اخبار قطر
موقع كل يوم -الخليج أونلاين
نشر بتاريخ: ٦ أب ٢٠٢٦
طهران-الخليج أونلاين-خاص
تواجه إيران واحدة من أكثر مراحلها السياسية والاقتصادية تعقيداً منذ عقود، في ظل تداخل أزمات داخلية وخارجية تتراوح بين تصاعد نفوذ المؤسسة العسكرية، وتراجع هامش المناورة الدبلوماسية، وتفاقم الضغوط المعيشية على المواطنين، ما يطرح تساؤلات حول قدرة النظام على احتواء حالة الاحتقان الشعبي المتزايدة، وإمكانية تحولها إلى موجة احتجاجات واسعة جديدة.
ويشير مراقبون إلى أن أحد أبرز التحولات داخل بنية الحكم الإيراني يتمثل في تصاعد دور الحرس الثوري بوصفه لاعباً سياسياً وأمنياً واقتصادياً يتجاوز الدور العسكري التقليدي، في وقت تبدو فيه المؤسسات السياسية المدنية أقل قدرة على التأثير في الملفات الكبرى، خصوصاً تلك المرتبطة بالأمن الإقليمي والعلاقة مع الولايات المتحدة.
هذا التداخل بين السياسي والعسكري انعكس، بحسب تحليلات مراكز بحثية، على مسار المفاوضات مع واشنطن، إذ أصبحت القرارات المتعلقة بالبرنامج النووي والنفوذ الإقليمي والعلاقة مع القوى الدولية مرتبطة بتوازنات داخلية بين تيارات ترى ضرورة الانفتاح لتخفيف الضغوط، وأخرى تعتبر التراجع أمام الولايات المتحدة تهديداً لمشروع الجمهورية الإسلامية.
وترى تحليلات سياسية غربية أن غياب التوافق داخل دوائر صنع القرار الإيراني ساهم في تضييق فرص الوصول إلى تسوية دبلوماسية، خصوصاً مع استمرار الخلافات حول الملفات الأمنية والإقليمية، وعدم ثقة الأطراف الدولية بقدرة طهران على الالتزام باتفاقات طويلة الأمد.
كما تعرضت علاقات إيران مع بعض شركائها الدوليين لضغوط متزايدة. فرغم استمرار التعاون مع روسيا والصين في ملفات عدة، فإن طهران واجهت انتقادات بسبب صعوبة التوفيق بين التزاماتها الخارجية وحساباتها الداخلية، فيما أصبحت الدول التي تتعامل معها أكثر حذراً في ظل العقوبات والتوترات الإقليمية.
في المقابل، يدفع المواطن الإيراني ثمن هذه الأزمات المتراكمة. فقد ظل الاقتصاد تحت ضغط العقوبات، وتراجعت قيمة العملة المحلية، وارتفعت كلفة المعيشة، وبلغ معدل التضخم السنوي في إيران نحو 87.9% في شهر يوليو 2026، بينما سجل مستويات قياسية بلغت 88.6% في شهر يونيو 2026، وذلك نتيجة التداعيات الاقتصادية الحادة والضغوط العسكرية والجيوسياسية الأخيرة، وفقاً لبيانات مركز الإحصاء الإيراني.
في حين يبلغ سعر صرف الدولار الأمريكي الواحد حوالي 1,375,125 ريالاً إيرانيّاً ، يأتي ذلك في وقت تشهد العديد من القطاعات تأخيرا في تسليم رواتب العاملين فيها.
وعلى صعيد نسب البطالة في إيران ، تشير التقديرات إلى أن نسبتها بين الشباب فئة ' 15-24 عاما' قد بلغت نحو 23.4%، بينما ارتفعت في الفئة العمرية '18-35 عاماً ' لتصل إلى 17.5%.
أما بين خريجي الجامعات فلقد بلغت نسبة البطالة نحو 35.6% من إجمالي العاطلين عن العمل.
وتفاقمت الضغوط مع تداعيات المواجهات العسكرية الأخيرة، التي أثرت على قطاعات اقتصادية وإنتاجية، وأدت إلى اضطراب حركة التجارة والنقل، في وقت تعتمد فيه إيران بدرجة كبيرة على إيرادات الطاقة والتجارة الخارجية التي تواجه قيوداً متزايدة بسبب العقوبات والتوترات الأمنية.
وتشير تقارير دولية إلى أن موجات الاحتجاج الأخيرة في إيران بدأت من مطالب اقتصادية مرتبطة بارتفاع الأسعار وتراجع قيمة الريال، قبل أن تتحول في بعض المناطق إلى شعارات سياسية تطالب بتغيير أوسع. فقد بدأت احتجاجات ديسمبر/كانون الأول ويناير/كانون الثاني من الأسواق في طهران، ثم امتدت إلى مدن عدة.
لكن، هل تكفي هذه الضغوط لإحداث تغيير سياسي كبير؟
يرى محللون أن الأزمات الاقتصادية وحدها لا تؤدي بالضرورة إلى سقوط الأنظمة، ما لم تترافق مع انقسامات عميقة داخل مؤسسات السلطة، أو فقدان القدرة على السيطرة الأمنية، أو ظهور بديل سياسي قادر على جذب قطاعات واسعة من المجتمع. وفي الحالة الإيرانية، ما يزال الحرس الثوري والمؤسسات الأمنية يمثلان عامل تماسك رئيسياً للنظام، رغم تصاعد الاستياء الشعبي.
كما أن تجربة الاحتجاجات السابقة، بما فيها احتجاجات 2019 و2022 وموجة 2025-2026، أظهرت قدرة السلطات الإيرانية على احتواء التحركات عبر الإجراءات الأمنية والرقابية، رغم استمرار جذور الغضب الشعبي المرتبطة بالاقتصاد والحريات والحوكمة.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو إيران أمام معادلة صعبة، فاستمرار النهج الحالي قد يؤدي إلى مزيد من الضغوط الاقتصادية والعزلة السياسية، بينما قد يواجه أي انفتاح داخلي أو خارجي مقاومة من مراكز القوى التي ترى في التغيير تهديداً لنفوذها.
وبينما لا يمكن الجزم بأن الأزمات الحالية ستقود إلى ثورة شعبية جديدة، فإن تزامن الانقسامات داخل النظام مع الضغوط الاقتصادية المتزايدة يضع القيادة الإيرانية أمام أحد أصعب الاختبارات منذ قيام الجمهورية الإسلامية، حيث لم يعد التحدي مقتصراً على مواجهة الخصوم الخارجيين، بل بات مرتبطاً أيضاً بقدرة الدولة على استعادة ثقة قطاع واسع من مواطنيها.























