اخبار الجزائر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٤ نيسان ٢٠٢٦
تبدو قادرة على تلبية الحاجات العاجلة لأسواق القارة العجوز وفرض نفسها كمورد موثوق، مستفيدة من موقعها الجغرافي على البحر المتوسط
تشهد الجزائر توافد مسؤولين أوروبيين بصورة لافتة، لا سيما منذ بداية الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران. وبين من ربط المشهد بالبحث عن ضمان التزود بالطاقة والغاز خصوصاً، ومن رأى أن الأمر يرجع إلى نجاح الدبلوماسية الجزائرية التي تحركت قبل فترة، يبقى الجميع يترقب محتوى الاتفاقيات التي أبرمت لفك شيفرة هذا الزيارات الفرنسية -الإيطالية - الإسبانية.
وبعد وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز، الذي حل ضيفاً على الجزائر، في وقت تعرف العلاقات الثنائية توترات سياسية ودبلوماسية، منذ نحو عام ونصف العام، وقدوم رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني، التي عرف حضورها التوقيع على اتفاقيات عدة، ثم وصول وزير خارجية إسبانيا مانويل ألباريس، بعد خصام تبعه تعليق معاهدة الصداقة في عام 2022، يترقب المتابعون زيارات أوروبية أخرى إلى الجزائر، لا سيما من البرتغال وألمانيا، وأهمها رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، والرئيس البرتغالي المنتخب حديثاً، أنطونيو خوسيه سيغورو، ووزير خارجية فرنسا.
ويظهر وفق التحولات الجيوسياسية العميقة التي يشهدها العالم والتي تتسم بتصاعد حدة التوترات بين القوى الكبرى، أن الجزائر تحولت إلى قاعدة ارتكاز لإعادة تنظيم العلاقات الجيوسياسية والاقتصادية في غرب المتوسط، لا سيما أمام الحاجة إلى الطاقة التي تسبب فيها الصراع في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز وانخفاض إنتاج النفط والغاز في المنطقة. ولعل الوضع جعل الجزائر تبرز كأحد أهم مورّدي الغاز للقارة العجوز بخاصة بعد إعادة تشكيل خريطة الإمدادات الأوروبية.
وإذا كان حضور روما ومدريد سريعاً، وعلى رغم محاولات باريس الاستمرار في برودة علاقاتها مع الجزائر، إلا أن الوضع الجديد الذي بات عليه الاتحاد الأوروبي، يدفع فرنسا لا محالة إلى إعادة النظر في سياستها والقبول بالأمر الواقع والتوجه نحو البلد النفطي في شمال أفريقيا، لتجنب أزمات أخرى تثير الشارع الفرنسي.
وجاءت فرنسا في صدارة مستوردي الغاز الجزائري، بعد أن ارتفعت وارداتها من 65 ألف طن قبل اندلاع أزمة الشرق الأوسط إلى أكثر من 108 آلاف طن خلال الأسبوعين الأولين من مارس (آذار).
وفي مؤشر على توسع قائمة زبائن الجزائر الأوروبيين الباحثين عن بدائل آمنة، حافظت تركيا على تدفقات مستقرة بلغت 136 ألف طن منذ بداية الشهر، مع زيادة الشحنات إلى 76 ألف طن في الأسبوع الثاني، بينما استوردت كرواتيا للمرة الأولى منذ يوليو (تموز) 2025، شحنة قدرها 76 ألف طن.
وتقول التقارير الدولية إن صادرات الجزائر من الغاز المسال ارتفعت إلى أكثر من 462 ألف طن خلال الأسبوعين الأولين من مارس، بزيادة 74 في المئة مقارنة بنحو 265 ألف طن في الفترة ذاتها من فبراير (شباط).
ومما سبق، تبدو الجزائر قادرة على تلبية الحاجات العاجلة للأسواق الأوروبية وفرض نفسها كمورد موثوق، مستفيدة من موقعها الجغرافي على البحر المتوسط، الأمر الذي جعلها خياراً استراتيجياً حيوياً لضمان أمن الإمدادات واستقرار السوق. وهو ما من شأنه تغيير اتجاهات علاقاتها الثنائية والإقليمية، وقد يدفع إلى إعادة مناقشة اتفاق شراكتها مع الاتحاد الأوروبي من موقع قوة.
وفي السياق، يعتبر أستاذ العلوم السياسية كمال بن نابي، أن العرض الدبلوماسي المنتظر في الجزائر يؤسس لإرساء رقعة شطرنج جيوسياسية جديدة في غرب البحر الأبيض المتوسط، تلعب فيها الجزائر دوراً رائداً كفاعل أساسي في إرساء السلام والأمن، وقبل كل شيء كشريك موثوق به وذي مصداقية في إمدادات الطاقة للدول المجاورة في جنوب البحر الأبيض المتوسط.
وأضاف بن نابي أن منطقة غرب البحر الأبيض المتوسط تشهد حالياً تحولاً هيكلياً لا رجعة فيه، ما يمثل حقبة جديدة في ميزان القوى، إذ يجري بناء هيكل دبلوماسي جديد حول أوروبا اللاتينية البراغماتية التي تفضل التنمية المشتركة على التدخل، لا سيما بعد تحوّل الجزائر إلى حصن أمني لا غنى عنه وقطب نمو رئيس لحوض المتوسط، موضحاً أنه من خلال تحالفها مع من يحترمون سيادتها، تُرسّخ الجزائر مكانتها كمحور لا غنى عنه بين أفريقيا وجنوب أوروبا. وختم أن الزيارات المعلنة لكبار المسؤولين الأوروبيين إلى الجزائر تمهد الطريق لإعادة رسم حقبة جديدة ولوحة شطرنج جيوسياسية جديدة في عالم يشهد تغيّرات كاملة ورهينة للتوترات.
من جانبه، يرى الباحث في العلوم الاقتصادية والتجارية وعلوم التسيير، خثير شنين، أن الإنزال الدبلوماسي الذي تشهده الجزائر تقف وراءه مجموعة من الخلفيات والأسباب، أهمها عامل الأمن والاستقرار، مبرزاً أن الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز يجعل القيمة الاستراتيجية للجزائر كمورد طاقوي مستقر. وتابع أن هذا المورد الآمن يتحول في أوقات الأزمات إلى عنصر قوة تفاوضية يمنح الجزائر القدرة مثلاً على تجديد العقود بشروط أفضل، وجذب استثمارات أوروبية لتوسيع الإنتاج، إضافة إلى تسريع مشاريع الربط الطاقوي والبنية التحتية والحصول على تنازلات في ملفات صناعية أو تكنولوجية مرتبطة بالطاقة. وأوضح أن ما يعزز مكانة الجزائر كمورد آمن ومستقر للطاقة نحو أوروبا، موقعها الجغرافي وقربها من الأسواق المتوسطية.




















