اخبار الصومال
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٤ تموز ٢٠٢٦
تحركات سترايك في الولايات المتحدة محاولة لإعادة رسم الخريطة السياسية لمقديشو وما حولها
في الثامن من يونيو (حزيران) الجاري، واجهت العاصمة الصومالية مقديشو حالاً من الغليان السياسي عقب إقرار تعديلات دستورية مثيرة للجدل قضت بتمديد الفترة الرئاسية للرئيس حسن شيخ محمود لعام إضافي ينتهي في مايو (أيار) 2027، ولم تكَد تمضي أسابيع قليلة على هذا المخاض الداخلي العسير حتى انفجرت جبهة ضغط جديدة مقبلة من وراء البحار، تحديداً من أروقة صناعة القرار واللوبيات في واشنطن لتعيد خلط الأوراق الدبلوماسية لجمهورية الصومال الفيدرالية في توقيت بالغ الحساسية.
ففي خطوات وصفتها الدوائر السياسية بالعدائية والمفاجئة، خرجت شركة الاستشارات السياسية والدبلوماسية الأميركية 'سترايك غلوبال دبلوماسي' برئاسة مؤسسها روبرت سترايك ببيان صحافي عنيف يطالب بصورة علنية ومباشرة باستقالة شيخ محمود.
ولم يكتفِ البيان بالمطالبة بتنحي الرئيس الصومالي، بل حث الإدارة الأميركية والجهات الرقابية على فتح تحقيقات موسعة وفرض عقوبات مالية وسياسية دبلوماسية مشددة عليه وأفراد أسرته.
وجاء في نص البيان الصادر من الشركة إن 'الديمقراطية والرأسمالية لا يمكن أن تزدهرا في بيئة تستغل فيها المؤسسات العامة لإثراء النخب السياسية على حساب الشعب الذي وجدت لخدمته. إن الشعب الصومالي يستحق قيادة شفافة وحكومة مسؤولة تضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار شخصي'.
وتركزت الاتهامات التي ساقها سترايك بناء على ما وصفه بـ'تنسيق وثيق مع عملاء وأصدقاء صوماليين لم يكشف عن هويتهم حول مزاعم تتعلق بتحويل مسار أموال المساعدات الدولية المخصصة للإغاثة الإنسانية، ولا سيما البرامج الممولة من دافعي الضرائب الأميركيين عبر وكالة التنمية الدولية الأميركية وبرنامج الأغذية العالمي لمصلحة شبكات عائلية ونخب سياسية مقربة من الرئاسة، إضافة إلى محاولة ربط الإدارة الحالية بقضايا احتيال مالي رصدت في ولاية مينيسوتا الأميركية بين أفراد من الجالية الصومالية '.
ولمناقشة الأبعاد الجيوسياسية لهذه التحركات، قال الدكتور عبدالرحمن محمد لـ'اندبندنت عربية' إن البيان لا يمكن قراءته بمعزل عن الصراع الإقليمي الأوسع المحيط بالصومال خلال العام الحالي، مضيفاً 'ونحن لا نتحدث هنا عن موقف رسمي لوزارة الخارجية الأميركية أو البيت الأبيض. إن هذه الشركة ومثيلاتها بمثابة مؤسسات ضغط خاصة تعمل بالوكالة'.
ولفت إلى أن 'الصومال يمر حالياً بمنعطف حرج جراء تداعيات الاعتراف الإسرائيلي بإقليم صوماليلاند الانفصالي أواخر عام 2025 والتوترات المتصاعدة مع إثيوبيا، فضلاً عن سعي قوى إقليمية مثل الإمارات وتركيا إلى تعزيز نفوذها عبر دعم أطراف متنافسة في المشهد الصومالي'.
وقال محمد إن 'لجوء معارضين صوماليين أو قوى خارجية إلى شركات الضغط في واشنطن هو محاولة واضحة لتدويل الخلافات الداخلية واستغلال حساسية المشرعين المحافظين في الكونغرس الأميركي تجاه قضايا الفساد وسوء إدارة المساعدات بهدف تقويض شرعية التمديد الرئاسي الأخير لحسن شيخ محمود'.
وأوضح أنه على رغم أن هذه الشركات لا تصنع السياسية الخارجية الأميركية بصورة مباشرة، فإنها تملك القدرة على تسميم الأجواء الدبلوماسية ودفع لجان الكونغرس إلى إصدار تشريعات مشروطة أو تجميد موقت لأموال الدعم العسكري والإنساني، مما يضع مقديشو في موقف دفاعي مستمر أمام الشركاء الدوليين.
من جهته قال المستشار القانوني في القانون الدولي طاهر عرب إنه من الناحية القانونية الصرفة يفتقر بيان سترايك إلى أية حجة قضائية أو صفة إلزامية، موضحاً أنه 'مجرد وثيقة سياسية تسويقية لخدمات الضغط، والاتهامات الواردة فيه حول إساءة استخدام المنصب العام وتحويل مسار المساعدات الدولية مجرد مزاعم وادعاءات ما لم تصدر عن جهة قضائية مستقلة أو لجان تحقيق أممية رسمية معترف بها '.
ورأى عرب أن مسألة فرض العقوبات أو آلية فرض العقوبات الأميركية (الأوفاك) تخضع لمعايير صارمة وقوانين مثل 'قانون ماغنيتسكي العالمي لشدة المحاسبة' فلكي تُقدم وزارة الخزانة على فرض عقوبات على رئيس دولة في سدة الحكم أو عائلته، يجب أن تتوافر أدلة استخباراتية وجنائية قاطعة تثبت تورطهم المباشر في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان أو فساد مالي يهدد الأمن القومي الأميركي.
وتابع أن 'شركات اللوبي يمكنها تقديم إخبارات أو وثائق إلى الجهات الحكومية، لكن القرار النهائي يتطلب توافقاً سياسياً وأمنياً داخل الإدارة الأميركية، وهو أمر مستبعد حالياً بالنظر إلى التنسيق الأمني المستمر بين واشنطن ومقديشو في الحرب ضد ’حركة الشباب‘ الإرهابية'.
وقال مسؤول رفيع المستوى في الحكومة إن 'جمهورية الصومال الفيدرالية دولة ذات سيادة كاملة، ومؤسساتها الدستورية وقادتها يستمدون شرعيتهم وحقهم في إدارة البلاد من الشعب ومن الدستور المعتمد من البرلمان، وليس من بيانات تصدرها شركات تجارية خاصة في واشنطن تتقاضى أموالاً من جهات تهدف إلى زعزعة استقرار البلاد'.
وأوضح المسؤول أن 'مقديشو تدرك جيداً كيف تدار هذه اللعبة الإعلانية في العواصم الغربية، فعندما تفشل أطراف معينة في كسب الشارع الصومالي أو مجاراة نجاحات الحكومة في بسط الأمن وتحقيق الاستقرار المالي، فإنها تذهب إلى شراء مساحات إعلامية وبيانات صحافية مدفوعة الأجر للاستعراض السياسي وتصفية الحسابات الشخصية'.
وأكد أن 'الصومال منفتح على أية مراجعات رسمية مع الشركاء الدوليين المباشرين كالولايات المتحدة والأمم المتحدة عبر القنوات الدبلوماسية الرسمية، ولكنه يرفض رفضاً قاطعاً مبدأ الابتزاز السياسي أو محاولة المساس برمزية رئاسة الدولة وعائلته من خلال ادعاءات مرسلة تفتقر إلى أدنى المعايير القانونية'.
في مقابل الضجيج الصادر من واشنطن، تشهد الجبهة الداخلية الصومالية تحركات متسارعة تشير إلى رغبة حقيقية من الرئاسة في امتصاص الأزمات وتصفير المشكلات الداخلية، مما يعيد رسم حسابات المجتمع الدولي تجاه البلاد .
وأبرز هذه التحولات تجسد في إعلان رئيس ولاية غلمدغ أحمد عبدي كاري (قورقور) عدم ترشحه لولاية جديدة، مما أدى إلى عودة الهدوء النسبي وإنهاء حال الاحتقان بين الرئاسة الصومالية وقيادة الولاية، وفتح الباب أمام حراك ديمقراطي مرتقب، فمن المتوقع أن تشهد الفترة المقبلة ترشح وجوه ورؤساء جدد لقيادة الولاية، وسط توافق وتنسيق يقطع الطريق أمام محاولات استغلال الخلافات الولائية لضرب الاستقرار الفيدرالي .
وعلى الصعيد الذاتي لتفكيك العقد السياسية في الولايات، نجحت الجهود في وضع 'ولاية جنوب غرب' في مسار سياسي صحيح ومستقر، عبر اختيار رئيس البرلمان الصومالي السابق لقيادة دفتها، مما يحمل وزناً سياسياً ثقيلاً نظراً إلى الخبرة التشريعية والقبول الواسع اللذين تتمتع بهما هذه الشخصية، مما يسهم في تثبيت أركان الاستقرار في واحدة من أهم الولايات المحورية في البلاد.
بالتوازي مع هذه الترتيبات، جاء إعلان الرئيس حسن شيخ محمود عن استعداد الحكومة الفيدرالية لفتح حوار وطني شامل ذي أبعاد دولية مع إقليم صوماليلاند لاحتواء أزمة الانفصال الأخيرة، بالتزامن مع إطلاق مبادرات جادة لإنهاء الأزمات السياسية المزمنة مع ولايتي بونت لاند وجوبا لاند، إذ يرى المراقبون أن هذه الحزمة من المصالحات تمثل طوق النجاة الحقيقي لإعادة الصومال لمساره الديمقراطي والسياسي الصحيح .
ويعتقد مراقبون بأنه أمام هذه التطورات الداخلية المتلاحقة ستعمد الجهات الدولية إلى مراقبة مدى جدية الحوار الوطني مع صوماليلاند وبونت لاند وجوبا لاند عبر مراقبة مشوبة بالحذر وهذا إن نجح في التوافق حول كعكة السلطة والثروة وإدارة الانتخابات سيكون المعيار الأساس لتقييم الشراكة، فإذا نجحت مقديشو في إدارة ملف انتخابات غلمدغ بسلاسة، واستوعبت المرحلة الثانية تدفق الدعم وتثبيت الشرعية وولاية جنوب غرب تجاوزت الخلافات تحت قيادتها الجديدة، فإن المجتمع الدولي سيتجاوز كلياً الجدل المثار حول التمديد الرئاسي.
ويعتبر المراقبون أن واشنطن وبروكسل ستجدان أنفسهما أمام أمر واقع إيجابي يتمثل في حكومة فيدرالية قوية استطاعت توحيد الصفوف، مما سيؤدي إلى زيادة الدعم المالي والعسكري وتهميش أية تقارير أو ضغوط سلبية صادرة من شركات مثل 'سترايك'.
وتضع هذه المعطيات الصومال أمام فرصة تاريخية، فبقدر ما تبدو الهجمة الخارجية شرسة عبر كواليس واشنطن، فإن تحصين الجبهة الداخلية عبر التوافقات السياسية والمصالحات الفيدرالية يظل السلاح الأقوى لحماية السيادة الصومالية وإجبار المجتمع الدولي على احترام خيارات مقديشو.

















