المشاركة السياسية وآليات دمج المقاتلين والضمانات القانونية، فضلاً عن منع استخدام المؤسسات الحكومية لتوفير غطاء سياسي أو إداري لأي تشكيل مسلح خارج سلطة الدولة.
في المقابل، يتجاوز الخلاف حول تنظيم السلاح حدود التفاهمات الداخلية، ليرتبط بطبيعة العلاقة بين بغداد وواشنطن وموقف الإدارة الأميركية من مستقبل الفصائل المسلحة ونفوذها السياسي والأمني.
واتهم سعود الساعدي الولايات المتحدة بممارسة ضغوط على القرار العراقي والتدخل في ملفات تتعلق بالمنافذ والأجواء والاقتصاد، معتبراً أن هذه الضغوط قد تؤثر في إعلان الاتفاق أو تطبيقه، وداعياً الحكومة إلى اتخاذ مواقف رسمية إزاء الانتهاكات التي تطاول السيادة العراقية ومراجعة الاتفاقات مع الولايات المتحدة والاستعانة بالقنوات الدبلوماسية والأمم المتحدة ومجلس الأمن، بدلاً من الاكتفاء بالتصريحات الإعلامية.
وتعكس هذه المواقف جانباً من الإشكالية التي تواجه الحكومة، إذ تسعى إلى معالجة ملف السلاح بما ينسجم مع متطلبات بناء الدولة واستقرار علاقاتها الدولية، في وقت تتصاعد المطالب الأميركية بتقليص نفوذ الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران.
ومن هنا، يصبح الاتفاق المحتمل جزءاً من معادلة أوسع تتعلق بمستقبل العلاقات العراقية - الأميركية وحدود استقلال القرار الأمني وقدرة الحكومة على تحقيق توازن بين متطلبات السيادة والالتزامات الدولية.
ولا يمكن فصل هذا الملف عن المخاوف من استخدام الأجواء والأراضي العراقية في أية مواجهة إقليمية، خصوصاً مع التحذيرات التي أطلقتها حركة 'أنصار الله الأوفياء' في شأن استخدام العراق منطلقاً لتنفيذ هجمات ضد إيران، وقال المتحدث باسمها علي الفتلاوي إنها ستلتزم الحياد ما دام العراق غير مستخدم كمنطلق للاعتداء على دولة مجاورة، محذراً من أن أي انتهاك للسيادة العراقية سيقابل بموقف تحدد طبيعته قيادة الحركة.
ويكشف هذا الموقف عن استمرار ارتباط ملف السلاح بالتطورات الإقليمية، مما يزيد من صعوبة الفصل بين التفاهمات الداخلية والاعتبارات الخارجية.
ويرى المحلل السياسي زهير الساعدي أن التفاهمات التي جرى التوصل إليها تمثل خطوة مهمة باتجاه معالجة ملف السلاح، لكنها لا تكفي وحدها لإنهاء الأزمة ما لم تتحول إلى التزامات تنفيذية واضحة ومحددة زمنياً، مشيراً إلى أن التحدي الأساس لا يتمثل في الوصول إلى اتفاق سياسي بين 'الإطار التنسيقي' والفصائل، وإنما في قدرة الحكومة على تحويل هذا الاتفاق إلى واقع مؤسسي، من خلال تحديد الجهات المسؤولة عن التنفيذ ووضع جدول زمني وتحديد طبيعة الأسلحة والتشكيلات المشمولة بعملية التنظيم والحصر.
ويضيف أن تعدد المواقف داخل الفصائل يجعل من الصعب التعامل معها على أنها كتلة واحدة، فهناك قوى قد تكون مستعدة للانتقال إلى العمل السياسي والمؤسساتي، مقابل أطراف أخرى لا تزال ترى أن الاحتفاظ بالسلاح يمثل جزءاً من دورها الأمني والإقليمي، مؤكداً أن نجاح الاتفاق يتطلب ضمانات متبادلة، فتلتزم الفصائل قرار الدولة وتخضع المؤسسات الأمنية للقيادة الدستورية، في مقابل التزام الحكومة حماية السيادة العراقية ومنع استخدام البلاد ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. وحذر من أن غياب هذه الضمانات قد يحول الاتفاق إلى تفاهم سياسي موقت لا يمتلك القدرة على معالجة جذور الأزمة، خصوصاً إذا بقيت مسألة السلاح مرتبطة بالتوازنات الحزبية ومصالح القوى السياسية.
من جانبه يرى المحلل السياسي مصطفى الكعبي أن الحكومة العراقية تواجه اختباراً يتجاوز الإعلان عن اتفاق لتنظيم السلاح، ويتمثل في قدرتها على فرض معايير موحدة على جميع التشكيلات المسلحة من دون استثناءات أو تفاهمات انتقائية.
ويقول إن تحديد الـ30 من يونيو عام 2027 موعداً نهائياً لحصر السلاح يمنح الحكومة فرصة لترتيب خطواتها، لكنه يضعها أيضاً أمام مسؤولية تقديم نتائج ملموسة قبل انتهاء المهلة، خصوصاً أن استمرار التباين في مواقف الفصائل قد يضعف الثقة بالمسار الحكومي.
ويضيف أن مسألة المناصب التنفيذية التي تحدث عنها نائب رئيس الوزراء محمد تميم تمثل أحد أكثر الملفات حساسية، لأن انتقال الفصائل إلى العمل السياسي ينبغي أن يقوم على أساس قانوني واضح، وليس على مبدأ المقايضة بين المناصب الحكومية والاحتفاظ بالنفوذ المسلح.
ويشير الكعبي إلى أن الضغوط الأميركية، سواء المرتبطة بالعلاقات الثنائية أو بالموقف من الفصائل، قد تزيد تعقيد المشهد، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتعطيل القرار العراقي أو تأجيل معالجة ملف السلاح، مؤكداً أن استعادة الدولة لقرارها الأمني تتطلب مسارين متوازيين، الأول يتمثل في إنهاء وجود السلاح خارج المؤسسات الرسمية، والثاني يتعلق بتعزيز قدرات القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، بما يجعل الدولة قادرة على حماية أراضيها وأجوائها ومصالح مواطنيها.
ويخلص إلى أن الاتفاق لن يُقاس بحجم التفاهمات السياسية التي سبقته، بل بمدى التزام الأطراف بنوده وقدرة الحكومة على تنفيذها ومنع ظهور صيغ جديدة للاحتفاظ بالسلاح تحت عناوين تنظيمية أو سياسية مختلفة.
وفي موازاة التفاهمات السياسية، تحاول الحكومة تقديم خطوات ميدانية باعتبارها مؤشرات على إمكان تنفيذ مشروع حصر السلاح، ومن أبرزها اندماج وحدات 'مقاومة سنجار' ووحدات 'حماية المرأة' ضمن المؤسسات الأمنية الرسمية.
وقال المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة صباح النعمان إن عملية الاندماج تمثل استكمالاً لمشروع حصر السلاح بيد الدولة، مشيراً إلى أن خطوات ستتبعها لإعادة إعمار المدينة وتعويض المتضررين وإعادة النازحين.
وأضاف أن إنهاء وجود التشكيلات المسلحة خارج إطار الدولة من شأنه أن يضعف المبررات التي تستند إليها أطراف خارجية لتبرير وجود قواتها داخل الأراضي العراقية، في إشارة إلى الوجود العسكري التركي المرتبط بملف حزب العمال الكردستاني.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية بسبب الطبيعة المعقدة لملف سنجار الذي لا يقتصر على الجانب الأمني، بل يرتبط بعودة النازحين وإعادة الإعمار والتعويضات والتدخلات الخارجية.
وتسعى الحكومة من خلال هذه التجربة إلى تقديم نموذج يمكن الاستفادة منه في معالجة ملفات مسلحة أخرى، يقوم على دمج التشكيلات ضمن المؤسسات الرسمية وإنهاء مظاهر تعدد مراكز القرار الأمني.
وأشار النعمان إلى أن الحكومة سبق أن عملت على تسليم ثلاثة فصائل مهمة أسلحتها ودمج مقاتليها مع القوات الأمنية، مؤكداً استمرار الإجراءات حتى الموعد المحدد في يونيو 2027.
وتكشف المعطيات المتاحة عن أن ملف تنظيم السلاح دخل مرحلة تفاوضية أكثر تقدماً، لكنه لا يزال محاطاً بتحديات سياسية وأمنية واقتصادية، تبدأ من اختلاف تفسير الاتفاق، ولا تنتهي عند الضغوط الخارجية وتباين مواقف الفصائل من مستقبلها.
ففي وقت تتحدث أطراف سياسية عن اتفاق مكتمل التفاهمات ينتظر التوقيع والإعلان، تؤكد بعض الفصائل أن ما يجري لا يعني تسليم السلاح بصورة نهائية، فيما تشدد الحكومة على أن الموعد المحدد لحصره بيد الدولة يمثل التزاماً لا يمكن التراجع عنه.
وتبقى مسألة المناصب التنفيذية ودمج المقاتلين والضمانات الأمنية من أبرز الملفات التي ستحدد طبيعة التسوية المقبلة، فضلاً عن ضرورة وضع آليات رقابة ومتابعة تمنع الالتفاف على الاتفاق أو تحويله إلى تفاهم سياسي غير ملزم.
كذلك، فإن نجاح الحكومة في هذا الملف يرتبط بقدرتها على تحقيق توازن بين حماية السيادة العراقية ومنع استخدام الأراضي والأجواء الوطنية في الصراعات الإقليمية، وبين بناء علاقة مستقرة مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي.
واليوم يقف العراق أمام اختبار يتعلق بقدرة القوى السياسية والفصائل المسلحة على الانتقال من تفاهمات تقاسم النفوذ إلى قواعد الدولة والمؤسسات، فالإعلان عن الاتفاق ربما يمثل بداية لمسار جديد، لكن حسم الملف يتطلب قرارات تنفيذية واضحة والتزامات متبادلة وإرادة سياسية قادرة على تحويل التفاهمات إلى واقع، قبل أن تتحول المهلة المحددة إلى موعد جديد لتأجيل الأزمة بدلاً من إنهائها.






































