اخبار ليبيا
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١١ أيلول ٢٠٢٦
59 حزباً يرفضون مخرجات لجنة الحوار المصغرة بالاعتماد على قانون 2014 أساساً للاستحقاقات التشريعية
بدأت معركة الانتخابات الليبية المقبلة مبكراً قبل حتى اعتماد الاتفاق الموقع بين لجنتي'4+4' والوصول إلى صناديق الاقتراع، عند القواعد التي ستحدد من يصل إليها وكيف، فبينما ينتظر الليبيون استحقاقاً انتخابياً ينهي سنوات من المراحل الانتقالية، اندلع خلاف مبكر حول شكل البرلمان المقبل، هل يكون مجلس أحزاب وبرامج وكتل واضحة، أم برلمان أفراد يدخل كل منهم السباق باسمه وثقله الاجتماعي وشبكة علاقاته المحلية؟
الخلاف تفجر بعد اعتماد اتفاق لجنة الحوار المصغرة الموقع في طرابلس في الـ30 من أغسطس (آب)، القانون رقم 10 لعام 2014 أساساً للانتخابات التشريعية، وهو قانون يقوم على النظام الفردي، مع السماح لأعضاء الأحزاب بالمشاركة بصفتهم مرشحين أفراداً لا عبر قوائم تحمل أسماء أحزابهم.
اعتماد هذا القانون قوبل باعتراض 57 حزباً سياسياً اتسع لاحقاً إلى موقف شارك فيه 79 حزباً، في مؤشر على أن طريقة انتخاب البرلمان لم تعد تفصيلاً فنياً، بل تحولت إلى واحدة من أكثر نقاط الاتفاق الجديد إثارة للجدل.
في قلب الخلاف يقف قانونان ورؤيتان مختلفتان، القانون رقم 27 لعام 2023، الناتج من أعمال لجنة '6+6'، الذي اعتمد نظاماً مختلطاً لانتخاب مجلس النواب، يجمع بين القوائم الحزبية والانتخاب الفردي، وبموجبه ينتخب 152 نائباً من خلال قوائم مغلقة وفق التمثيل النسبي، في مقابل 145 نائباً عبر الترشح الفردي.
أما اتفاق '4+4' فأعاد القانون رقم 10 لعام 2014، الذي يعتمد الانتخاب الفردي ونظام الصوت الواحد غير المتحول.
وهنا تقع نقطة اعتراض الأحزاب، فهي لا تقول إن أعضاءها سيمنعون من الترشح، وإنما الحزب نفسه سيختفي من ورقة الاقتراع، فالعضو الحزبي يستطيع خوض الانتخابات، لكن باسمه الشخصي، لا عبر قائمة وبرنامج يتحمل الحزب مسؤوليتهما أمام الناخب.
وهذا الاعتراض على النظام الفردي في الانتخابات التشريعية المقبلة لا يعني بالضرورة رفض اتفاق '4+4' بأكمله، بحسب بيانات لكثير من هذه الأحزاب.
فحزب 'ليبيا الكرامة' مثلاً رحب بالاتفاق باعتباره خطوة يمكن أن تسهم في كسر الجمود السياسي، لكنه تحفظ في الوقت نفسه على اقتصار مشاركة الأحزاب على ترشح أعضائها كأفراد.
وهذا الموقف مهم، لأنه يكشف عن أن جزءاً من المعترضين لا يريد إسقاط الاتفاق، بل تعديل بند محدد يتعلق بصورة المشاركة الحزبية.
السؤال الذي طرحه كثيرون بعد صدور القانون هو، لماذا تراجعت '4+4' عن النظام المختلط الذي أقرته '6+6'؟
إحدى أكثر الإجابات وضوحاً جاءت من عضو اللجنة وممثل القيادة العامة للجيش في بنغازي عبدالرحمن العبار، الذي أقر بأن 'الديمقراطية والعمل السياسي يحتاجان إلى أحزاب، وأن مطالبها مشروعة من حيث المبدأ، لكنه دعاها إلى التنازل موقتاً عن مطلب القوائم'.
العبار قال إن 'اللجنة اختارت قانون 2014، لأنه الأسهل في ظل الانقسام والتصدع السياسي، ولأنه يقود إلى غرفة تشريعية واحدة، على أن يسهم البرلمان الجديد لاحقاً في الوصول إلى دستور دائم ينظم شكل الدولة ومؤسساتها'.
عضو اللجنة والنائب زايد هدية عطية رفض بدوره توصيف النظام الفردي بأنه 'إقصاء للأحزاب'، ويرى أن 'الحزب الذي يمتلك قاعدة شعبية حقيقية يستطيع دعم مرشحيه وإيصالهم إلى البرلمان حتى من دون قوائم'، معتبراً أن 'المرحلة الحالية يمكن أن تمنح الأحزاب فرصة لإثبات حضورها وتنظيم قواعدها، قبل الانتقال مستقبلاً إلى منافسة أوسع تقوم على القوائم والبرامج'.
اعتراض الأحزاب على قانون الانتخابات البرلمانية لم يبق في حدود البيانات، فقد اجتمع رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة ورئاسة المجلس مع ممثلين عن الأحزاب والقوى السياسية، وأعاد المشاركون رفض العودة للقانون رقم 10 والنظام الفردي، وتمسكوا بالقانون رقم 27 لعام 2023 ومخرجات لجنة '6+6'.
واتفق المجتمعون على التحضير لملتقى سياسي موسع للأحزاب والقوى السياسية برعاية المجلس الأعلى للدولة، لمناقشة القوانين الانتخابية ودور الأحزاب في الاستحقاقات المقبلة، وهو ما يمثل انتقالاً من الاعتراض الإعلامي إلى محاولة بناء كتلة سياسية ضاغطة تستطيع التأثير في مسار اعتماد الاتفاق، من دون نسيان أن مجلس الدولة من الأجسام السياسية التي اتخذت موقفاً رافضاً للاتفاق الموقع في طرابلس برمته، حتى الآن.
التحرك الحزبي لتعديل القانون الانتخابي وصل أيضاً إلى بعثة الأمم المتحدة، فقد التقت نائبة الممثلة الخاصة للأمين العام ستيفاني خوري ممثلين عن تنسيقية الأحزاب الليبية، وناقشت معهم اتفاق '4+4' وضرورة وجود عملية سياسية شاملة تقود إلى انتخابات وطنية، مع الاتفاق على استمرار الحوار.
ولم تعلن البعثة حتى الآن إعادة فتح بند النظام الفردي، لكن اللقاء يعني أن اعتراض الأحزاب انتقل من خارج مسار التفاوض إلى طاولة الجهة الدولية الراعية له.
ولم يقف الخلاف بخصوص القوانين الانتخابية أو يقتصر على الأحزاب، بل أيقظ صراعات جهوية بارزة غابت من المشهد لسنوات.
فمن جهته، طرح الناشط الفيدرالي أبو بكر القطراني (إقليم برقة شرقاً) القضية من زاوية التوازن بين الأقاليم، معتبراً أن 'حكم الغالبية في ظل استمرار صراع الأقاليم قد يتحول إلى إقصاء بالسلطة والقانون، لأن تفوق إقليم سكانياً قد يمنحه قدرة على التحكم في إقليم أقل عدداً، بما يقود إلى الرفض وإعادة الأزمة إلى نقطة الصفر'.
القطراني لا يرفض في تصريحه قانون 2014 مباشرة، لكنه يفتح سؤالاً أوسع حول قدرة أي نظام انتخابي على منع التفوق الديموغرافي من التحول إلى هيمنة سياسية.
من الزاوية نفسها، أثار الناشط السياسي بلقاسم بويصير مسألة عدالة توزيع المقاعد بين برقة وطرابلس وفزان، محذراً من أن 'الديمقراطية لا تعني الاقتراع وحده، وإنما تحتاج أيضاً إلى توازن يضمن عدم شعور إقليم بأنه مهمش داخل مؤسسات الحكم'.
بعيداً من النصوص، يبقى السؤال الأكثر أهمية، من المستفيد من برلمان الأفراد؟
الصحافي الليبي محمد خليفة يعلق على هذا الخلاف بقوله 'من المعروف في نظام القوائم يحتاج المرشح إلى حزب وبرنامج وتنظيم، أما في النظام الفردي فتزداد أهمية الاسم الشخصي والعائلة والقبيلة وشبكة العلاقات والقدرة المالية والنفوذ المحلي، ومن هنا تخشى الأحزاب أن تصبح الأفضلية للشخصيات القبلية والاجتماعية ورجال الأعمال وأصحاب النفوذ داخل الدوائر، على حساب التنظيمات التي استثمرت في بناء هياكل وبرامج سياسية'.
وأضاف خليفة 'لكن المدافعين عن النظام الفردي يرون وجهاً آخر للمسألة، الناخب يستطيع اختيار شخص يعرفه ومحاسبته مباشرة، بدلاً من التصويت لقائمة قد تتحكم قيادة الحزب في ترتيب أسمائها'.
وأوضح أن 'الاختيار بين القوائم والفردي ليس مجرد طريقة لعد الأصوات، إنه اختيار بين نمطين مختلفين لبناء السلطة، ولهذا فإن الاعتراض والخلاف يضع اتفاق 4+4 أم اختبار حقيقي وسؤال جوهري، هل نجح في إزالة إحدى العقبات أمام الانتخابات، أم أنه اختصر الطريق إلى الصندوق ليضع أمامه خلافاً جديداً على قواعد اللعبة نفسها؟'.
واختتم 'هكذا ظهر أن الخلاف الليبي لا يدور فقط حول متى تجرى الانتخابات، بل حول أية سلطة ستنتجها، وبين هذه الرؤى يكشف قانون الانتخابات عن جزء من الصراع على صورة ليبيا المقبلة'.



























