اخبار العراق
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١ تموز ٢٠٢٦
سيعبر جثمانه حدود بلدين في سابقة لم تشهدها الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها عام 1979
لم يزر علي خامنئي العراق طوال أكثر من 36 عاماً قضاها مرشداً أعلى للجمهورية الإسلامية، لكن جثمانه سيعبر حدودها في سابقة لم تشهدها إيران 'الملالي' منذ تأسيسها عام 1979، إذ ستعبر جنازته بمدينتين تُعدّان من أقدس البقاع في الوجدان الشيعي، قبل أن يعود ليوارى جسده ثرى مدينة مشهد، شمال شرقي البلاد.
وتأتي مفارقة تشييعه في بلاد الرافدين، وهي التي جاءت بطلب حكومي عراقي، على رغم أن العراق يعد الساحة الأكثر نفوذاً لإيران في المنطقة منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003. فمنذ توليه السلطة عام 1989، لم يغادر خامنئي طهران إطلاقاً، وظلت زيارته الرسمية لكوريا الشمالية والصين بصفته رئيساً، قبل توليه الولاية، وهي آخر محطة خارجية في سجله.
والمرشد، الذي قتل قبل 121 يوماً بغارة أميركية، زار كربلاء عام 1957، حين كان شاباً في الـ18 برفقة عائلته، وفيها التقى للمرة الأولى بروح الله الخميني، الذي سيصبح لاحقاً مرشد الثورة ومن سبقه في المنصب.
لكنه ومنذ خلافة روح الله وتوليه منصب المرشد الأعلى عام 1989 وحتى مقتله مطلع 2026، لم تُتح له الفرصة مجدداً لزيارة العتبات المقدسة، وهي نقطة لافتة لزعيم أدار نفوذ بلاده في العراق من بعيد، لكنه لم يقترب من أرضه شخصياً منذ شبابه.
وبحسب البرنامج المعلن، تبدأ مراسم الوداع في الرابع والخامس من يوليو (تموز) المقبل بعرض الجثمان في مصلى طهران، ثم يُقام التشييع الرسمي في العاصمة في السادس يوليو، وفي السابع من يوليو ينتقل الجثمان إلى مدينة قم، المدينة التي درس فيها خامنئي العلوم الدينية في شبابه، والتي تُعدّ اليوم عاصمة الحوزة العلمية الإيرانية وموطن كبار رجال الدين.
وفي الثامن من يوليو يصل الجثمان إلى مطار النجف الدولي بالعراق، على متن طائرة خاصة، لتقام مراسم التشييع في النجف ثم كربلاء، قبل إعادته إلى إيران.
وفي التاسع يوليو يوارى الثرى في مرقد الإمام الرضا بمشهد، لتختتم مراسم استمرت ستة أيام توزعت بين البلدين.
ولعبور جثمان المرشد بالنجف رمزية روحية ودينية إذ يرقد هناك علي بن أبي طالب، ابن عم النبي محمد وزوج ابنته فاطمة.
وقد نشأت المدينة تاريخياً حول هذا المرقد الذي يعود تاريخ تشييده إلى القرن الـ10 الميلادي، وتحوّلت على مرّ القرون إلى مركز للفقه الشيعي والمرجعية الدينية، فيما تضمّ حوزتها العلمية العريقة آلاف الطلاب من شتى البقاع الشيعية.
وللنجف ثقل سياسي خاص في السياق الراهن، إذ تمثّل مرجعيتها الدينية بزعامة آية الله علي السيستاني نموذجاً مغايراً لمبدأ ولاية الفقيه الذي يقوم عليه النظام الإيراني، وهو ما جعل العلاقة بين النجف وطهران تاريخياً علاقةً يشوبها التنافس الهادئ بقدر ما تجمعها الرابطة المذهبية.
وعلى بُعد نحو 80 كيلومتراً شمال شرقي النجف، سيعبر الرجل المسجى على نعشه بمدينة كربلاء، التي تحمل في الوجدان الشيعي ثقلاً عاطفياً لا يضاهيه شيء. ففيها كما في التراث الشيعي، سقط الحسين بن علي، حفيد النبي، في معركة عام 680 ميلادية، في واقعة يعتبرها المرشد وشيعته، في خطابهم أنها تمثل معاني الفداء والمظلومية والمقاومة.
ويستقطب ضريحا الحسين وأخيه العباس ملايين الزوار سنوياً من أرجاء العالم، وتبلغ هذه الأعداد ذروتها في موسم زيارة الأربعين. وهي الشعائر المتزامنة مع عبور جثمان الثمانيني ذي العمامة السوداء.
وقد وظّف خامنئي طوال عقود من حكمه رمزية كربلاء في خطابه السياسي، مستحضراً ثيمة المظلومية في مواجهة ما يصفه بـ'الاستكبار العالمي'. ومرور جنازته في هذه المدينة بالذات يمنح المراسم بُعداً رمزياً يتجاوز البروتوكول إلى ما هو أعمق في الهوية الشيعية.
وُلد خامنئي في مشهد عام 1939، وفيها درس العلوم الدينية في مراحله الأولى، وإليها يعود ليُدفن في القرب من مرقد الإمام الرضا، ثامن الأئمة عند الشيعة الاثني عشرية، الذي لقي حتفه مسموماً عام 818 ميلادية في خراسان، بحسب المعتقد الشيعي.
ويُعدّ هذا المرقد أحد أكبر مساجد العالم من حيث المساحة، ويستقطب ما يزيد على 20 مليون زائر سنوياً، مما يجعله من أكثر المواقع الدينية ازدحاماً.
وفي حياته، شارك خامنئي في النشاط المعارض لنظام الشاه وتعرض للاعتقال أكثر من مرة، قبل انتصار الثورة الإسلامية عام 1979.
وبعدها تولى مناصب عدة قبل انتخابه رئيساً للجمهورية عام 1981، ثم اختاره مجلس الخبراء مرشداً أعلى عقب وفاة الخميني عام 1989، ليغدو صاحب الكلمة الفصل في مؤسسات الدولة والقائد الأعلى للقوات المسلحة.
وقُتل آية طهران في الـ28 من فبراير (شباط) الماضي في ضربة نفذها الجيش الأميركي. وأُرجئت مراسم تشييعه أشهراً بسبب الظروف الأمنية، ليُعلن لاحقاً عن مراسم تمتد بين إيران والعراق، في أول جنازة لمرشد أعلى تعبر في تاريخ الجمهورية الإسلامية حدود دولتين.






































