اخبار الصومال
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢٥ شباط ٢٠٢٦
أصدرت 'حركة الشباب' أوامر سرية لأتباعها بتحطيم العدسات في الأحياء البعيدة
في مدينة كانت توصف يوماً بأنها الأخطر عالمياً تبدل المشهد اليوم جذرياً، فلم تعد الدوريات العسكرية وحدها من يحرس شوارع مقديشو بل انضمت إليها جيوش صامتة من العدسات الرقمية، تحت إشراف مباشر من الرئاسة الصومالية وبالتنسيق بين بلدية مقديشو وجهاز الاستخبارات والأمن الوطني، حيث شهدت العاصمة تركيب أكثر من 2.5 مليون كاميرا مراقبة تغطي المنازل والمحال التجارية والأزقة الخلفية، مما حول الكاميرا إلى سلاح أكثر فتكاً بالجريمة والإرهاب.
ولم تكن عملية نشر الكاميرات عشوائية بل جاءت نتاج قانون محلي صارم أقرته بلدية مقديشو بالتعاون مع الخبراء التقنيين في جهاز الاستخبارات الصومالي، إذ يفرض القانون على كل صاحب محل تجاري أو مؤسسة أو عقار سكني تركيب نظام كاميرات عالية الدقة تغطي المساحة الخارجية المقابلة للمبنى، كشرط أساس لتجديد تراخيص العمل والسكن، وكذلك يتيح القانون لغرفة العمليات المركزية التابعة للاستخبارات الوصول إلى التسجيلات عند وقوع أية حادثة أمنية مع الحفاظ على خصوصية البيانات الفردية، مما خلق شبكة رصد متصلة تغطي قرابة 90 في المئة من المساحة المأهولة في العاصمة.
وجاءت هذه الخطوة مدفوعة بضرورات قصوى بعد أن كانت 'حركة الشباب' والحركات الإجرامية تعتمد على الأزقة الضيقة والمناطق غير المراقبة لزرع العبوات الناسفة أو تنفيذ عمليات الاغتيال، إذ من الصعب مراقبة مدينة يقطنها قرابة 4 ملايين نسمة بالاعتماد فقط على العنصر البشري، ولذا كانت 'العين الرقمية' الحل الأمثل للحضور في كل مكان وزمان، وكي تتحول مقديشو إلى قطب اقتصادي كان لا بد من إيجاد بيئة آمنة تتضمن للمستثمر حماية أصوله وموظفيها.
وكشفت البيانات المسجلة لدى الشرطة الصومالية وبلدية مقديشو عام 2025، والتي حصلت عليها 'اندبندنت عربية'، عن تحول دراماتيكي في معدلات الجريمة، فانخفضت معدلات زرع العبوات الناسفة 75 في المئة خلال العام الماضي، وتدنت نسبة جرائم الاغتيالات المنظمة 80 في المئة، وتراجعت جرائم السرقة والسطو 65 في المئة، فيما انخفضت جرائم القتل الجنائي 55 في المئة، وأصبحت التسجيلات الرقمية الشاهد في أكثر من 200 ألف قضية، إضافة إلى ارتفاع سرعة ضبط الجناة بصورة قياسية.
وأدى انتشار الكاميرات إلى شلل تكتيكي لدى الجماعات الإرهابية، ففي السابق كان المنفذ يختفي في الزحام، ومع تتبع 'خط السير الرقمي' اليوم فإن ذلك يسمح للاستخبارات بتحديد نقطة انطلاق المنفذ والمنازل التي زارها والشركاء الذين التقاهم وصولاً إلى الممولين، وكذلك أسهمت الكاميرات الخارجية للمنازل في رصد محاولات زرع الألغام الأرضية قبل انفجارها مما أنقذ حياة الآلاف، إضافة إلى مخالفات رجال الأمن الجنائية، فقد أدرك المجرمون الجنائيون أن الهرب مستحيل، مما أدى إلى انخفاض حاد في جرائم السطو المسلح في أسواق مثل بكارو.
وأثار نظام الرقابة الرقمي تساؤلات حول الخصوصية، لكن الحكومة الصومالية طمأنت المواطنين بأن التسجيلات لا تراجع إلا في إطار التحقيقات الجنائية وبإذن قضائي، وهذه التجربة جرى أيضاً تعميمها في المدن الصومالية الكبرى مثل كسمايو وبيداوا لاستكمال الحزام الأمني الرقمي، ولم تكن الكلفة عبئاً على الدولة فقد وُزعت بين القطاع الخاص والمواطنين كاستثمار في الأمن الذاتي، بينما تولت الحكومة جانب البرمجة والربط مما أدى إلى زيادة ساعات العمل الليلية في مقديشو، وضخ ملايين الدولارات داخل الدورة الاقتصادية.
وأدركت الجماعات الإرهابية أن هذه الكاميرات هي الجاسوس الذي لا ينام، فبدأت حملة شعواء لإجهاض المشروع، فقد تعرض مهندسو التركيب وملاك محال بيع أنظمة المراقبة لتهديدات مباشرة بالتصفية، وسجلت الأشهر الأولى من القرار عمليات تهديد واغتيال فنيين ورجال أعمال خلال عملهم في الشوارع العامة، وكذلك أصدرت 'حركة الشباب' أوامر سرية لأتباعها بتحطيم الكاميرات في الأحياء البعيدة، وهددت بالقتل على كل منزل أو محل يرفض إزالتها.
ويقول الخبير الأمني إبراهيم يوسف إن المواطن الصومالي وجد نفسه في موقف لا يحسد عليه بداية تطبيق القرار، فالحكومة لوحت بسحب التراخيص والإغلاق والغرامات المالية لمن لا يلتزم بالتركيب، بينما تتوعد الحركة بالموت كل من يضع 'عيناً للاستخبارات' على جدار منزله، وكانت هذه المرحلة الأصعب في تاريخ المشروع الذي تطلب شجاعة استثنائية من المواطنين، ودعماً أمنياً مكثفاً من الدولة لحماية الفنيين والمحال.
وكانت العمليات الإرهابية تعتمد على خطة 'المهاجم الشبح' الذي ينفذ الجريمة ويختفي في الزحام، لكن الكاميرات جعلت المدينة مسرحاً مكشوفاً يمكّن السلطات من تتبع المنفذ فيه من لحظة خروجه، والهدف لم يكن فقط تسجيل الجريمة بل منعها.
وأيضاً بدأت الأنظمة الحديثة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي برصد التحركات المريبة مثل التوقف الطويل إلى جانب المنشآت السيادية وإطلاق إنذارات باكرة لغرف العمليات، وكان لا بد من كسر حاجز الخوف لدى المستثمر والمواطن عبر إيجاد بيئة مراقبة تقنياً، مما يقلل الحاجة إلى الحواجز الأسمنتية التي تخنق اقتصاد المدينة، حتى استعادت العاصمة ملامحها الحضرية تدريجياً بعد عقدين من الزمان، خنقت فيهما الكتل الخرسانية شرايينها الحيوية، وكانت عبارة عن جزر أمنية معزولة، ولا سيما مع إغلاق أكثر من 65 طريقاً حيوياً بهدف حماية المؤسسات الحكومية والبعثات الدولية.
وتشير إحصاءات بلدية مقديشو اليوم إلى فتح أكثر من 50 طريقاً فرعياً ورئيساً كانت مغلقة تماماً أمام حركة السيارات، بخاصة في مديرية حمروين وعبدالعزيز وبونديري والمطار وبنادر، مما خفف حدة الاختناقات المرورية التي كانت ترهق المواطنين، ويكمن السر وراء إزالة هذه الحواجز في مشروع الرقابة المركزية الذي أطلقته الحكومة الصومالية بالتعاون مع القطاع الخاص، بدلاً من نقاط التفتيش العسكرية التي عطلت سير العاصمة، فمن خلاله باتت الكاميرات المربوطة بغرف عمليات تابعة لجهاز الأمن والاستخبارات هي الرقيب الفعلي، مما سمح بسحب المعدات العسكرية الثقيلة من التقاطعات، وأيضاً قامت الحكومة بإخلاء عدد من الثكنات العسكرية التي كانت تتمركز داخل المباني الحكومية والمدارس وسط الأحياء السكنية.
ويسهم النظام الرقمي للكاميرات المتصلة في القبض على الجناة في جرائم السطو المسلح خلال أقل من ساعتين، وتحسنت سرعة استجابة قوات الأمن للبلاغات بنسبة 64 في المئة نتيجة تحديد الموقع الدقيق للحادثة عبر الكاميرات، وارتفعت نسبة الإدانات في المحاكم بفضل 'الأدلة الرقمية' القاطعة مما قلل هرب المجرمين بسبب نقص شهود العيان، وإضافة إلى ذلك أسهمت الكاميرات في تقليص عدد نقاط التفتيش التي كانت تسبب اختناقات مرورية، لينتقل الثقل الأمني من التفتيش اليدوي إلى المراقبة الذكية، وهو ما خفف العبء على القوات الميدانية.
وقد نجحت بلدية مقديشو في خلق حلقة وصل بين المواطن وجهاز الاستخبارات، فأصبح المواطن شريكاً في الأمن عبر جدار منزله وكاميرته الخاصة، وعادت الحياة لأسواق العاصمة وارتفعت نسبة السياحة الليلية وصعدت مبيعات القطاع التجاري 35 في المئة، وعلى رغم النجاح لكن لا تزال هناك تحديات تتعلق بالأمن السيبراني وحماية هذه الشبكة الضخمة من الاختراق، وهو ما يتطلب من الحكومة الاستمرار في تحديث برمجيات التشفير والربط.

















