اخبار السودان
موقع كل يوم -أثير نيوز
نشر بتاريخ: ٢٧ تموز ٢٠٢٦
منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، تعرض الاقتصاد الوطني لهزة غير مسبوقة انعكست على مختلف القطاعات الإنتاجية والمالية، وكان قطاع التمويل الأصغر من أكثر القطاعات تأثراً، باعتباره يعتمد في الأساس على الانتشار الجغرافي، والقرب من المجتمعات المحلية، واستمرار النشاط الاقتصادي اليومي. فقد تعطلت آلاف المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، وتوقفت محافظ تمويلية، وتضررت فروع مصرفية، وانقطعت سلاسل الإمداد، وارتفعت معدلات المخاطر، الأمر الذي أدى إلى تراجع قدرة مؤسسات التمويل الأصغر على أداء دورها التنموي.
ورغم هذه التحديات، بدأت تلوح في الأفق مؤشرات لمرحلة جديدة يقودها بنك السودان المركزي، من خلال التحرك نحو بناء شراكات مع مؤسسات التمويل والتنمية الإقليمية والدولية لإعادة إحياء القطاع. وتأتي المعلومات المتداولة بشأن الشراكة مع الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) لتؤكد أن الاهتمام لم يعد مقتصراً على توفير موارد مالية عاجلة، وإنما يتجه نحو إعادة بناء القطاع على أسس مؤسسية ورقمية أكثر استدامة، تشمل الدعم الفني، وبناء القدرات، وتطوير البنية التشغيلية، وتهيئة مؤسسات التمويل الأصغر للوصول إلى مصادر تمويل تنموية طويلة الأجل.
هذه الخطوة تعكس تحولاً مهماً في النظرة إلى التمويل الأصغر؛ فهو لم يعد يُنظر إليه باعتباره برنامجاً اجتماعياً لمكافحة الفقر، بل أصبح أداة اقتصادية لإعادة تنشيط الإنتاج، وتحفيز ريادة الأعمال، وخلق فرص العمل، وتعزيز الشمول المالي، وهي جميعها عناصر تمثل ركائز أساسية في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.
التمويل الأصغر… ليس مجرد قروض:
يُعرف التمويل الأصغر بأنه تقديم خدمات مالية للأفراد والمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر التي لا تستطيع الوصول إلى التمويل المصرفي التقليدي بسبب ضعف الضمانات أو محدودية الدخل أو عدم وجود سجل ائتماني.
ولا تقتصر هذه الخدمات على القروض، وإنما تشمل أيضاً الادخار، والتمويل الزراعي، والتمويل الإسلامي، والتأمين الأصغر، والتحويلات المالية، وخدمات الدفع الإلكتروني، والاستشارات والتدريب، وربط المنتجين بالأسواق.
وتؤكد التجارب الدولية أن التمويل الأصغر لا يحقق النجاح عندما يُقدم كقرض منفصل، بل عندما يكون جزءاً من منظومة تنموية متكاملة توفر التمويل، وبناء القدرات، والتسويق، والتكنولوجيا، وسلاسل القيمة.
بدايات التمويل الأصغر في السودان:
بدأت التجارب الأولى للتمويل الأصغر في السودان خلال تسعينيات القرن الماضي عبر مبادرات محدودة نفذتها بعض المصارف والمنظمات، إلا أن الانطلاقة الحقيقية جاءت في عام 2007 عندما أطلق بنك السودان المركزي سياسات متخصصة للتمويل الأصغر، وألزم المصارف بتخصيص نسبة من محافظها التمويلية لهذا القطاع، مع إنشاء وحدات متخصصة وتطوير الأطر التنظيمية والرقابية.
وقد أسهمت هذه السياسات في توسع نشاط التمويل الأصغر، وظهور مؤسسات متخصصة، كما دعمت العديد من المنظمات الدولية برامج تستهدف المرأة الريفية، والمزارعين، والحرفيين، والشباب، والأسر المنتجة.
ورغم هذا التوسع، ظل القطاع يعمل في بيئة مليئة بالتحديات، أبرزها محدودية رؤوس الأموال، وضعف البنية التقنية، وارتفاع تكاليف التشغيل، وعدم كفاية البيانات الائتمانية، وهي تحديات تضاعفت بصورة كبيرة بعد الحرب.
لماذا يمثل التمويل الأصغر أولوية في مرحلة التعافي؟
تختلف مرحلة ما بعد النزاعات عن الظروف الاقتصادية الطبيعية؛ إذ تحتاج الدولة إلى أدوات سريعة تعيد النشاط الاقتصادي إلى القاعدة الإنتاجية. وهنا تبرز أهمية التمويل الأصغر، لأنه يصل مباشرة إلى المزارع، والحرفي، والمرأة المنتجة، وصاحب المشروع الصغير، دون الحاجة إلى استثمارات رأسمالية ضخمة. علمالاقتصاد
إن كل مشروع صغير يعود إلى العمل يعني أسرة تستعيد مصدر دخلها، وسوقاً محلية تستعيد نشاطها، وفرصة عمل جديدة، وإنتاجاً إضافياً يخفف الضغوط على الاقتصاد الوطني.
ولذلك، فإن الاستثمار في التمويل الأصغر هو استثمار في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وليس مجرد تمويل محدود القيمة.
واقع القطاع اليوم… بين التحديات والفرص:
تشير المعطيات إلى أن مؤسسات التمويل الأصغر تواجه اليوم مجموعة من التحديات المتشابكة، من أبرزها تراجع المحافظ التمويلية، وتعطل عدد كبير من الفروع، وارتفاع نسب التعثر، وفقدان جزء من قواعد البيانات، وضعف مصادر التمويل، وارتفاع تكلفة التشغيل. أموال
وفي المقابل، تتيح هذه المرحلة فرصة لإعادة تصميم القطاع بالكامل، مستفيداً من التطورات التي يشهدها النظام المالي السوداني، وفي مقدمتها التحول الرقمي، والهوية الرقمية، والمحول القومي للمدفوعات، والوكالة المصرفية، ودخول شركات التقنية المالية إلى السوق.
وهذا يعني أن السودان لا يحتاج فقط إلى إعادة تشغيل مؤسسات التمويل الأصغر، بل إلى بناء جيل جديد من التمويل التنموي الرقمي، يكون أكثر كفاءة، وأقل تكلفة، وأكثر قدرة على الوصول إلى المواطنين في المدن والقرى على حد سواء.
** خبير تخطيط استراتيجي وتحول رقمي


























