اخبار قطر
موقع كل يوم -الخليج أونلاين
نشر بتاريخ: ٦ حزيران ٢٠٢٦
كامل جميل - الخليج أونلاين
الخبير البيئي د. أوس الطياوي: تقليل الاعتماد على المياه الجوفية خطوة مهمة نحو حماية هذا المخزون الاستراتيجي
في منطقة تُعد من أكثر بقاع العالم جفافاً، لا تبدو المياه الجوفية مجرد مورد طبيعي مدفون في أعماق الأرض بمنطقة الخليج العربي، بل أشبه بصندوق أمان استراتيجي تلجأ إليه الدول عندما تضيق الخيارات وتشتد الأزمات.
وبينما تتجه الأنظار عادة إلى محطات التحلية العملاقة التي تنتشر على السواحل الخليجية، يبقى تحت الرمال مخزون مائي هائل يمثل خط الدفاع الأخير في مواجهة الكوارث والطوارئ.
وتكشف المؤشرات الحديثة أن دول مجلس التعاون الخليجي بدأت تنظر إلى المياه الجوفية بمنطق مختلف؛ فلم تعد مجرد مصدر للاستهلاك اليومي، بل أصبحت مخزوناً استراتيجياً يجب الحفاظ عليه للأجيال المقبلة ولحالات الطوارئ والأزمات المناخية والاقتصادية.
وتظهر بيانات المركز الإحصائي الخليجي، التي صدرت أخيراً، تراجع معدل استخراج المياه الجوفية بنسبة 3% خلال السنوات التسع الماضية.
وبحسب البيانات، جاء ذلك بالتزامن مع ارتفاع مساهمة المياه المتجددة إلى 25.5% في عام 2024، في مؤشر على تغير واضح في سياسات إدارة المياه.
حسبما تفيد الدراسات المتخصصة، تكمن خطورة المياه الجوفية في أن استنزافها يحدث بصمت؛ إذ تتراجع المخزونات الجوفية تدريجياً في الأعماق حتى تصل إلى مستويات يصعب تعويضها.
وتؤكد بيانات خليجية أن المياه الجوفية تمثل 'مخزوناً استراتيجياً'، مع الإشارة إلى أن جزءاً كبيراً منها غير متجدد، الأمر الذي دفع السلطات إلى فرض ضوابط تحد من استنزافها.
إلى جانب ذلك، يستهلك القطاع الزراعي كميات كبيرة من إجمالي المياه الجوفية المستخدمة، ما يفسر التوجه في بعض الأحيان نحو وقف زراعة بعض المحاصيل والأعلاف عالية الاستهلاك للمياه.
ويحذر خبراء المياه من أن الإفراط في الضخ قد يؤدي إلى انخفاض مستويات المياه في الخزانات الجوفية وتدهور جودتها وارتفاع نسبة الملوحة فيها، فضلاً عن زيادة تكاليف استخراجها مستقبلاً.
ومع تسارع آثار التغير المناخي وتراجع معدلات الأمطار في أجزاء واسعة من المنطقة، تزداد أهمية الحفاظ على هذا المخزون باعتباره أحد الموارد القليلة القادرة على توفير المياه في الظروف الاستثنائية.
رغم تراجع الاعتماد عليها بوصفها مصدراً رئيسياً للمياه المنزلية، ما تزال المياه الجوفية تؤدي دوراً بالغ الأهمية في دعم الأمن الغذائي الخليجي.
فالزراعة في البيئات الصحراوية تعتمد بدرجات متفاوتة على المياه المخزنة تحت الأرض، سواء بصورة مباشرة أو باعتبارها مصدراً احتياطياً عند تعطل الإمدادات الأخرى.
ومن جانب آخر، فإن وجود مخزون جوفي مستدام يمنح الحكومات مرونة أكبر في إدارة الموارد المائية اللازمة لإنتاج الغذاء.
وتؤكد الاستراتيجيات الخليجية للأمن الغذائي أن توفير المياه يمثل أحد الأعمدة الأساسية لاستقرار سلاسل الإمداد الغذائي، لا سيما في حالات الطوارئ والكوارث الطبيعية أو الاضطرابات الجيوسياسية.
وتتعامل العديد من الدول الخليجية مع المياه الجوفية باعتبارها احتياطياً يمكن اللجوء إليه عند الحاجة لضمان استمرارية الإنتاج الزراعي وتأمين الاحتياجات الأساسية للسكان.
ومن هنا، لم تعد قيمة المياه الجوفية تقاس فقط بكميات المياه التي توفرها حالياً، بل بقدرتها على حماية الأمن الغذائي مستقبلاً عندما تتعرض مصادر المياه الأخرى لضغوط أو مخاطر غير متوقعة.
أمام هذه التحديات، تتبنى دول الخليج مجموعة من السياسات الرامية إلى تخفيف الضغط على الخزانات الجوفية وإطالة عمرها.
وتظهر بيانات المركز الإحصائي الخليجي أن دول المجلس نجحت في خفض معدل استخراج المياه الجوفية خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع زيادة الاعتماد على الموارد المائية المتجددة.
ويأتي ذلك عبر:
التوسع في مشاريع تحلية المياه.
إعادة استخدام المياه المعالجة.
تطبيق تقنيات حديثة لإدارة الموارد المائية وترشيد الاستهلاك.
فضلاً عن ذلك، تعمل الحكومات الخليجية على تطوير أنظمة مراقبة الآبار، وتنظيم تراخيص الحفر، واستخدام تقنيات الري الحديثة، وإعادة هيكلة الأنشطة الزراعية الأكثر استهلاكاً للمياه.
وفي ظل التحديات المناخية المتصاعدة، يبدو أن الرهان الخليجي لم يعد منصباً فقط على إنتاج مزيد من المياه، بل على حماية ما هو موجود بالفعل تحت الرمال.
فالمياه الجوفية لم تعد مجرد مورد طبيعي، بل تحولت إلى مخزون سيادي للأمن المائي والغذائي، وإلى كنز استراتيجي قد تكون قيمته الحقيقية في اليوم الذي تحتاجه فيه المنطقة أكثر من أي وقت مضى.
يرى الخبير البيئي د. أوس الطياوي، الذي تحدث لـ'الخليج أونلاين'، أن وقوع دول الخليج العربي ضمن واحدة من أكثر مناطق العالم معاناةً من شح المياه العذبة يضعها أمام مسؤولية بيئية كبيرة تتعلق بإدارة مواردها المائية بكفاءة واستدامة.
وفي هذا السياق، يقول الطياوي إن تقليل الاعتماد على المياه الجوفية -التي تُصنف في معظمها مورداً محدوداً أو بطيء التجدد- يعد خطوة مهمة نحو حماية هذا المخزون الاستراتيجي.
ويضيف أن هذا التوجه يعكس مستوى متقدماً من الوعي البيئي، والحرص على الحفاظ على الموارد الطبيعية للأجيال القادمة.
ومن جانب آخر، يشير الخبير البيئي إلى أن الحد من استخراج المياه الجوفية لا يقتصر على كونه إجراءً للحفاظ على المخزون المائي فحسب، بل يمثل أيضاً جزءاً من استراتيجية أوسع تتبناها دول الخليج للتحول نحو نموذج أكثر استدامة في إدارة المياه، يقوم على تنويع مصادر الإمداد المائي وتعزيز كفاءة الاستخدام.
ومع ذلك، يرى الطياوي أن هذا التحول لا يخلو من التحديات، مبيناً أن:
خفض الاعتماد على المياه الجوفية يستلزم توفير بدائل قادرة على تلبية الطلب المتزايد على المياه.
التوسع في مشاريع تحلية المياه يثير تحديات بيئية.
تحقيق الاستخدام الأمثل للمياه يتطلب تطوير البنية التحتية، والحد من الفاقد في شبكات التوزيع، وتعزيز وعي المستهلكين بأهمية ترشيد الاستهلاك.
وعليه، يرى أن نجاح هذا التحول يعتمد على قدرة دول الخليج على الموازنة بين تأمين إمدادات مائية موثوقة، وتقليل الآثار البيئية، وضمان الاستدامة الاقتصادية على المدى الطويل.























