اخبار قطر
موقع كل يوم -الخليج أونلاين
نشر بتاريخ: ٢٦ شباط ٢٠٢٦
طه العاني - الخليج أونلاين
كم معدل التوظيف في قطر خلال السنوات الأخيرة؟
نحو 99.9%.
ما الذي يعكسه استقرار معدل البطالة عند مستويات شبه صفرية؟
يعكس كفاءة التخطيط وقوة الاقتصاد في استيعاب القوى العاملة.
بات سوق العمل القطري يقترب من مرحلة التشغيل الكامل، في تجربة اقتصادية نادرة تقوم على استباق الاحتياجات الوظيفية وربط النمو بالمشروعات الكبرى والسياسات السكانية والتعليمية.
وتعكسُ الأرقام الرسمية أن سوق العمل بلغ مرحلة نضج متقدمة، حيث لم يعد التحدي في خلق الوظائف بقدر ما أصبح في الحفاظ على كفاءة توزيعها واستدامة استيعابها لمختلف الفئات.
تشغيل شبه كامل
وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن المجلس الوطني للتخطيط، أن معدل التوظيف بلغ نحو 99.9% خلال معظم السنوات الخمس الأخيرة، وهو من أعلى المعدلات المسجلة عالمياً، مقابل معدل بطالة يقترب من 0.1% فقط.
كما تُظهر الإحصاءات، التي شملت القطريين وغير القطريين من الجنسين، استقراراً هيكلياً في سوق العمل، مع غياب فجوة العرض والطلب، بما يشير إلى نجاح أدوات التخطيط في مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات الاقتصاد، وتحقيق توازن تشغيلي بين العمالة الوطنية والوافدة.
وسجل القطريون الذكور نسب توظيف تراوحت بين 99.7% و99.9%، فيما تراوحت نسب القطريات بين 99.2% و99.7%، ما يعكس تقارباً ملحوظاً في فرص العمل بين الجنسين، مع فجوة محدودة لم تتجاوز 0.4%.
أما غير القطريين فقد بلغت نسبة التوظيف للذكور 100% في 2018 واستقرت عند حدود 99.9% في السنوات اللاحقة، في حين تراوحت نسب الإناث بين 99.5% و99.7%، وهو ما يعكس استمرار الطلب على العمالة في قطاعات الإنشاءات والطاقة والخدمات والمشروعات الكبرى.
ورغم تسجيل تراجع طفيف خلال عامي 2020 و2021 إلى نحو 99.5% لبعض الفئات، فإن السوق حافظ على مستويات مرتفعة مقارنة بالمعايير الدولية، متأثراً بتداعيات جائحة كورونا دون أن يفقد توازنه التشغيلي.
توازن هيكلي
ولا يمكن قراءة هذه المستويات المرتفعة من التوظيف بمعزل عن التحولات الاقتصادية التي قادتها الدولة خلال العقد الأخير، والتي أعادت تشكيل العلاقة بين النمو والمشروعات الكبرى واحتياجات سوق العمل.
كما تبين المؤشرات الكلية أن استدامة التوظيف لم تكن ظرفية، بل نتاج دورة استثمارية طويلة ارتبطت بمشروعات البنية التحتية الكبرى التي سبقت استضافة كأس العالم 2022، وما تبعها من توسع في القطاعات الخدمية واللوجستية.
وتؤكد البيانات أن جميع القطاعات الاقتصادية تقريباً حافظت على معدلات تشغيل مرتفعة، بما يدعم استقرار الوظائف الوطنية في القطاع الحكومي، ويعزز في الوقت ذاته دور القطاع الخاص في استيعاب العمالة المتخصصة، ضمن سياسات 'التقطير' وإدارة التنوع المهني.
وبالمقارنة مع الاقتصادات الكبرى التي تتراوح معدلات التوظيف فيها بين 92% و96%- وفق المؤشرات الدولية - تبرز التجربة القطرية كنموذج عالي الكفاءة في إدارة سوق العمل، حيث لا تعكس نسبة 99.9% انخفاض البطالة فحسب، بل تشير إلى بيئة عمل جاذبة، وتشريعات مرنة، وقدرة الاقتصاد على استيعاب التوسع دون اختلالات هيكلية.
هذه المستويات المرتفعة تمنح صناع القرار قاعدة بيانات دقيقة لتوجيه السياسات التعليمية، ودعم الاستثمار، وضمان نمو مستدام قائم على وضوح احتياجات السوق وتوافر القوى العاملة، وهو ما يعزز جاذبية الدولة للاستثمارات الباحثة عن بيئات تشغيل مستقرة ومنظمة.
انعكاسات إيجابية
يرى الأكاديمي والخبير الاقتصادي الدكتور أحمد صدام، أن وصول دولة قطر إلى معدلات تشغيل 'شبه كاملة' يساهم بشكل مباشر في رفع مستوى الناتج المحلي الإجمالي وزيادة الدخول المتاحة للأفراد، مما ينعكس إيجاباً على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي الشامل في البلاد.
ويضيف لـ'الخليج أونلاين':
- هذه الحالة من الانتعاش الوظيفي تعمل كعامل حيوي، في تقليص الإنفاق الحكومي المخصص لإعانات البطالة.
- هذا يؤدي بالضرورة إلى تخفيف الضغوط المالية على الموازنة العامة للدولة، وتوجيه الفوائض نحو مسارات تنموية أخرى.
- بلوغ هذه المستويات من التشغيل يعد ركيزة أساسية لتحقيق الرفاهية الاقتصادية، والنسبة المتبقية من البطالة تندرج ضمن الحدود الطبيعية والفنية.
- انخفاض معدلات البطالة يعزز من جاذبية الدولة للاستثمارات المحلية والأجنبية على حد سواء.
- يؤدي ارتفاع مستويات الدخل إلى خفض المخاطر الاستثمارية، وخلق بيئة عمل محفزة ومستقرة تلبي تطلعات رؤوس الأموال.
- نجاح سياسات الإصلاح والاستقرار الاقتصادي يسهم في بناء حالة من اليقين لدى المستثمرين الأجانب، وهو ما يدفعهم لضخ استثمارات جديدة في ظل سوق عمل يتسم بالثقة والقدرة على مواكبة المتغيرات العالمية المتسارعة.
- استقرار سوق العمل يقلل من المخاطر المرتبطة بدورات الأعمال التقليدية، وهو ما يشجع الشركات الكبرى على الدخول في استثمارات طويلة الأمد تدعم توجهات الدولة نحو الاستدامة والنمو المتواصل.
- هذا الاستقرار يخلق طلباً مستداماً في الأسواق المحلية، وهو ما يوفر بيئة مثالية لدعم نمو المشاريع في القطاعات غير النفطية وتسريع وتيرة التنويع الاقتصادي المنشودة ضمن مستهدفات رؤية قطر الوطنية 2030.
استثمار شبابي
وفي موازاة المؤشرات المرتفعة للتوظيف، تتجه السياسات السكانية في دولة قطر إلى ترسيخ استدامة هذا الأداء عبر الاستثمار المنظم في رأس المال البشري، خصوصاً فئة الشباب، باعتبارها الضامن طويل المدى لتوازن سوق العمل.
فخلال فعالية 'اليوم القطري للسكان 2025' التي نظّمتها اللجنة الدائمة للسكان في أكتوبر 2025، أكد الأمين العام لـ'المجلس الوطني للتخطيط'، الدكتور عبد العزيز بن ناصر آل خليفة، أن 'الاستثمار في الشباب يمثل ركيزة أساسية ضمن رؤية قطر الوطنية 2030'.
وأوضح أن 'بناء اقتصاد متنوع قائم على المعرفة والابتكار يعتمد على إعداد جيل قادر على قيادة التحول التنموي'.
كما أظهرت البيانات التي عُرضت خلال الفعالية، أن الشباب دون سن 25 عاماً يشكّلون نحو 11% من إجمالي السكان، وهي نسبة قريبة من المتوسط العالمي البالغ 15.6%، فيما سجلت قطر أحد أدنى معدلات بطالة الشباب عالمياً عند نحو 0.5% في عام 2024، ما يعكس نجاح السياسات الاستباقية في دمجهم المبكر في النشاط الاقتصادي.
وأشار ممثلو الجهات الحكومية وصندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن 'تمكين الشباب لم يعد مساراً اجتماعياً فقط، بل أداة اقتصادية مباشرة لتعزيز الإنتاجية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، من خلال تزويدهم بالمهارات التي يتطلبها اقتصاد المستقبل'.
وخلصت توصيات الفعالية إلى حزمة إجراءات عملية، شملت تطوير برامج تدريبية للشباب في مجالات الذكاء الاصطناعي والبرمجة وعلم البيانات، والتوسع في التعليم المهني والتقني، وتعزيز الشراكات مع المؤسسات التعليمية الدولية، وربط المبادرات الشبابية بمؤشرات قياس أثر واضحة لضمان تحولها إلى نتائج اقتصادية ملموسة.
ويعكس هذا التوجه انتقال السياسات من مرحلة توفير الوظائف إلى مرحلة إعداد الكفاءات القادرة على تجديد سوق العمل، بما يحافظ على مستويات التشغيل المرتفعة ويمنع ظهور فجوات مهارية في المستقبل.























