اخبار قطر
موقع كل يوم -الخليج أونلاين
نشر بتاريخ: ٣ أب ٢٠٢٦
تقرير خاص - الخليج أونلاين
في تطور أعاد خلط أوراق المشهد الإقليمي، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تأجيل ضربة عسكرية كانت الولايات المتحدة تستعد لتنفيذها ضد إيران، بعدما تلقى، بحسب ما أعلنه، رسائل عبر وسطاء تضمنت استعداد طهران للدخول في تفاهمات تشمل إعادة فتح مضيق هرمز والتخلي عن مواصلة مسارها النووي، مقابل وقف العمل العسكري الأميركي.
وجاء الإعلان في وقت كانت فيه المنطقة تعيش على وقع استنفار غير مسبوق، مع استعدادات عسكرية أميركية وإسرائيلية، وتحذيرات أمنية أصدرتها السفارات الأميركية لرعاياها في عدد من دول الشرق الأوسط، وسط توقعات بأن الساعات المقبلة قد تشهد مواجهة واسعة بين واشنطن وطهران.
فرصة جديدة للدبلوماسية
وأوضح ترامب أن قراره جاء بعد تلقي الولايات المتحدة طلبات من إيران وعدد من دول الشرق الأوسط لإتاحة فرصة أمام المسار السياسي، مؤكداً أن القوات الأميركية كانت في أعلى درجات الجاهزية لتنفيذ الهجوم.
وبحسب ما أعلنه، فإن التفاهمات الأولية تشمل إعادة فتح مضيق هرمز بصورة كاملة، وإنهاء ما وصفه بالتهديد النووي الإيراني، معتبراً أن تأجيل الضربة يصب في مصلحة الاستقرار العالمي ومستقبل إيران الاقتصادي إذا التزمت بما تعهدت به.
هذا التطور يعكس، وفق مراقبين، نجاحاً أولياً للوساطة الإقليمية التي قادتها دول خليجية، وفي مقدمتها قطر والسعودية، إلى جانب سلطنة عُمان، والتي عملت خلال الأيام الماضية على احتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب مفتوحة كانت ستنعكس على أمن الطاقة والاقتصاد العالمي.
ليست السابقة الأولى
قرار ترامب بالتراجع عن تنفيذ ضربة عسكرية لا يعد سابقة في تعامله مع الملف الإيراني، إذ سبق أن فضّل في أكثر من مناسبة منح الدبلوماسية فرصة إضافية بعدما تلقى إشارات أو تعهدات من طهران عبر قنوات الوساطة.
وتقوم فلسفة الرئيس الأميركي، بحسب مراقبين، على مبدأ 'الضغط الأقصى مقابل الفرصة الأخيرة'، حيث يجمع بين التهديد باستخدام القوة العسكرية والإبقاء على باب التفاوض مفتوحاً حتى اللحظة الأخيرة، وهو ما يمنحه هامشاً سياسياً واسعاً، لكنه في الوقت نفسه يضع إيران أمام اختبار جديد يتعلق بمدى التزامها بما تعلن عنه.
وفي المقابل، يرى آخرون أن طهران اعتادت استخدام الوقت كورقة تفاوض، عبر تقديم إشارات إيجابية في لحظات التصعيد، قبل العودة إلى التشدد بمجرد تراجع الضغوط العسكرية، وهو ما يجعل الشكوك قائمة بشأن فرص نجاح أي تفاهم جديد.
اختبار الثقة
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ستكون هذه المرة مختلفة؟
العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران شهدت خلال العقدين الماضيين محطات عديدة من الاتفاقات والتفاهمات غير المكتملة، كان أبرزها الاتفاق النووي لعام 2015، الذي انهار لاحقاً بعد انسحاب واشنطن منه، لتدخل العلاقات مرحلة جديدة من التصعيد والعقوبات والضغوط المتبادلة.
ومنذ ذلك الحين، تكررت جولات التفاوض غير المباشر، لكنها غالباً ما كانت تصطدم بانعدام الثقة بين الطرفين، وهو العامل الذي لا يزال يشكل العقبة الأكبر أمام أي اتفاق دائم.
ويبدو أن إدارة ترامب تسعى هذه المرة إلى ربط أي تفاهم بضمانات عملية، وليس بمجرد تعهدات سياسية، خصوصاً فيما يتعلق ببرنامج إيران النووي وأمن الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم شرايين تجارة الطاقة في العالم.
رسائل متزامنة
في الوقت الذي أعلن فيه ترامب تأجيل الضربة، كشفت تقارير غربية عن استمرار التنسيق العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل، مع الإبقاء على الخطط العسكرية جاهزة للتنفيذ إذا فشلت الجهود السياسية.
في المقابل، نقلت وسائل إعلام دولية عن مسؤولين إيرانيين أن طهران أعدت خلال الأشهر الماضية خططاً لتوسيع أي مواجهة محتملة عبر تفعيل حلفائها في المنطقة، وهو ما يعكس أن الخيار العسكري لا يزال مطروحاً لدى الطرفين، حتى وإن تراجع مؤقتاً لصالح الدبلوماسية.
كما واصلت إيران إرسال رسائل متناقضة؛ فمن جهة تحدثت عن استعدادها للحوار عبر الوسطاء، ومن جهة أخرى أكدت أن أي هجوم أميركي أو إسرائيلي سيقابل برد 'حاسم'، مع استمرار التلويح باستخدام مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية.
الدور الخليجي
برزت التحركات الخليجية خلال الأيام الأخيرة باعتبارها أحد أهم عوامل خفض التصعيد، إذ كثفت عواصم خليجية اتصالاتها مع واشنطن وطهران لمنع اندلاع مواجهة عسكرية واسعة، إدراكاً لما قد تسببه من تداعيات على أمن المنطقة واستقرار الاقتصاد العالمي.
وتشير المعطيات إلى أن هذه الجهود لعبت دوراً محورياً في نقل الرسائل بين الجانبين، والمساعدة في بلورة التفاهمات الأولية التي أعلن عنها ترامب، وهو ما يعكس تنامي الدور الدبلوماسي الخليجي في إدارة الأزمات الإقليمية.
بين التعهد والتنفيذ
ورغم الأجواء الإيجابية التي رافقت إعلان تأجيل الضربة، فإن نجاح هذا المسار سيظل مرتبطاً بمدى التزام إيران عملياً بما نقلته عبر الوسطاء، سواء فيما يتعلق بحرية الملاحة في مضيق هرمز أو بملفها النووي، وهما القضيتان اللتان تمثلان جوهر الخلاف مع الولايات المتحدة.
وفي المقابل، سيكون على واشنطن أيضاً أن توازن بين منح الدبلوماسية فرصة حقيقية، والإبقاء على سياسة الردع في حال تراجعت طهران عن التزاماتها.
وبين التصعيد والتهدئة، تبدو المنطقة أمام مرحلة اختبار جديدة، قد تفتح الباب أمام تفاهمات أوسع إذا التزم الجميع بما تعهد به، أو تعيد الشرق الأوسط إلى حافة مواجهة عسكرية إذا انهارت الثقة مرة أخرى. وحتى تتضح الصورة، يبقى السؤال الأبرز: هل ستكون إيران هذه المرة أمام منعطف مختلف، أم أن تأجيل الضربة ليس سوى هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من التصعيد؟























