اخبار الجزائر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١٧ شباط ٢٠٢٦
البلدان شريكان استراتيجيان في ملفات مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود والهجرة غير النظامية
أعادت الجزائر سفيرها إلى النيجر، وأعلنت استئناف التعاون متعدد الأشكال مع نيامي، في خطوة تعيد الزخم إلى العلاقات الثنائية بعد فترة من الفتور فرضتها التحولات السياسية والأمنية التي شهدتها منطقة الساحل.
ويعكس هذا القرار تحولاً في المقاربة الجزائرية تجاه محيطها الجنوبي، فالنيجر، باعتبارها دولة محورية في الساحل الأفريقي، تمثل شريكاً استراتيجياً للجزائر في ملفات مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود والهجرة غير النظامية، وهي قضايا تفرض تنسيقاً دائماً بين البلدين بحكم الجوار الجغرافي وطول الحدود المشتركة.
أفادت الخارجية الجزائرية، أمس الخميس، بأن الرئيس عبد المجيد تبون أمر بعودة السفير الجزائري لدى النيجر أحمد سعدي، فوراً، وذلك بعد أن استأنف سفير النيجر مهامه في الجزائر العاصمة في اليوم نفسه.
وقال بيان لوزارة الخارجية الجزائرية إن من شأن هذا الإجراء أن يسهم في 'بعث تقليد الحوار السياسي الثنائي على أعلى مستوى، واستئناف التعاون متعدد الأشكال، الذي جرى إطلاقه بين البلدين الشقيقين، وتجسيد مشاريع استراتيجية لفائدة الاندماج الإقليمي والقاري'.
واعتبرت الخارجية في بيانها أن إعادة السفيرين إلى نيامي والجزائر تشكل 'حافزاً لإعادة بعث التشاور السياسي الثنائي واستئناف التعاون'.
هذه الخطوة المتبادلة تمثل نهاية فعلية للقطيعة الدبلوماسية التي استمرت نحو 10 أشهر، منذ أبريل (نيسان) عام 2025، وتعكس انفراجاً ملحوظاً في العلاقات الثنائية بين البلدين الجارين. وكانت الجزائر استدعت سفيرها لدى نيامي للتشاور، عملاً بمبدأ المعاملة بالمثل، في السابع من أبريل الماضي، عقب سحب كل من النيجر وبوركينا فاسو ومالي (دول اتحاد الساحل) لسفرائها لديها.
تطورات جاءت عقب إسقاط الجيش الجزائري مسيرة للجيش المالي، اخترقت الأجواء الجزائرية ليلة 31 مارس (آذار) عام 2025.
وكان الرئيس الجزائري كشف في مقابلة مع وسائل إعلام محلية، السبت الماضي، أنه وجه دعوة رسمية لرئيس النيجر لزيارة بلاده قريباً، تمهيداً لاستئناف العلاقات بين البلدين.
يأتي القرار في سياق إقليمي شديد التعقيد، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن الحدودي، والتوازنات الجيوسياسية، والتنافس الدولي، مع رهانات التنمية والاستقرار الداخلي لدول المنطقة.
ومنذ التغيرات السياسية التي عرفتها النيجر في عام 2023، دخلت منطقة الساحل مرحلة إعادة تشكل في التحالفات والشراكات، انسحاب بعض القوى الغربية، وصعود أدوار فاعلين جدد، وتنامي التنسيق بين عدد من دول الساحل ضمن صيغ إقليمية بديلة، كلها عوامل أعادت رسم خريطة النفوذ والتعاون الأمني والاقتصادي. وفي هذا المناخ، وجدت دول الجوار، ومنها الجزائر، نفسها أمام ضرورة مراجعة أدوات الحضور والتأثير بما يحفظ مصالحها الأمنية والاستراتيجية.
الجزائر، التي تتقاسم مع النيجر حدوداً تمتد لأكثر من 900 كيلومتر، تعد الاستقرار في هذا البلد مسألة ترتبط مباشرة بأمنها القومي، لا سيما في ظل تحديات تهريب السلاح، والهجرة غير النظامية، ونشاط الجماعات المسلحة العابرة للحدود. ومن هذا المنطلق، يُفهم استئناف التمثيل الدبلوماسي الكامل والتعاون الثنائي كإشارة إلى رغبة في إعادة تفعيل قنوات التواصل الرسمية والمؤسساتية.
ولا تعد إعادة السفير إجراءً بروتوكولياً فحسب، بل تحمل رسائل سياسية، إذ تعني عملياً الاعتراف بضرورة التعامل الواقعي مع السلطة القائمة في نيامي، بصرف النظر عن الجدل الإقليمي والدولي الذي رافق التغيير السياسي هناك. كذلك تعكس تمسك الجزائر بمبدأ الحلول السياسية الداخلية ورفض المقاربات العسكرية في معالجة الأزمات، وهو موقف عبرت عنه مراراً في محيطها الإقليمي.
أما عبارة 'التعاون متعدد الأشكال' فتشير إلى رغبة في توسيع نطاق الشراكة ليشمل جوانب أمنية، واقتصادية وتنموية، وربما إنسانية. فالجزائر كانت قد أطلقت سابقاً مشاريع دعم وتنمية في مناطق شمال النيجر، كذلك تشارك في آليات إقليمية لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، إذ إن إعادة تفعيل هذه القنوات قد تهدف إلى استعادة دينامية تعاون كانت قد تراجعت بفعل التطورات الأخيرة.
في هذا السياق، يرى أبو بكر عبدالله، الباحث في الشؤون الأفريقية والشرق أوسطية، أن استعادة العلاقات الجزائرية-النيجرية خطوة مهمة واستراتيجية، خصوصاً أن النيجر ودول الساحل تعد الحديقة الخلفية للجزائر، وتركها لتأثير المخزن (المجلس العسكري) أو الإمارات يعد أمراً بالغ الخطورة.
ويقول عبدالله في حديثه لـ'اندبندنت عربية' إنه 'لا بد للجزائر من استثمار الصراع والتوتر القائم بين دول الساحل وفرنسا، وأعتقد أن توقيت إعادة العلاقات في هذه المرحلة يعكس وعياً واضحاً لدى صانعي القرار في الجزائر، لا سيما بعد تصريحات الرئيس عبد الرحمن تياني ضد فرنسا إثر الهجوم على مطار نيامي، والتعبئة الشعبية والعسكرية الواضحة في تصريحات الجنرال إبرو أمادو اليوم'.
وأوضح أن دولة النيجر بحاجة إلى دعم الجزائر في مواجهتها المقبلة ضد فرنسا، وإلى خبرتها في مكافحة الجماعات الإرهابية، في حين أن الجزائر تحتاج إلى النيجر لضمان الأمن الإقليمي، نظراً لارتباط النيجر بملف السودان وليبيا وقضايا عرب الصحراء، التي تسعى الإمارات وبعض الجهات الدولية لاستغلالها لإضعاف استقرار المنطقة. كذلك فإن موقع النيجر الاستراتيجي وأهمية خطوط الطاقة فيها يجعلانها حليفاً ضرورياً واستراتيجياً'.
وقال المحلل السياسي الجزائري، محمد سي بشير، إن عودة الجزائر إلى تنشيط علاقاتها مع النيجر تعد بمثابة إعادة ترتيب أوراقها في عمقها الاستراتيجي أي المنطقة الساحلية الصحراوية.
وأوضح سي بشير أن المدخل الذي عملت عليه الجزائر هو الطاقة بزيارة وزير الطاقة محمد عرقاب الأخيرة إلى نيامي، إضافة إلى عامل إرادة الاستثمار في الاقتصاد، باعتباره القاعدة التي ستعمل على حل إشكاليات العلاقات المتوترة.
ورأى أن هذه الخطوات من شأنها القضاء على بؤر الصدام التي كانت بعض القوى العالمية وأخرى من المنطقة تعمل على إيجادها بقصد تعكير صفو علاقات حيوية للجزائر مع دول الساحل.
وقام وزير الطاقة والمناجم الجزائري، محمد عرقاب بزيارة إلى نيامي في 26 يناير (كانون الثاني) الماضي، حيث التقى رئيس المرحلة الانتقالية في النيجر، الجنرال عبد الرحمن تياني. وخلال اللقاء، اتفق الجانبان على تفعيل خطة التعاون المشترك في مجالات الطاقة والمحروقات والكهرباء، والتي كان قد جرى الاتفاق عليها في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2024 بالعاصمة نيامي.
وتتضمن هذه الخطة مشاريع للبحث والاستكشاف واستغلال المحروقات بالشراكة بين الشركة الجزائرية 'سوناطراك' ونظيرتها النيجرية 'سونيديب'، إضافة إلى إنجاز مصفاة ومجمع بتروكيميائي بمدينة دوسو، إلى جانب إطلاق أعمال التنقيب في الحقل النفطي 'كفرا'.
ويبقى السؤال المطروح بمدى قدرة الجزائر على استعادة موقع فاعل ومؤثر في الملف النيجري مطروحاً بقوة، بعد مرحلة بدت فيها المبادرة موزعة بين أطراف إقليمية ودولية متعددة.
ويقول القيادي في حزب التجديد الديمقراطي والجمهوري بالنيجر، عمر مختار الأنصاري، إن 'هذه الخطوة قرار استراتيجي مدروس من قبل الرئيس عبد المجيد تبون، يهدف إلى إغلاق صفحة التوتر الدبلوماسي السابق وإعادة فتح قنوات التواصل الكاملة بأسرع وقت ممكن.
وأوضح الأنصاري أن التأكيد على 'الفورية' ليس اعتباطياً؛ بل إنه يعبر عن إدراك واضح بأن المنطقة لا تتحمل استمرار أي فتور دبلوماسي طويل في ظل التحديات الأمنية المتفاقمة والحاجة الملحة إلى تنسيق ثنائي فعال.
وأشار إلى أنه 'على رغم أن النيجر هي التي سحبت سفيرها أولاً في السابق، فإن الجزائر اختارت أن تكون الطرف الذي يبادر بالعودة الكاملة، مما يظهر تفضيلاً للتهدئة العملية والتعاون الميداني على التمسك بموقف رد الفعل. وهذا الاستعجال يعكس أولوية للمصالح المشتركة العاجلة: الأمن الحدودي، مكافحة الإرهاب، وإحياء المشاريع الاقتصادية الاستراتيجية'.
وبخصوص أهمية إعادة تشغيل خط سياسي كامل بين عاصمتين داخل منطقة لا تتحمل رفاهية القطيعة الطويلة، أكد الأنصاري أن 'الأهمية كبيرة جداً، وتتجاوز الإطار الثنائي إلى البعد الإقليمي والقاري، لأن منطقة الساحل تواجه تهديدات متراكمة (إرهاب، تهريب، هجرة غير نظامية، أزمات اقتصادية وبيئية)، ولا يمكن لأي دولة فيها أن تتحمل قطيعة دبلوماسية طويلة مع جار استراتيجي يشترك معها في أكثر من 950 كلم من الحدود'.
وأفاد بأن إعادة تشغيل خط سياسي كامل (سفير كامل الصلاحيات، حوار رفيع المستوى، آليات تنسيق دائمة) ضرورية لإدارة الأمن الحدودي بشكل فعال وتبادل معلومات استخباراتية حقيقية، وإحياء المشاريع الاستراتيجية المجمدة (حقل كفرا النفطي، أنبوب الغاز العابر للصحراء)، منع أي فراغ يستغله الإرهابيون أو أطراف خارجية، كل ذلك في منطقة لا تتحمل 'رفاهية القطيعة'، يصبح هذا التقارب شرطاً أساسياً للاستقرار الإقليمي، ونموذجاً لكيفية حل الخلافات داخلياً من دون الحاجة إلى وساطات خارجية.
وذكر أن البلدين أمام اختبار مهم وحقيقي يتعلق بالقدرة على تحويل التقارب إلى مشاريع ونتائج ملموسة في فضاء الساحل وأفريقيا لأن العودة الدبلوماسية خطوة أولى ضرورية، لكن نجاحها يعتمد كلياً على قدرتها على التحول إلى إنجازات ملموسة وعملية في فترة زمنية معقولة.
وقال إن الاختبار يتمثل في ثلاثة محاور رئيسة يتمثل الأول في الأمن من تفعيل دوريات حدودية مشتركة فعالة، وبروتوكولات تبادل استخباراتي منظمة، وعمليات ميدانية منسقة ضد الجماعات الإرهابية.
ويتعلق المحور الثاني بالطاقة والاقتصاد عبر تنفيذ خطوات سريعة لاستئناف التنقيب في حقل كفرا، تقدم ملموس في مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، وتوسيع مشاريع الكهرباء لدعم الاقتصاد النيجري وخلق فرص عمل.
أما المحور الثالث فيخص التنمية الحدودية من خلال إطلاق برامج مشتركة للتكوين المهني، دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتسهيل التجارة عبر الحدود لتخفيف التوترات الاجتماعية.
وخلص إلى القول إنه إذا نجح البلدان في تحقيق تقدم حقيقي في هذه الملفات خلال الأشهر الستة إلى العام المقبل، فسيكونان قد وضعا نموذجاً أفريقياً ناجحاً للتعاون داخل الساحل يعتمد على المصالح المشتركة؛ أما إذا بقي الأمر في إطار التصريحات والعودة الدبلوماسية فقط، فسيُعد فرصة ضائعة في وقت لا يسمح فيه الواقع بالتأخير.




















