اخبار الإمارات
موقع كل يوم -الخليج أونلاين
نشر بتاريخ: ١٧ كانون الثاني ٢٠٢٦
طه العاني - الخليج أونلاين
ماذا تضمن القرار الصومالي الأخير تجاه الإمارات؟
إنهاء جميع الاتفاقيات والتفاهمات الثنائية المبرمة بين الجانبين.
ما الأسباب التي أعلنتها الحكومة الصومالية للقرار؟
حماية السيادة ووحدة البلاد بعد تقييم رسمي للظروف الأخيرة.
أعاد الصومال رسم ملامح علاقاته الإقليمية بقرار حكومي أنهى بموجبه جميع الاتفاقيات المبرمة مع دولة الإمارات، في خطوة تعكس تحوّلاً سياسياً واقتصادياً لافتاً.
ووضع قرار مقديشو الموانئ في صدارة الخلاف مع الإمارات، بعدما أعلن مجلس الوزراء الصومالي، عقب اجتماعه في 12 يناير 2026، إنهاء جميع الاتفاقيات الموقعة مع أبوظبي، وعلى رأسها اتفاقيات تشغيل الموانئ.
كما يعتبر ملف الموانئ الأكثر حساسية وتأثيراً على الاقتصاد الصومالي وموقعه الجيوسياسي، لدوره الهام في معادلة النفوذ الإقليمي على سواحل القرن الأفريقي.
موانئ تحت السيادة
ووفق وكالة الأنباء الوطنية الصومالية 'صونا'، فإن قرار الحكومة يشمل موانئ بربرة وبوصاصو وكسمايو، وهي من أهم المنافذ البحرية في البلاد، سواء من حيث موقعها الاستراتيجي على خطوط التجارة الإقليمية، أو دورها في حركة الاستيراد والتصدير، مشيرة إلى أن الإلغاء جاء 'بعد تقييم دقيق للظروف الأخيرة'.
وبحسب البيانات الرسمية، فإن الإلغاء لا يقتصر على وقف التعاون القائم، بل يشمل جميع الاتفاقيات والتفاهمات المرتبطة بتشغيل وتطوير هذه الموانئ، بما في ذلك الترتيبات التي تمت مع إدارات إقليمية أو ولايات أعضاء، وهو ما اعتبرته الحكومة مساساً بوحدة القرار الاقتصادي والسيادي.
كما تزامن القرار مع فتح تحقيق رسمي بشأن استخدام غير مصرّح به عبر ميناء بربرة ومطار مقديشو، ما أضفى بعداً أمنياً إضافياً عليه.
وأكد مجلس الوزراء الصومالي أن الخطوة تستند إلى تقارير وأدلة على ممارسات تتعارض مع مبادئ السيادة وعدم التدخل، التي نصت عليها مواثيق الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي ومنظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية، وهي أطر قانونية تُعد الصومال طرفاً فيها.
وسبق أن وقعت مقديشو، في يناير 2023، اتفاقية بشأن التعاون العسكري والأمني ومحاربة الإرهاب مع الإمارات،وفي يونيو 2022، وقّع البلدان حزمة من الاتفاقيات والتفاهمات أبرزها تسهيل إجراءات السفر بين البلدين.
نزاعات متراكمة
يكشف قرار الحكومة الصومالية عن سياق تراكمي من الخلافات المرتبطة باتفاقيات إدارة وتطوير الموانئ مع الإمارات، التي تعود في جزء كبير منها إلى ترتيبات أُبرمت مع إدارات محلية أو جهات إقليمية لا تحظى باعتراف دولي.
ففي ميناء بربرة، جرى في مايو 2016 توقيع اتفاقية بين شركة موانئ دبي العالمية وإدارة إقليم 'أرض الصومال' الانفصالي غير المعترف به دولياً بمشاركة إثيوبيا، منحت الشركة امتياز إدارة وتطوير الميناء لمدة 30 عاماً، باستثمار أولي قُدّر بنحو 442 مليون دولار.
ونصّت الاتفاقية على توزيع للملكية والعائدات، بمنح 'موانئ دبي' 51%، مقابل 30% للإدارة المحلية و19% لإثيوبيا.
ورغم ما شهده الميناء لاحقاً من أعمال تطوير عززت موقعه كمركز لوجستي إقليمي، بطاقة استيعابية بلغت نحو 500 ألف حاوية سنوياً، مع خطط لزيادتها مستقبلاً إلى مليوني حاوية، فإن الحكومة الفيدرالية الصومالية رفضت الاتفاقية منذ توقيعها، واعتبرتها مخالفة للدستور، وفي عام 2018، صدق البرلمان الصومالي على قرار رسمي بإلغائها.
وفي ميناء بوصاصو وقّعت موانئ دبي العالمية، في ديسمبر 2022، اتفاقية لتوسعة وتطوير الميناء مع إدارة إقليم بونتلاند، شملت إنشاء أرصفة جديدة وتحديث مرافق وساحات الحاويات، بهدف تعزيز دوره كمركز بحري على الساحل الشمالي للبلاد.
لكن الحكومة الصومالية اعتبرت الاتفاقية غير ملزمة لكونها أُبرمت دون علمها أو موافقتها، رغم بدء تنفيذ بعض مكونات المشروع خلال عام 2023.
أما ميناء كيسمايو فلم تعلن بشأنه اتفاقية تشغيل رسمية، إلا أن تقارير بحثية دولية، من بينها دراسات صادرة عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، أشارت إلى اهتمام إماراتي سابق بالحصول على تسهيلات أمنية في محيط الميناء، عبر تفاهمات جزئية مع إدارة إقليم جوبالاند بين عامي 2018 و2020.
كما أثارت هذه التقارير نقاشاً داخلياً في الصومال، بشأن تداخل الأبعاد الأمنية مع إدارة البنية المينائية في منطقة تعد حساسة استراتيجياً.
تداعيات وانعكاسات
وفي هذا السياق يرى المحلل الاستراتيجي محمد عيد الشتلي، أن لقرار الصومال تداعيات سياسية واقتصادية، بحكم مكانة الإمارات كفاعل اقتصادي محوري ودورها السياسي المؤثر إقليمياً، إلا أن ذلك لا يتعارض مع أولوية إنهاء النزعات الانفصالية وتركيز الجهود على معالجة التحديات الداخلية.
ويلفت في حديثه مع 'الخليج أونلاين' إلى أن 'تثبيت الاستقرار الداخلي يجب أن يتقدم على حساب توسيع العلاقات الخارجية في هذه المرحلة الحساسة'، مضيفاً:
- القرار يعكس توجهاً استراتيجياً جديداً في السياسة الخارجية الصومالية، يقوم على النأي بالنفس عن التدخلات الإقليمية، والتشديد على إنهاء الانقسام الداخلي عبر منع التقاطب الخارجي.
- الشأن الداخلي لا يمكن أن يُستخدم كورقة تفاوض مع أي طرف خارجي؛ لأن استقرار الدولة وسيادتها يسبقان أي اعتبارات سياسية أخرى.
- هذه الخطوة لا تضر بمستقبل علاقات الصومال مع دول الخليج، بل قد تسهم في تعزيزها، انطلاقاً من أن التعامل مع دولة صومالية موحدة يمثل الخيار المفضل خليجياً.
- ملف الموانئ يظل ملفاً مستقلاً تحكمه اعتبارات فنية واستراتيجية تتعلق بالكفاءة، والحماية، وسلاسل الإمداد، وليس بالضرورة بالتقلبات السياسية.
- إدارة الموانئ تخضع لمنظور استراتيجي مختلف عن العلاقات السياسية، ومن الممكن التوصل مستقبلاً إلى تفاهمات صومالية إماراتية لإدارة الموانئ بعيداً عن الخلافات السياسية.
- الإمارات تمتلك خبرة رائدة في هذا المجال، وتجربة دبي تمثل نموذجاً عالمياً ناجحاً في إدارة الموانئ والخدمات اللوجستية.
- إنهاء الاتفاقيات سينعكس على ميزان النفوذ في القرن الإفريقي، في ظل تصاعد التنافس الدولي على الممرات البحرية الحيوية.
- هذا الواقع قد يدفع أطرافاً إقليمية متعددة إلى محاولة تعزيز نفوذها في الموانئ الصومالية، نظراً لأهميتها الاستراتيجية المرتبطة بخليج عدن ومضيق باب المندب.
- إنهاء هذا التنافس لا يتحقق إلا بوجود كيان صومالي موحد وقادر على فرض سيادته، والاحتكام إلى القوانين الدولية التي تضمن وحدة البلاد وتمنع امتداد الأزمات الإقليمية إلى الداخل الصومالي، بما يحفظ الاستقرار الإقليمي على المدى الطويل.


































