اخبار العراق
موقع كل يوم -المسلة
نشر بتاريخ: ٢٨ نيسان ٢٠٢٦
28 أبريل، 2026
بغداد/المسلة:
الدكتور ليث شبر
أكتب هذا المقال لأنني ما زلت أرى النقاش الدائر حول رئاسة الوزراء يدور في الحلقة نفسها، كأن الأزمة كلها تنحصر في الاسم، أو في موازين اللحظة، أو في ترتيب الحصص، فيما تتراكم حول العراق تحديات لو أُخذت بجدية لكان من البدهي أن تُنتج طريقة تفكير مختلفة. غير أن ما يلفتني، بعد هذا العدد الطويل من الاجتماعات واللقاءات والتسويات، أن الإطار ما زال يفكر داخل الصندوق الذي أنتج أزماته، ثم ينتظر من الأدوات نفسها نتائج جديدة.
وهنا مكمن السؤال.
لماذا لا يفكر الإطار خارج الصندوق؟
ذلك أن المشهد لم يعد يحتمل التفكير التقليدي. فالبلاد تواجه ضغوطاً مالية مرتبطة بدفعات الدولار وبتقلبات النفط، ومخاطر في ملف التصدير، وتحديات في بنية الموازنة، وارتباكاً في العلاقة مع الأسواق والمنظومة المالية الدولية، فيما يضغط الملف الأمني بوجوه متعددة؛ من ازدواجية القرار، إلى موقع الفصائل، إلى هشاشة البيئة الإقليمية المفتوحة على احتمالات لا يملك العراق ترف تجاهلها.
وفوق ذلك، ثمة ما هو أعمق.
العلاقة مع الولايات المتحدة التي أسست هذا النظام في أدنى مستوى .
العلاقة مع إيران التي تجاورنا في أطول تماس حدودي لا زالت خارج الدولة.
والتوازن بينهما ليس شأناً خطابياً.
إنه جزء من معادلة بقاء الدولة.
وفي الداخل، تتراكم أزمة الثقة، ويتضخم الإنهاك المؤسسي، وتتمدد آثار الفساد، فيما المجتمع أكثر قلقاً وتشتتا من أي وقت مضى.
ومع كل هذا، ما الذي يجري في اجتماعات الإطار؟
يطرحون أسماء.
ثم تأتي اعتراضات.
وتُدار توازنات.
والبحث عمّن يحظى بمقبولية هذه الجهة أو تلك. وكيف توزع الوزارات والصفقات.
ثم يُعاد إنتاج الحلقة.
وهذا تفكير داخل الصندوق.
لأن السؤال لا يكون: من الرئيس القادم للحكومة؟
بل: ما شكل السلطة التي يراد إنتاجها أصلاً؟
ما فلسفة الحكم في هذه المرحلة؟
ما البرنامج؟
ما تصور إدارة الأزمة؟
ما موقع العراق في الصراع الإقليمي والدولي؟
كيف تُبنى الحكومة؟
كيف تُحمى؟
كيف تستمر؟
هذه أسئلة من خارج الصندوق.
أما الاكتفاء بتدوير الترشيحات، فهو إدارة لحظة، لا صناعة مسار.
ولعل بعض الإطاريين يخشون التفكير خارج الصندوق لأسباب مفهومة.
يخشون أن يبدو الخروج عن الصيغ المألوفة تهديداً لتوازناتهم.
يخشون أن يؤدي طرح بدائل مختلفة إلى تفكك الاصطفاف الداخلي.
يخشون أن يُفهم التفكير الجديد على أنه تنازل عن مواقع النفوذ.
ويخشون، فوق ذلك، أن يُفتح باب لا يمكن ضبط نتائجه.
بيد أن هذه المخاوف، في تقديري، ناتجة عن قراءة دفاعية لا عن قراءة استراتيجية.
لأن الخطر الحقيقي ليس في التفكير خارج الصندوق.
الخطر في البقاء داخله.
فالتمسك بصيغ أرهقها الزمن لا يحمي النفوذ، بل يستهلكه.
والتشبث بالآليات البالية التي راكمت الأزمة لا يحفظ التوازن، بل يهدده.
أما التفكير المختلف، فقد يكون هو الطريق الوحيد لتجنيب الجميع خسارة أكبر.
ومن هنا أقول: يستطيع الإطار أن يتخلص من هذه المخاوف إذا غيّر زاوية النظر.
بدل أن يرى التجديد تهديداً، يراه إعادة تموضع.
بدل أن يفهم الإصلاح خسارة، يقرأه حماية.
بدل أن يتعامل مع البدائل بوصفها كسرًا للمعادلة، يتعامل معها بوصفها تطويراً لها.
ومن هنا أصل إلى ما أراه خارطة طريق لإنتاج السلطة، لا مجرد تشكيل حكومة.
أولاً، الانتقال من سؤال الشخص إلى سؤال النموذج؛ أي الاتفاق قبل الاسم على شكل الحكومة ووظيفتها وبرنامجها.
ثانياً، إنتاج ورقة سيادية واضحة تُعرّف أولويات المرحلة: الاقتصاد، الأمن، العلاقات الخارجية، ضبط القرار، وحماية الدولة.
ثالثاً، تشكيل حكومة لا تُبنى على المحاصصة المكوناتية التقليدية، وإنما على قاعدة كفاءة محمية سياسياً.
رابعاً، الاتفاق مسبقاً على مركز قرار موحد يحمي الحكومة من التفكك والابتزاز.
خامساً، فتح تفاهم داخلي على مراجعة علاقة السلطة بالسلاح، وعلاقة الدولة بمراكز النفوذ، بوصفه شرط استقرار لا ملفاً مؤجلاً.
سادساً، الذهاب إلى تسوية وطنية أوسع لا تجعل الحكومة حكومة الإطار وحده، بل حكومة قادرة على امتصاص التوتر المجتمعي والسياسي.
سابعاً، إدخال عنصر التفكير غير المسبوق؛ أعني الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء الدولة، وهو ما يقتضي نقاشاً جدياً في بدائل الحكم، وفي مشروع الدولة الذكية السيادية، وفي معنى إنتاج سلطة قابلة للاستمرار، لا سلطة تعيش دورة الاختناق نفسها.
هذا، في تقديري، هو التفكير خارج الصندوق.
لا مغامرة.
لا قفزاً في المجهول.
بل شجاعة في مراجعة المسلمات.
وأحسب أن الإطار، إذا امتلك هذه الشجاعة، يستطيع أن ينتج سلطة مختلفة، لا حكومة أخرى فقط.
وإلا فإننا سنبقى نبدل الأسماء…
ويبقى الصندوق نفسه.
فهل يفعلها الإطار؟
About Post Author
moh moh
See author's posts






































