اخبار الإمارات
موقع كل يوم -الخليج أونلاين
نشر بتاريخ: ٢٨ تموز ٢٠٢٦
واشنطن - الخليج أونلاين
تخوض منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر مراحلها التاريخية دقة، حيث أصبحت طهران مجدداً أمام معادلة أمريكية مركبّة صاغها الرئيس دونالد ترامب وفق فلسفة 'الضغط الأقصى الممزوج بالمرونة المفاجئة'.
وفي وقت تستضيف فيه سلطنة عمان محادثات غير مباشرة وُصفت بـ 'العميقة والودية' بين واشنطن وطهران، ترسل إدارة ترامب رسائل متناقضة ظاهرياً، لكنها محبوكة بعناية؛ تارةً بالتلميح لصفقة واعدة ترفع الحصار وتهدئ الأسواق، وتارةً أخرى بالتهديد بشن 'عمل عسكري قوي للغاية' لا يترك لإيران خياراً سوى الامتثال السريع.
غير أن هذه 'العصا والجزر' لا تصطدم اليوم بنفس الدولة التي أدارت مفاوضات عام 2015، بل بجمهورية تعيش انقساماً داخلياً غير مسبوق، وتعيش تحت واقع سياسي وأمني مختلف جوهرياً يتسم بقبضة الحرس الثوري حيث استحواذ الحرس الثوري الإيراني والمجلس الأعلى للأمن القومي على القرارات السيادية والعسكرية وتفاصيل المشهد الميداني الإقليمي.
وأيضا غياب التأثير المباشر والعلني للمرشد الأعلى الجديد (مجتبى خامنئي)، واختفائه عن الساحة العامة، مما أوجد حالة من الشلل وتوزع مراكز القوى بين الجناح العسكري الراديكالي والدوائر الدبلوماسية.
استراتيجية ترامب: الدبلوماسية تحت أزيز الرصاص
خلال تصريحاته الأخيرة للصحافيين على متن طائرة 'إير فورس وان'، وفي مقابلة مع موقع 'أكسيوس' رسم ترامب معالم استراتيجيته تجاه طهران بأوضح صورة؛ فهو يرغب بإبرام اتفاق عاجل يُعيد فتح شريان الملاحة في مضيق هرمز ويُنهي أزمة الطاقة العالمية، مستغلاً تحسن أسعار النفط وانتعاش الأسواق كدليل على نفعية الهدنة.
لكن هذه 'الجزرة' جاءت مشروطة بمدى زمني صارم، إذ أكد ترامب أنه يمنح الدبلوماسية فرصة استجابة لوساطات إقليمية، إلا أنه حذر بلهجة جازمة: 'إما أن تتقدم الأمور بسرعة، أو أنها لن تحدث على الإطلاق.. لا يمكنك رشوتهم، عليك أن تهزمهم، وسنلحق بهم هزيمة ساحقة إذا أخفقت الخيارات السلمية'.
ترامب يلعب على عامل الوقت وضغط الردع العسكري، مؤكداً أن الجيش الأمريكي لا يعاني من أي نقص في الذخائر رغم العمليات المكثفة، ومستعرضاً استقلالية قراره السياسي حين رفض اعتراضات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن العلاقات مع تركيا وسوق السلاح.
طهران : انقسام القرار وغياب المرجعية
على الطرف الآخر، تشير القراءات الاستراتيجية إلى أن العقبة الأكبر أمام استجابة إيران لـ 'جزر' ترامب أو اتقاء 'عصاه' تكمن في الداخل الإيراني المتشظي:
سيطرة أمنية وعسكرية سائدة: تحول مركز الثقل في طهران من الحوزة والمؤسسة الدينية التقليدية إلى ثكنات الحرس الثوري الإيراني. قيادات الحرس تتوجس من أي تنازل يُقرأ على أنه انكسار أمام واشنطن، وتعتبر التهدئة مجرد إعادة تموضع استراتيجي لحفظ نفوذها الميداني.
شبح غياب 'المرشد': في ظل الظروف المعقدة التي تحيط بانتخاب وصعود مجتبى خامنئي وغيابه عن الحضور المباشر وصياغة الخطاب الديني-السياسي الجامع، فقدت طهران 'صمام الأمان' الذي كان يحسم الخلافات بين التيارات المتصارعة.
هذا الفراغ القيادي أدى إلى تضارب في السلوك الإيراني؛ فبينما تسعى الخارجية والدبلوماسيون لإنجاح مسار مسقط ونفي السعي للتصعيد، تواصل التشكيلات العسكرية للصحافة الإيرانية الاستعراض في مضيق هرمز وإرسال الرسائل الحادة عبر أذرعها الإقليمية.
ماذا ستختار إيران؟
أمام هذا المشهد المعقد، تقف القيادة المؤقتة أو المشتركة في طهران أمام ثلاثة سيناريوهات أحلاها مر:
تجرّع 'الصفقة السريعة'
أن تتنازل قيادة الحرس الثوري وتوافق على صيغة اتفاق محدودة تضمن فتح الملاحة في هرمز وتجميد النزاع النووي، مقابل رفع جزء من العقوبات الاقتصادية الخانقة، وهو سيناريو يمنح النظام طوق نجاة مؤقت ولكن بشرط الشجاعة السياسية والتنازل السريع قبل نفاد صبر ترامب.
المماطلة والعودة للضربات
أن تؤدي الحسابات المعقدة وغياب صاحب القرار الحاسم في طهران إلى إطالة أمد التفاوض، وهو ما أعلن ترامب رفضه القاطع له. وسيعني هذا الخيار تلقائياً تجدد الضربات الأمريكية المستهدفة للبنية التحتية العسكرية والنفطية، مما قد يهدد صلب وجود النظام الإيراني.
التوصل لإطار 'هدنة هشة طويلة الأمد'
إدارة الصراع عبر مسار تفاوضي مفتوح دون التوقيع على وثيقة شاملة، لضمان استمرار وقف إطلاق النار وتجنب الضربات المباشرة، مع احتفاظ الحرس الثوري بأوراق قوته، وهو خيار يعتمد على مدى طول نفس الإدارة الأمريكية وتكتيكات الوسطاء في عمان.
تستشعر طهران أن مهلة ترامب ليست مفتوحة، وأن هامش المناورة يضيق يوماً بعد يوم.
وبين عصا القوة الغاشمة وجزرة الانتعاش الاقتصادي والسلام المشروط، لا يبدو أن المشكلة في طهران اليوم هي 'ماذا تختار؟'، بل 'من يملك الجرأة داخل أروقة السلطة للوصول إلى قرار حاسم قبل فوات الأوان؟'.


































