اخبار السودان
موقع كل يوم -أثير نيوز
نشر بتاريخ: ٢٥ أيلول ٢٠٢٦
:: ذاكرتنا السياسية مصابة بعطب مزمن، و لهذا نتجرع الحنظل من كؤوس حقبة البشير، دون رغبة في التعافي.. وعلى سبيل المثال، ما زال سماسرة السياسة يظنون أن الدول تُدار بـ 'الهتافات و الحشود' و عواطف ما بعد صلوات الجمعة، حيث تتداعى ذات الوجوه اليوم للتنديد بأمريكا وإعلان الولاء لرئيس مجلس السيادة تحت لافتات حماية السيادة الوطنية..!!
:: نعم، فالتعبير حق مكفول للجميع.. ولكن بلادنا مثخنة بالجراح، ولم تعد تحتمل إعادة إنتاج مسرحيات الهمج السياسي التي سئمها الشعب.. فالذاكرة السودانية لم تنسَ كيف ساقت مسيرات عهد البشير البلاد بعنترياتها وعداءاتها المجانية، وأدخلتها في هذا النفق الذي نتخبط فيه اليوم..!!
:: فليكن في القوم حكيم بحيث لا تتحول 'التظاهرات التجارية' إلى غطاء لتكرار ذات السيناريو ، أي الهروب من الأزمات نحو معارك وهمية لا تسمن ولا تغني من جوع..هيبة الدولة لا تُصنع بالتهريج في الشوارع، بل عبر دبلوماسية ذكية تُفكك أزمة التأشيرة – وغيرها – وتعالجها جذرياً..!!
:: ولا تنسوا أن القضية الوطنية المصيرية تُحسم اليوم في محاور العمليات بدارفور وكردفان والنيل الأزرق، حيث يسطر الجيش ملاحم الفيصل و(يصنع القرار)؛ ودعم الجيش يجب أن يكون بحماية ظهره بدبلوماسية واعية وإعلام مسؤول ومجتمعات مطمئنة ومنتجة، وليس بتكليف السماسرة ومراهقي المرحلة بفتح جبهات استعراضية تزيد (الطين بلة)..!!
:: والدرس الأكبر في حادثة التأشيرة، هو ضرورة إعادة الهيبة للدولة عبر فصل حقيقي للسلطات؛ فالمنابر الدولية ومخاطبة العالم من صميم عمل الجهاز التنفيذي، ممثلاً في رئيس الوزراء ووزير الخارجية كواجهة دبلوماسية ناطقة باسم البلاد، أما مجلس السيادة فمقامهم هو مقام الرمز والسيادة والإشراف العام، لا الانشغال بالتفاصيل الهامشية..!!
:: ثم إن ضبط البوصلة السيادية درس آخر.. لا يعقل أن يظل باب رأس الدولة مشرعاً لكل مبعوث وسفير، في كل صغيرة وكبيرة، حتى تحول مكتبه إلى ما يشبه مكاتب العلاقات العامة.. مثل هذه اللقاءات تخصم من هيبة الدولة، لأن الأصل في العرف أن السفير يعتمده رأس الدولة عند قدومه ويُودّعه عند مغادرته، وما بينهما شأن بحت للخارجية..!!
:: وبمثل هذه المؤسسية كان يمكن أن نُغلق باب الابتزاز (التأشيرة مقابل الهدنة)، ويعرف مسعد بولس – وكفيله – أن السودان دولة مؤسسات لا (دولة البرهان)..فليتعلم سادة السيادي الدرس ويتفرغوا لمهام السيادة وتحرير البلد، وليتركوا تفاصيل الدبلوماسية لأهل الاختصاص، لتفادي خرق السفراء والمبعوثين لقوانين الدولة وتجاوزهم لأجهزتها المختصة..!!
:: والمؤلم، تحت سمع وبصر مجلس السيادة والأجهزة الاستخباراتية والأمنية، أن هؤلاء المبعوثين اخترقوا الدولة من خاصرتها الرخوة عبر من نسميهم بـ 'رموز المجتمع'، من إعلامي يبحث عن تمويل، ورجل أعمال ينشد حماية، وفنان يلهث خلف تأشيرة، وناشط يفتش عن دور؛ حتى أصبح لكل سفير أجنبي بطانة – وعمالة – سودانية..!!
:: نعم، لقد بلغ الهوان بـ 'الأمن القومي' لبلادنا درجةً جعلت سفارات أجنبية تؤسس مجموعات مشتركة مع بعض منسوبي الصحافة، حتى أصبح لسفراء 'قروب واتساب' يلتف حوله مراهقو السياسة والإعلام وباعة المواقف والمعلومات.. أنها فوضى بائسة ومخجلة، لا يمكن أن تجد لها مثيلاً في أي دولة تحترم سيادتها الوطنية أو تصون كرامتها المهدورة..!!
:: و لو فكر سفيرنا في أي دولة بجمع إعلامييها في 'قروب'، أو بتسفيرهم ومصاحبتهم، لطُرد في اليوم التالي بتهمة التدخل في الشؤون الداخلية؛ فلماذا نسمح نحن بهذا الاختراق المباح الذي حوّل السفارات الأجنبية إلى أحزاب سودانية والمبعوثين إلى حكام؟..فالسيادة ليست مجرد مناصب يُحكم بها الناس، بل هي سدّ الثغرات التي تتسرب من خلالها (معاول الانتهاك)..!!


























