اخبار السودان
موقع كل يوم -أثير نيوز
نشر بتاريخ: ٢٨ تموز ٢٠٢٦
حين أعلنت المنظمة الدولية للهجرة أن نحو 4.6 ملايين سوداني عادوا إلى مناطقهم الأصلية في تسع ولايات، تلقى كثيرون الخبر بوصفه مؤشرًا على تحسن الأوضاع الأمنية واتساع رقعة الاستقرار. غير أن القيمة الحقيقية لهذه الإحصائية لا تكمن في عدد العائدين وحده، وإنما في ما تكشفه من دلالات يمكن أن تساعد الدولة على فهم واقع العودة، وتحديد العقبات التي لا تزال تحول دون عودة ملايين السودانيين إلى ديارهم.
فالأرقام، إذا قُرئت قراءة صحيحة، تتحول إلى أداة لاتخاذ القرار، لأنها لا تجيب فقط عن سؤال: كم عاد؟، بل تجيب أيضًا عن سؤال أكثر أهمية: من الذي لم يعد، ولماذا؟
وبحسب بيانات المنظمة الدولية للهجرة، لا يزال هناك نحو 8.69 ملايين نازح داخل السودان، إضافة إلى نحو 4.6 ملايين لاجئ في دول الجوار وغيرها. ومن بين العائدين حتى الآن، كان 82% من النازحين داخليًا، مقابل 18% فقط من اللاجئين العائدين من الخارج.
لكن المقارنة الأهم ليست بين 82% و18%، وإنما بين عدد العائدين وإجمالي كل فئة. فعند إجراء هذه المقارنة يتبين أن نحو 44% من النازحين داخليًا عادوا إلى مناطقهم، بينما لم تتجاوز نسبة العائدين من اللاجئين في الخارج 18%. وهذه فجوة تستحق التوقف عندها، لأنها تشير إلى أن العودة من داخل السودان تسير بأكثر من ضعف وتيرة العودة من الخارج.
هذا التفاوت لا يعني أن السودانيين في الخارج أقل رغبة في العودة، فالغالبية غادرت البلاد مكرهة لا راغبة. لكنه يكشف أن قرار العودة بالنسبة للاجئ أكثر تعقيدًا من قرار النازح داخل السودان.
فالنازح ظل قريبًا من منطقته، ويتابع الأوضاع الأمنية بشكل مباشر، كما أن تكلفة العودة بالنسبة له محدودة. أما اللاجئ في الخارج فقد أعاد ترتيب حياته إلى حد ما؛ أبناؤه التحقوا بالمدارس، وبعضهم وجد عملًا، وآخرون استقروا في مساكن جديدة. لذلك فإن قرار العودة بالنسبة له لا يرتبط بالأمن وحده، وإنما بمقارنة شاملة بين الحياة التي يعيشها اليوم، والحياة التي سيجدها إذا عاد إلى السودان.
وهنا تبرز قضية جودة الحياة باعتبارها أحد أهم العوامل المؤثرة في قرار العودة. فالسوداني الموجود في الخارج لا يسأل فقط: هل توقفت المعارك؟ وإنما يسأل أيضًا: هل الكهرباء مستقرة؟ هل المياه متوفرة؟ هل المدارس تعمل؟ هل المستشفيات قادرة على تقديم الخدمة؟ هل توجد فرصة عمل؟ وهل أستطيع أن أعيش مع أسرتي حياة مستقرة وكريمة؟
لذلك فإن تحسين الوضع الأمني، على أهميته، لا يكفي وحده لزيادة وتيرة العودة من الخارج. فالأمن يزيل الخوف، لكنه لا يوفر مقومات الحياة، والإنسان لا يعود ليشاهد منزله فقط، وإنما ليبدأ حياة جديدة.
ومن هنا، فإن الرسالة التي تحملها هذه الأرقام إلى الدولة واضحة. فالمرحلة المقبلة يجب أن تركز على إعادة الخدمات الأساسية بالسرعة نفسها التي أُنجز بها الجانب الأمني. الكهرباء، والمياه، والتعليم، والصحة، وفرص العمل، وإعادة تأهيل الأحياء السكنية، وتبسيط الإجراءات، كلها عناصر لا تقل أهمية عن الأمن في تشجيع العودة. كما أن إطلاق برامج لدعم العائدين، وتشجيع الاستثمار، وتقديم حوافز للمغتربين، سيجعل قرار العودة أكثر واقعية.
وفي المقابل، فإن السودانيين في الخارج شركاء في هذه المرحلة. وليس المقصود أن يعود الجميع في وقت واحد، فلكل أسرة ظروفها، لكن المطلوب ألا تنقطع صلتهم بوطنهم. فبعضهم يستطيع العودة، وآخرون يمكنهم الاستثمار، أو نقل الخبرات، أو دعم المبادرات المجتمعية، أو المساهمة في إعادة الإعمار. فالسودان لن يُبنى بجهد الحكومة وحدها، وإنما بجهد أبنائه جميعًا.
إن قراءة هذه الأرقام بعمق تقود إلى نتيجة مهمة: التحدي الحقيقي لم يعد في إقناع الناس بحب الوطن، وإنما في تهيئة الوطن ليستقبل أبناءه. فكلما تحسنت جودة الحياة، وتوفرت الخدمات، وتعزز الاستقرار الاقتصادي، ارتفعت تلقائيًا أعداد العائدين من الخارج.


























