اخبار الجزائر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٣ أذار ٢٠٢٦
غادر الرسام الانطباعي الفرنسي وطنه طلباً للشفاء من أمراضه فتبدلت حياته وأفلت من افتتانه بديلاكروا
على غرار كُثر من الفنانين الفرنسيين بصورة خاصة، والأوروبيين بصورة عامة، من الذين سبقوه في رحلات قاموا بها إلى بلدان الشمال الأفريقي بين مناطق أخرى دافئة وساحرة، بل حتى غرائبية بالنسبة إلى العقلانية الغربية الباردة، كان لا بد للفنان الفرنسي الانطباعي بيار أوغست رينوار (1841 - 1919) أن يكتشف يوماً أنه لا بد من أن يتوجه إلى الجزائر، لأسباب فنية بصورة أساسية، ولكن لأسباب متنوعة، سنعود إليها بعد سطور لا بد منها لتوضيح الأمر.
قبل ذلك لا مفر أمامنا من أن نوضح أن سفر بيار أوغست رينوار إلى الجزائر سنة 1881 لم يكن رحلة عابرة في سيرة فنان بلغ الـ 40، بل كان منعطفاً حاسماً في تطوره الفني. ففي تلك المرحلة كان رينوار يعيش أزمة جمالية حقيقية، أقرب إلى ما يمكن تسميته 'أزمة الانطباعية من الداخل'. لقد شعر بأن الأسلوب الذي أسهم في تأسيسه مع رفاقه، وفي مقدمهم كلود مونيه، بدأ يستنفد إمكاناته التعبيرية، بل شعر بصورة محددة أن الضوء، والتفكك اللوني، والالتقاط العابر للحظة لم تعد تكفيه، بعدما كانت معاً الأقانيم الثلاثة التي كونت انطباعيته، بل ميزتها طوال ما لا يقل عن عقدين سبقا رحلته الشهيرة تلك.
ولكن، حتى وإن كان سفر الفنانين ذات لحظة أو أخرى من حياتهم وفي ارتباط مع إبداعهم، لا يحتاج إلى تبريرات تفيض عن الحاجة، يظل علينا أن نطرح السؤال الذي قد يبدو بديهياً بالنظر إلى العمر المتقدم الذي أقدم فيه رينوار على تلك الخطوة التي اعتاد سابقوه أن يقدموا عليها أبكر من ذلك بكثير، بخاصة أن رينوار لم يكن يخفي أبداً تمثله بسلفه أوجين ديلاكروا الذي كانت رحلته إلى شمال أفريقيا قد أحدثت تبدلاً هائلاً في فنه وحياته.
من هنا ينطرح السؤال: لماذا الجزائر؟ والحقيقة أن ثمة ما لا يقل عن ثلاثة أسباب يمكن لها أن تتضافر لتشكل جواباً هنا، باعتبارها دفعت رينوار إلى السفر: فهناك أولاً كما نوهنا، السبب الصحي: فقد كان رينوار وهو على أعتاب الكهولة، ولكن في ذروة مرحلة مجيدة ومستقرة من حياته العائلية والمهنية، يعاني إرهاقاً عاماً ومشكلات صدرية، فنصحه الأطباء بمناخ أكثر دفئاً، لتكون الجزائر، التي كانت آنذاك تحت الاحتلال الفرنسي، مقصداً له إذ كانت تعرف بكونها مقصداً مناسباً لرسامي أوروبا الباحثين عن 'شمس المتوسط'.
وهناك السبب الفني: كان رينوار، وكما ذكرنا، مفتوناً منذ زمن بتجربة ديلاكروا في شمال أفريقيا، خصوصاً رحلته إلى المغرب سنة 1832، والتي غيرت مسار الرسم الرومنطيقي الفرنسي. ومن هنا، أراد رينوار أن يرى بأم عينه ذلك الضوء 'الشرقي' الذي تحدث عنه ديلاكروا وكيف يمكنه أن يؤثر في فنه ويخرجه من جموده الانطباعي الذي كان قد بدأ يحد من طموحاته الإبداعية.
ثم هنا أخيراً وبالطبع ما يمكننا أن نسميه، السبب الثقافي - الاستشراقي: في القرن الـ19، كانت شمال أفريقيا تعد فضاءً تخييلياً للفنانين الفرنسيين، مكاناً خارج الزمن الأوروبي، مليئاً بالألوان، والوجوه، والأزياء، والمشاهد اليومية المختلفة جذرياً عن باريس الصناعية. فماذا وجد هناك؟
وصل رينوار إلى الجزائر في يناير (كانون الثاني) عام 1881، وأقام في مدينة الجزائر وضواحيها. ما جذبه أولاً كان الضوء: ضوء ساطع، أبيض، حاد، يختلف عن ضوء نورماندي أو باريس. لم يعد الضوء هنا يذيب الأشكال كما في الانطباعية المبكرة، بل يكشفها بوضوح هندسي. بدأ يرسم مناظر طبيعية، وبورتريهات لنساء جزائريات، ومشاهد من الحدائق والبيوت، لكنه لم يذهب بعيداً في تصوير الحياة 'الغرائبية'، كما فعل ديلاكروا، ولم يغرق في مشاهد الحريم أو الدراما الشرقية، بل تعامل مع المكان كامتداد بحثي عن اللون والجسد.
ماذا عاد به فنياً؟ رحلة الجزائر تمثل بداية ما يسميه النقاد 'مرحلة إنغرس' عند رينوار، نسبة إلى جان أوغست دومينيك إنغرس، أي العودة إلى الصرامة الخطية، وإلى وضوح الكتلة البشرية، ويمكن تلخيص ما عاد به في ثلاث نقاط: إعادة الاعتبار للرسم (الخط)، فقبل الجزائر، كان رينوار يذيب الخطوط في ضربات فرشاة خفيفة.
بعد الرحلة، بدأ يحدد الأجسام بوضوح أكبر. الجسد أصبح كتلة متماسكة لا مجرد تذبذب ضوئي، وانطلاقاً من هنا، تمكن الرسام من أن يعثر على ما سيسميه بنفسه، وظيفة جديدة للون، حيث بات اللون لديه أكثر دفئاً وكثافة، وربما يمكننا أن نقول هنا إن اللون لم يعد محتسباً في مكاسبه الجديدة كنتيجة لما أضافته الجزائر إليه، إذ تحول من مجرد انعكاس للضوء، إلى ما بات يبدو لديه مادة قائمة بذاتها، الألوان أصبحت مشبعة، مشدودة، فيها صلابة متوسطية.
وربما يمكننا في هذا السياق أن ننقل عن مؤرخي حياة رينوار وعمله، ومن بينهم ابنه جان رينوار، الذي سيصبح لاحقاً واحداً من كبار السينمائيين الفرنسيين ومؤلفاً لواحد من أفضل الكتب عن حياة الأب، 'رينوار أبي'، أن الرحلة الجزائرية كانت نوعاً من التمهيد لانتقال فن رينوار الأب من الانطباعية الصارمة إلى نوع من أسلوب كلاسيكي، إنما شديد الخصوصية، انبنى لديه انطلاقاً من إفلاته من براثن الاستشراق على رغم افتتانه بالجزائر وانطباعه قبل ذلك بكثير، بما أسفرت عنه أعمال سلفه الكبير ديلاكروا الذي كان من ناحيته وفي لوحاته الجزائرية والمغربية واضحاً في نزعته الاستشراقية، ولكن بالنسبة إلى رينوار بدا من المؤكد أن النزوع إلى كلاسيكية خاصة حل لديه محل الغرق في الاستشراقية، كما نقول. لقد تبدت عن رحلته الجزائرية مرحلة نقلته إلى الكلاسيكية، وبخاصة أن رحلة طويلة قام بها إلى إيطاليا مكَّنته من الانغماس في كلاسيكية فنون هذا البد الكلاسيكية، حيث تأثر بخاصة برافاييل، ويمكن القول إن الجزائر كانت الجسر الذي نقل رينوار من الانطباعية الخالصة إلى نوع من الكلاسيكية الحديثة.
ولعل في مقدورنا هنا أن نحدد أن أشهر لوحات رحلة الجزائر، على رغم أن الرحلة لم تدم طويلاً (نحو شهرين)، كانت عديدة ومكثفة، بل حتى محورية في حياة الرسام، ذلك أن الرحلة أثمرت عدداً من الأعمال المهمة، من أبرزها، اللوحة المعنونة 'حديقة في الجزائر'، وهي لوحة طبيعية تظهر حديقة متوسطية غارقة في الضوء. ما يلفت فيها بصورة خاصة إنما كثافة حضور اللون الأخضر، وتحوله إلى درجات متعددة تحت الشمس القوية.
وهناك طبعاً اللوحة المعنونة 'امرأة جزائرية'، وهي عبارة عن بورتريه لامرأة بلباس محلي. وهو عمل أساس نلاحظ فيه بداية اهتمام رينوار بالجسد كحضور مادي صلب، وليس كمجرد انعكاس ضوئي. وبعد ذلك، 'منظر من الجزائر'. والحقيقة أن ثمة لوحات عدة حملت هذا العنوان، تظهر المدينة ببياضها المعماري، وتباين الضوء والظل على الأسطح والجدران. هذه الأعمال ليست الأشهر في مسيرته إذا ما قورنت بـ'غداء القاربين' أو 'الرقصة في مولان دو لا غاليت'، لكنها تمثل لحظة تحول داخلي عميق. وبعد كل شيء هل يمكننا الافتراض أن تلك الرحلة كانت ناجحة؟
بالمعنى الكمي، لم ينتج رينوار عدداً كبيراً من اللوحات في الجزائر، لكنه كتب لاحقاً أن الضوء الجزائري 'علمه شيئاً عن الوضوح'.
ومهما يكن من أمر فإن بعض النقاد يرون أن الرحلة الجزائرية التي قام بها الفنان، لم تمنحه موضوعات جديدة بقدر ما منحته وعياً جديداً باللون والشكل. الأهم أنها مهدت لما يسمى 'فترة الجفاف' أو 'الفترة القاسية' في الثمانينيات، حين ابتعد رينوار عن الانطباعية الصافية، وأنتج أعمالاً أكثر صرامة تركيبية، مثل 'الراقصات'. في نهاية المطاف، لم يسافر رينوار إلى الجزائر بحثاً عن غرائبية شرقية، بل بحثاً عن ضوء يعيد ترتيب عينه. كان في الـ40، عمر النضج والشك معاً. شك في الأسلوب الذي صنع مجده، وسافر ليختبره في مناخ آخر. عاد من الجزائر أقل انطباعية، وأكثر كلاسيكية. أقل ذوباناً في اللحظة، وأكثر وعياً بالبناء. لذلك يمكن القول إن الرحلة لم تكن مجرد فصل عابر، بل كانت لحظة مراجعة ذاتية، فتحت أمامه طريقاً جديداً في فهم الجسد واللون والضوء.




















