اخبار السودان
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢٤ حزيران ٢٠٢٦
لديها فرصة تاريخية لإعادة تأسيس المهنة بوصفها إحدى ركائز السلام والدولة المدنية لا مجرد صناعة متعثرة تسعى إلى النجاة
قبل أن تشرق شمس الخرطوم في صباح الـ15 من أبريل (نيسان) 2023، كانت المدينة تمضي في طقوسها المعتادة. داخل المطابع دارت الآلات لساعاتها الأخيرة، وتراصت رزم الصحف الساخنة على الأرصفة الخلفية للمباني، في ما كان العمال يحملونها إلى سيارات التوزيع المتأهبة للانطلاق نحو الأكشاك والمكتبات ومكاتب الموظفين في مؤسسات الدولة. وعلى رغم مشاهد عسكرة الشوارع التي سبقت ذلك اليوم، لكن لم يكن في المشهد ما يوحي بأن البلاد تقف على حافة واحدة من أكثر محطاتها اضطراباً، أو أن تلك النسخ المطبوعة ستكون شاهدة على نهاية حقبة كاملة.
في تلك اللحظات تحديداً، وبينما كانت الشاحنات تشق طرقها عبر العاصمة، دوى الرصاص الأول. لم يكن صوتاً عابراً في مدينة اعتادت التوترات السياسية، بل كان صوتاً مختلفاً، حاداً وقاطعاً، كأنه يعلن انكسار إيقاع الحياة نفسها. توقفت السيارات في الطرقات، ثم عادت أدراجها محملة بالصحف التي لم تصل إلى وجهتها. وبالقدر ذاته الذي مثلت الطلقات الأولى بداية الحرب، مثّل ارتداد تلك الشاحنات إعلاناً صامتاً عن توقف أحد أكثر تقاليد الحياة السودانية رسوخاً.
وخلال الأشهر التالية، لم يقتصر أثر الحرب على ساحات القتال ومؤسسات الدولة، بل امتد إلى البنية التحتية للإعلام نفسه. تعرضت دور الصحف والمطابع لعمليات نهب وتخريب واسعة، وتشتت الصحافيون بين النزوح واللجوء، فيما دخلت صناعة الصحافة الورقية مرحلة من الشلل. واليوم، ومع عودة الحياة تدريجاً إلى أجزاء من الخرطوم ومدن أخرى انحسر عنها القتال، يعود الحديث مجدداً عن إمكانية استئناف الصدور. غير أن السؤال يتجاوز مجرد عودة الصحف إلى المطابع، إذ يتعلق بمصير صناعة كاملة، وبقدرتها على استعادة مكانها بعد حرب لم توقف توزيع الصحف فحسب، بل أوقفت زمناً كاملاً كان يظن كثر أنه باق لا يتغير.
في الحروب، كثيراً ما تقرأ التحولات الكبرى من خلال تفاصيل صغيرة، فمنذ ذلك الصباح، لم تغب الصحف عن الأكشاك وحسب، بل غابت معها صورة المدينة وهي تستيقظ على العناوين والأخبار، وتراجع حضور واحدة من أعرق المؤسسات السودانية التي أسهمت لعقود في تشكيل المجال العام وصناعة الوعي وتوثيق ذاكرة البلاد.
في الواقع، لم تبدأ أزمة الصحافة السودانية مع اندلاع الحرب، بل سبقتها بسنوات طويلة من التآكل البطيء الذي أصاب الصناعة بأكملها. فمنذ العقد الأخير من حكم الرئيس السابق عمر البشير، كانت الصحف الورقية تخوض معركة بقاء يومية في مواجهة الرقابة، والانكماش الاقتصادي، وارتفاع أسعار الورق والأحبار المستوردة، وتراجع القوة الشرائية للقراء. وخلال تلك السنوات أغلقت عشرات الصحف أبوابها أو تحولت إلى الصدور المتقطع، فيما تقلصت أعداد النسخ المطبوعة إلى مستويات متدنية.
غير أن الحرب لم تضف أزمة جديدة إلى القطاع بقدر ما سرعت انهياراً كان يتشكل على مهل. فمع اتساع رقعة القتال، تعطلت المطابع، وتوقفت شبكات التوزيع، وتعرضت مؤسسات إعلامية للنهب والتدمير، فيما وجد مئات الصحافيين أنفسهم بين النزوح الداخلي واللجوء إلى دول الجوار أو الهجرة إلى عواصم عربية وأفريقية وأوروبية. وهكذا انتقل مركز الثقل الصحافي السوداني، للمرة الأولى في تاريخه الحديث، من الداخل إلى الخارج.
وفي توصيف يكشف حجم الكارثة، أكدت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو) أن نحو 90 في المئة من البنية التحتية الإعلامية في السودان دمرت خلال الحرب، فيما تحول البلد إلى ما وصفته بـ'منطقة صمت' تعاني فراغاً معلوماتياً واسعاً. كذلك وثقت نقابة الصحافيين السودانيين مقتل 32 صحافياً ورصد 556 انتهاكاً بحق العاملين في القطاع الإعلامي، وهي الجهود التي قادت إلى فوزها بجائزة 'اليونيسكو/غييرمو كانو' العالمية لحرية الصحافة لعام 2026. وبين صحف توقفت نهائياً وأخرى واصلت الصدور إلكترونياً من المنافي، تشكلت ملامح مرحلة جديدة في تاريخ الإعلام السوداني، لم تعد فيها الجغرافيا شرطاً لممارسة الصحافة، لكنها جعلت البعد عن الوطن جزءاً من كلفة البحث عن الحقيقة.
يرى الصحافي عبد العزيز النقر أن الصحافة السودانية ظلت، منذ بواكير الاستقلال عام 1956، تعكس طبيعة العلاقة المتقلبة بين الدولة والمجال العام، إذ تنقلت بين فترات اتسع فيها هامش الصحافة الخاصة وأخرى تمددت فيها هيمنة السلطة على المشهد الإعلامي. وعلى امتداد العقود الماضية، بقيت الصحافة الورقية، على رغم الأزمات السياسية والاقتصادية المتلاحقة، حاضرة بوصفها إحدى ركائز الحياة العامة ومنصات النقاش والتأثير في الرأي العام.
ويشير النقر إلى أن الحرب مثلت منعطفاً خطراً في تاريخ الصحافة السودانية الحديث، ليس بسبب القيود أو الضغوط التقليدية التي اعتادها الوسط الصحافي، وإنما لأنها أصابت البنية التشغيلية للصحافة في مقتل. فقد تركزت المطابع الكبرى والمؤسسات الصحافية ودور النشر في العاصمة الخرطوم، ومع اندلاع الحرب توقفت هذه المنظومة دفعة واحدة، لتغيب الصحف الورقية بالكامل عن المشهد اليومي للمرة الأولى منذ عقود.
ويضيف أن قطاع الصحافة الورقية، بوصفه نشاطاً استثمارياً خاصاً يعتمد على الإعلان والتوزيع والمبيعات، تلقى ضربة قاسية انعكست مباشرة على أوضاع العاملين فيه، إذ وجد عدد كبير من الصحافيين والمحررين والفنيين أنفسهم خارج سوق العمل خلال فترة وجيزة. وعلى رغم بروز عشرات المنصات والمواقع الإخبارية الرقمية خلال سنوات الحرب، فإن قدرتها الاستيعابية ظلت محدودة، سواء من حيث فرص التوظيف أو الموارد المالية، مما جعلها عاجزة عن تعويض الفاقد الكبير الذي خلفه توقف الصحف المطبوعة.
ويلفت النقر إلى أن الصحافة الإلكترونية لعبت دوراً محورياً في نقل الأخبار ومتابعة التطورات الميدانية خلال الحرب، وأسهمت في سد جزء من الفراغ المعلوماتي، إلا أنها لا تزال تواجه تحديات بنيوية تتعلق بالتشريعات والتنظيم المهني والاستدامة الاقتصادية. فغياب إطار قانوني مستقل ينظم عمل المؤسسات الرقمية ويمنحها وضعاً مهنياً واضحاً، إلى جانب مشكلات التمويل وافتقار كثير من المنصات إلى غرف أخبار متكاملة وهياكل تحريرية مستقرة، كلها عوامل تحد من تطورها. ومع ذلك، يعتقد أن مستقبل الصحافة السودانية يتجه بصورة متزايدة نحو الفضاء الرقمي، شريطة إقرار تشريعات حديثة تعترف بالصحافة الإلكترونية كقطاع إعلامي مكتمل الأركان، وتحدد معاييره المهنية وحقوق العاملين فيه، بما يضمن تحوله من مبادرات فردية متفرقة إلى مؤسسات صحافية قادرة على البقاء والتأثير.
على رغم عودة عدد كبير من مؤسسات الدولة والقطاعين العام والخاص إلى ممارسة أنشطتها من الخرطوم، فإن قطاع الصحافة لا يزال بعيداً من استعادة عافيته الكاملة. فالأزمة التي خلفتها الحرب تجاوزت حدود التوقف المؤقت للنشر، لتطاول البنية المادية والاقتصادية والمهنية التي تقوم عليها الصناعة الصحافية برمتها. وبينما بدأت بعض المؤسسات الإعلامية محاولات حذرة لإعادة ترتيب أوضاعها، لا تزال غالبية الصحف تواجه واقعاً بالغ التعقيد، يتداخل فيه الدمار المادي مع الضائقة الاقتصادية والتحولات المتسارعة في أنماط استهلاك الأخبار.
ويقول نقيب الصحافيين السودانيين عبد المنعم أبو إدريس، إن عودة الصحافة الورقية إلى الصدور من الخرطوم تظل رهناً بجملة من الشروط الموضوعية، في مقدمتها إعادة تأهيل المؤسسات الصحافية التي تعرضت للتدمير والنهب خلال الحرب. مشيراً إلى أن هشاشة الوضع المالي للصحف، حتى قبل اندلاع القتال، تجعل عملية التعافي أكثر صعوبة في ظل الارتفاع الكبير في كلف الطباعة والنقل والتوزيع. كذا ترتبط العودة، بحسب أبو إدريس، بإحياء صناعة الطباعة نفسها، التي تعاني مشكلات تتعلق بتضرر البنية الصناعية وضعف إمدادات الكهرباء وارتفاع كلف التشغيل.
ويضيف أن معضلة التوزيع لا تقل تعقيداً عن معضلة الطباعة، إذ تعرضت شبكات البيع والتوزيع التقليدية لتآكل تدريجي على مدى سنوات، قبل أن تقضي الحرب على ما تبقى منها. وإلى جانب ذلك، يواجه القارئ السوداني أوضاعاً اقتصادية ضاغطة تجعل شراء الصحيفة اليومية أولوية مؤجلة لدى كثيرين. ويشدد أبو إدريس على أن الصحافة، في نهاية المطاف، لا تزدهر إلا في بيئة تتوافر فيها الحريات العامة وضمانات العمل المهني المستقل.
وبحسب نقيب الصحافيين، كانت نحو 21 صحيفة سياسية ورياضية تصدر قبل الحرب، لكن معظمها توقف مع اندلاع القتال. وفي الوقت الراهن تواصل تسع صحف نشاطها عبر المنصات الرقمية، بينها أربع صحف سياسية وخمس رياضية، فيما تبذل مؤسسات أخرى جهوداً للعودة تدريجاً إلى النشر الإلكتروني بانتظار تحسن الظروف التشغيلية. ويعكس هذا التحول انتقال الصحافة السودانية من نموذجها التقليدي القائم على المطابع والتوزيع الورقي إلى مرحلة انتقالية تتصدر فيها المنصات الرقمية المشهد، ليس باعتبارها خياراً مهنياً فحسب، بل بوصفها ضرورة فرضتها الحرب وتداعياتها الممتدة.
يبدو أن الحرب دشنت واقعاً إعلامياً جديداً لن يكون من السهل التراجع عنه، وهو أكثر تعقيداً من مجرد استئناف الطباعة أو إعادة فتح المؤسسات الصحافية المغلقة. فالحرب لم تغير الجغرافيا المهنية للصحافة السودانية فحسب، بل أعادت تشكيل علاقتها بالجمهور ومصادر التمويل وآليات إنتاج المحتوى وتوزيعه.
من المرجح أن تشهد السنوات المقبلة عودة تدريجية لبعض الصحف إلى الخرطوم، لكن بصيغ مختلفة عما كان سائداً قبل الحرب. فحتى إذا استعادت الخرطوم جزءاً كبيراً من استقرارها، فإن التحديات الاقتصادية الهائلة، وارتفاع كلف الطباعة والتوزيع، وتراجع سوق الإعلان التقليدي، فضلاً عن التحول المتزايد للجمهور نحو المنصات الرقمية، ستجعل من الصعب استعادة نموذج الصحافة الورقية الذي عرفه السودان لعقود. لذلك يبدو الاحتمال الأكثر واقعية قائماً على مؤسسات هجينة تجمع بين الحضور الرقمي الأساسي وإصدارات ورقية محدودة التأثير والانتشار.
وفي المقابل، أفرزت الحرب واقعاً جديداً يتمثل في نشوء غرف تحرير سودانية خارج الحدود، تدير عملها من القاهرة ونيروبي وكمبالا وغيرها، معتمدة على شبكات من المراسلين والصحافيين داخل البلاد. ولم يعد هذا الوجود الخارجي مجرد حال لجوء مهني موقت، بل أخذ يتحول تدريجاً إلى نموذج إنتاج إعلامي عابر للحدود. ومن هنا تبرز فكرة إعادة تعريف المنفى من كونه تعبيراً عن الضعف والاقتلاع إلى فضاء آخر، فوجود مؤسسات إعلامية سودانية في الخارج يمكن أن يوفر هامشاً أوسع من الحرية، ويتيح الاستفادة من خبرات الكفاءات المهاجرة، ويحول الشتات السوداني إلى رافعة للتمويل والدعم والتدريب والشراكات المهنية.
وعلى المدى البعيد، قد لا تكون القضية الحقيقية هي عودة الصحف إلى الخرطوم بقدر ما هي قدرة الصحافة السودانية على بناء نموذج جديد يضمن الاستمرارية والاستقلالية، ويحفظ الذاكرة الوطنية من التشويه والنسيان، ويعمل على إعادة بناء المجال العام ومؤسسات المعرفة والتوثيق. ويمكن أن تشكل مرحلة ما بعد الحرب فرصة تاريخية لإعادة تأسيس الصحافة بوصفها إحدى ركائز السلام والدولة المدنية، لا باعتبارها مجرد صناعة متعثرة تسعى إلى النجاة، بل مؤسسة تضطلع بدور محوري في المصالحة المجتمعية، ومراقبة السلطة، وصون الحقيقة في بلد لا يعرف متى يبدأ كتابة فصول خروجه من الحرب.


























