اخبار الجزائر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٦ تموز ٢٠٢٦
يعتمد على إدراج خوارزميات الذكاء الاصطناعي والحلول التكنولوجية الحديثة في القطاع والتحديات: التكوين المتخصص والبنى التحتية
تمنح الجزائر اهتماماً واسعاً لقطاع المناجم خلال الأعوام الأخيرة، ومن أجل الاستفادة من هذا المجال تبحث عن حلول ناجعة تسمح بمردودية كبيرة، وعلى رغم التجربة التي تمتلكها في استغلال المناجم فإن سيطرة التكنولوجيا على مختلف المناحي دفعت إلى محاولة اعتماد سياسة المناجم الذكية، فما المقصود من هذه الفكرة، وهل تحقق نتائج إيجابية؟
وتوسع تداول مصطلح 'المناجم الذكية' أو 'التعدين الأخضر' أو 'التعدين الرقمي' بالتزامن مع استقبال وزير المناجم والصناعات المنجمية الجزائري مراد حنيفي وفداً من إطارات شركة صينية للتكنولوجيات، إذ قدم فريق الخبراء رؤية شاملة حول مفهوم التعدين الذكي، عبر إدخال حلول تكنولوجية في الاستكشاف والتحليل والاستغلال، تتكيف مع التحديات البيئية والعملياتية، مثل شبكة الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي.
ويهتم 'التعدين الذكي' بدمج التقنيات الرقمية المتطورة في جميع مراحل سلسلة التعدين، بدءاً من الاستكشاف الجيولوجي، مروراً بالاستخراج والمعالجة، وصولاً إلى الإدارة اللوجيستية والتسويق، إذ يعتمد هذا النموذج على جمع البيانات بصورة لحظية عبر أجهزة الاستشعار والأنظمة المتصلة، وتحليلها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والتحليلات المتقدمة بغرض تعزيز الكفاءة العملياتية والتسييرية واتخاذ قرارات أكثر دقة، إلى جانب تقليص مساحة تعرض العنصر البشري للأخطار الميدانية.
وتمثلت أبرز محاور رؤية 'التعدين الذكي' المقدمة في إدراج خوارزميات الذكاء الاصطناعي لرفع كفاءة ومعدلات الدقة في عمليات الاستكشاف والتحليل الميداني داخل المناجم، ودمج الحلول التكنولوجية الحديثة لرفع فاعلية مسارات الاستغلال المنجمي الشاملة وتقليل الهدر، والتركيز على التكوين المتخصص وتعزيز القدرات التكنولوجية للإطارات والمهندسين الجزائريين لضمان التحكم الكامل في الآليات الذكية.
يعتبر الباحث في الشؤون الاقتصادية عبدالكريم معتوش أن لجوء الجزائر إلى التعدين الذكي أو الرقمي ليس فسحة علمية أو تجربة تكنولوجية، بل ضرورة حتمية في ظل تزايد الطلب على المواد الخام اللازمة للتكنولوجيا الحديثة مثل السيليكون والليثيوم، إذ يصبح الاعتماد على التكنولوجيات المتطورة ضرورياً لتحسين كفاءة عمليات الاستخراج وتقليل الكلف، مشيراً إلى أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تمثل أدوات قوية لتحقيق نتائج إيجابية، لا سيما أنه يتيح فرصاً غير مسبوقة للتنبؤ بالأخطار وتقليل التأثيرات البيئية السلبية.
وأضاف معتوش أن دخول هذا المجال يحتم وجود ركائز لا يمكن الاستغناء عنها، ولعل أهمها البنى التحتية للاتصالات السلكية واللاسلكية، إضافة إلى قدرة الإطارات على مسايرة الفكرة، وهو ما يضع الجزائر أمام تحديات لا يمكن تجاوزها، مبرزاً أنه على رغم التحسن الواضح في ما يتعلق بمجالات الإنترنت من تدفق وربط وغيرها، تبقى غير كافية أمام مشكلات لا تزال عالقة، ومنها الارتباك المسجل في ما يتعلق بالأمن السيبراني، وتذبذب تدفقات الإنترنت، وعراقيل إدارية.
وشدد على أن التكوين يعتبر مفتاح نجاح التعدين الأخضر، وفي حين تحصي الجزائر كفاءات عالمية إلا أن الإطارات من الدرجة الثانية، التي يبنى عليها مشروع 'التعدين الذكي'، تبقى بحاجة إلى تكوينات مستمرة، مما يسمح بتطوير حلول ابتكارية تحقق الاستدامة في صناعة التعدين وتعزز التنافسية العالمية للجزائر، موضحاً أن التحول الرقمي في قطاع التعدين ليس مجرد توجه مستقبلي، بل ضرورة استراتيجية لتحقيق التميز والتفوق عبر مختلف مراحل العملية التعدينية.
تواجه الجزائر تحديات في رقمنة قطاع التعدين، وهو ما أشارت إليه وزارة المناجم والصناعات المنجمية، حين كشفت أنه تم التركيز عقب اللقاء الذي جمع المسؤولين الجزائريين مع إطارات الشركة الصينية للتكنولوجيات، على إدماج الحلول التكنولوجية والبنى التحتية للاتصالات السلكية واللاسلكية، من أجل الرفع من فاعلية مسارات الاستكشاف والتحليل والاستغلال المنجمي، وأضافت أن التكوين المتخصص وتعزيز القدرات التكنولوجية لإطارات ومهندسي القطاع المنجمي الجزائري شكلا محوراً مهماً خلال المحادثات التي جرت بين الجانبين.
ومع تصاعد الطلب العالمي على المعادن الاستراتيجية، والتحديات المرتبطة بالكلفة والسلامة والاستدامة البيئية، أصبح التحول الرقمي خياراً استراتيجياً وليس مجرد توجه تقني، إذ أسهمت التقنيات الرقمية الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء، في إعادة تشكيل عمليات التعدين، مما أدى إلى ظهور ما يُعرف بـ'المناجم الذكية'.
ويبدو أن الجزائر تتجنب دخول المجال دفعة واحدة، بل تسعى إلى تجريب المشروع أولاً، ففي ختام اللقاء الجزائري - الصيني، اتفق الجانبان على إنشاء فريق عمل تقني مختلط يتولى فوراً دراسة مدى جدوى تنفيذ مشاريع نموذجية في عدد من الحقول المنجمية المحلية الاستراتيجية، عبر اعتماد الحلول المقترحة ذات القيم التكنولوجية المضافة العالية، تمهيداً لتعميم التجربة على بقية مناجم البلاد.
إلى ذلك، يبقى التحول الرقمي في القطاع المنجمي خاضعاً لدوافع أهمها زيادة الطلب العالمي على المعادن مثل النحاس والليثيوم والكوبالت، وتراجع جودة الخامات، والسلامة المهنية على اعتبار أن التعدين من أخطر الصناعات، والضغوط البيئية والاستدامة إذ يتزايد الضغط العالمي على الشركات لتقليل الانبعاثات وتحسين إدارة الموارد.
وتتصدر أبرز خمسة مناجم في الجزائر قائمة المشاريع الاستراتيجية التي تعوّل عليها البلاد لتحقيق نقلة نوعية في بنية الاقتصاد الوطني، بوصفها أداة مركزية ضمن رؤية البلاد الرامية إلى استغلال الإمكانات المعدنية غير المستغلة، التي لم يكن يُستفاد منها سوى بنسبة 10 في المئة فقط حتى وقت قريب، وتشمل هذه المناجم موارد من خام الحديد والفوسفات والزنك والرصاص، وتمتد آفاقها لتشمل الذهب وحتى الألماس.
ويعد منجم 'غار جبيلات' المشروع الأكبر ضمن أبرز خمسة مناجم في الجزائر، باحتياط ضخم يقدّر بـ3.5 مليار طن من خام الحديد، منها 1.75 مليار طن قابلة للاستغلال المباشر، ثم يأتي منجم 'جبل عنق' الذي يمثل العمود الفقري لمشروع الفوسفات المدمج باحتياط بـ2.8 مليار طن، أما المنجم الثالث فهو 'تالا حمزة' باحتياط يقدر بـ34 مليون طن من خام الزنك، مما يضعه ضمن الـ10 الأوائل عالمياً.
ويبلغ حجم احتياطات منجم 'أمسمسا'، الذي يعد الأكثر إنتاجاً للذهب في البلاد، نحو 3.38 مليون طن، وهو ما أهّله لتصدر قائمة الترتيب في أفريقيا، والمرتبة الثالثة عربياً، ويرتقب تحوّل المنجم الخامس 'جبل رقان' الخاص بالألماس، على رغم عدم دخوله حيز الاستغلال بعد، إلى منجم واعد.




















