لايف ستايل
موقع كل يوم -فوشيا
نشر بتاريخ: ٣ تشرين الثاني ٢٠٢٦
فتح الذكاء الاصطناعي الباب أمام تحول كبير في صناعة الأزياء، بعدما أتاح للعلامات التجارية إنتاج صور واقعية لعارضين افتراضيين واستخدامها في متاجرها الإلكترونية، مع خفض تكاليف الإنتاج بنسبة 90% أو أكثر مقارنة بجلسات التصوير التقليدية التي تعتمد على عارضين حقيقيين.
في المقابل، أثارت هذه التقنيات مخاوف متزايدة داخل قطاع عرض الأزياء، في ظل محدودية القوانين التي تنظم ملكية النسخ الرقمية للأشخاص أو تحدد ضوابط استخدامها، ما وضع العارضين أمام خطر استنساخ صورهم من دون مقابل، أو استبدالهم بشخصيات مولدة بالكامل بالذكاء الاصطناعي.
وأجرت وكالة 'رويترز' مقابلات مع 15 مديراً لوكالات عرض أزياء، وراجعت أكثر من 12 عقداً سرياً لجلسات تصوير، تضمنت طلبات من علامات تجارية مثل 'ديزل' و'كالفن كلاين' و'لوريال'، تتعلق بالتعديلات الممكنة باستخدام الذكاء الاصطناعي وحقوق استخدام الصور مستقبلاً.
وشملت البنود المقترحة في هذه العقود، التي لم تُوقّع، السماح باستبدال وجه العارض بوجه شخص آخر باستخدام الذكاء الاصطناعي، وإنشاء نسخة رقمية منه من دون دفع تعويض إضافي، فضلاً عن استخدام صور جسده لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي. كما تضمنت بعض الصياغات القانونية بنوداً واسعة قد تمنح العلامات التجارية صلاحيات كبيرة في تعديل الصور وإعادة استخدامها.
وبينما اتجهت شركات إلى إعادة توظيف صور عارضين حقيقيين وتعديلها، لجأت شركات أخرى إلى استخدام شخصيات مولدة بالكامل بالذكاء الاصطناعي، من دون الاستناد إلى أشخاص موجودين في الواقع.
الذكاء الاصطناعي يقلص فرص العمل في مجال الأزياء
مع توسع استخدام هذه التقنيات، رصدت وكالات عرض الأزياء تراجعاً في طلبات العمل، فيما أغلقت استوديوهات تصوير أبوابها، وواجه العارضون خطر خسارة جزء أساسي من مصادر دخلهم، خصوصاً جلسات التصوير الخاصة بمتاجر الأزياء السريعة التي تضيف باستمرار مجموعات جديدة إلى مواقعها الإلكترونية.
وقال عارض الأزياء المقيم في لندن أدوت غاك، الذي ظهر على غلاف مجلة 'هاربرز بازار' وشارك في حملات إعلانية لعلامات تجارية بينها 'بالمان' و'H&M'، إن فرص العمل أمام العارضين ستتراجع خلال عام، وربما خلال الأشهر الستة المقبلة، لا سيما في مجال التجارة الإلكترونية الذي يشكل مصدر دخل أساسياً لهم.
وأضاف: 'إذا لم نرفع صوتنا حيال هذه القضية، فستتحول الصناعة بأكملها إلى روبوتات خلال العامين المقبلين'.
وكانت بعض شركات الأزياء السريعة، مثل 'مانغو' الإسبانية، قد بدأت بالفعل استخدام عارضين مولدين بالذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، في حين تعاملت العلامات الفاخرة مع هذه التقنيات بحذر أكبر. وجربت 'مونكلير' حملة تعتمد على الذكاء الاصطناعي عام 2023، بينما أثارت صور نشرتها 'غوتشي' على حسابها في 'إنستغرام' هذا العام، وأُنتجت بهذه التقنيات، جدلاً في أوساط الموضة.
وأكدت 'مونكلير' أنها لا تستخدم حالياً عارضين مولدين بالذكاء الاصطناعي، سواء على موقعها الإلكتروني أو في حملاتها الإعلانية، فيما لم ترد 'غوتشي' على طلبات التعليق.
وحذر غاك من أن التمييز بين العارض الحقيقي والشخصية المولدة رقمياً أصبح صعباً، قائلاً إن هذه النقطة تمثل الجانب الأكثر إثارة للقلق.
تبديل الوجوه وإنشاء نسخ رقمية من العارضين
أتاحت أدوات الذكاء الاصطناعي للمتاجر إعادة تعديل صور العارضين وإعادة استخدامها مرات غير محدودة، مع تغيير الملابس والتفاصيل، وبتكلفة أقل بكثير من تنظيم جلسات تصوير جديدة.
وقال باتريك ستال، مالك وكالة 'أونيكو موديلز' في برشلونة، إن بعض العلامات التجارية طلبت تعديل الوجوه والأجساد والبشرة والأعمار وتعابير الوجه بعد جلسات التصوير، فيما استفسرت علامات أخرى عن إنشاء 'نسخ رقمية' من العارضين لإعادة استخدامها مستقبلاً من دون الحاجة إلى إنتاج جديد.
وفي وثيقة خاصة باختيار العارضين لجلسة تصوير، طلبت العلامة الإيطالية 'ديزل' موافقة المشاركين على تعديل ملامح الوجه أو إعادة بنائها وتغيير نسب الجسم، إلى جانب تبديل الوجوه بين العارضين المشاركين، أو وضع وجه أحد المشاركين على جسد شخص آخر.
وردت شركة 'OTB'، المالكة لـ'ديزل'، بأن نموذج الموافقة أُعد لحملة محددة، ولا يعكس العقود المعتادة للشركة، مؤكدة أنها لا تعتمد بصورة منهجية على الذكاء الاصطناعي لتعديل صور العارضين.
وفي حالة أخرى، طلبت علامة العناية بالبشرة 'ريالي أكتيفز'، التي أطلقتها هذا العام شخصية مواقع التواصل الاجتماعي أليكس إيرل، في عقد اطلعت عليه 'رويترز'، الحصول على حقوق إنشاء نسخ مولدة بالذكاء الاصطناعي من العارضين، وامتلاك هذه الصور واستخدامها لمدة عام من دون دفع تعويض إضافي.
وقالت العلامة إنها تعتمد على عارضين حقيقيين، ولم تستنسخ صور أي منهم باستخدام الذكاء الاصطناعي، موضحة أن الصياغة الواردة في العقد جاءت من شركة إنتاج شريكة رفضت الكشف عن اسمها.
هل يسهم العارضون في تدريب بدائلهم الرقمية؟
أثارت بعض العقود مخاوف إضافية، بعدما تضمنت بنوداً تسمح باستخدام صور العارضين لتدريب أدوات الذكاء الاصطناعي، ما يعني أن بعضهم قد يسهم في تطوير التقنيات التي يمكن أن تحل مكانه مستقبلاً.
وفي مسودة عقد أعدتها 'كالفن كلاين' واطلعت عليها 'رويترز'، طُلب من العارض الموافقة، من دون مقابل إضافي، على استخدام صور لا يمكن التعرف إليه من خلالها، ولا تظهر فيها ملامح محددة مثل الوجه أو الندوب أو الوشوم، لتدريب أدوات الذكاء الاصطناعي وتحسينها بهدف تعليمها السمات العامة للعارضين.
وقالت متحدثة باسم العلامة إن الشركة، مثل غيرها، تختبر هذه التقنيات وتتعلم كيفية التعامل معها، مؤكدة أن استخدامها يستند إلى القوانين ومعايير الصناعة واحترام حقوق العارضين.
وتكمن إحدى المشكلات القانونية في استخدام بعض العقود عبارات فضفاضة مثل 'بما في ذلك' أو 'على سبيل المثال لا الحصر'، وهي صياغات قد تتيح المطالبة بحقوق لا تحددها البنود بشكل صريح.
وحذرت ميلاني هوارد، الشريكة ورئيسة قسم العلامات التجارية الفاخرة في مكتب المحاماة 'لوب آند لوب' في لوس أنجلوس، التي تمثل العلامات التجارية والمواهب خلال المفاوضات التعاقدية، من أن هذه الصياغات الواسعة تشكل خطراً بسبب غموضها.
وفي عقد لجلسة تصوير اطلعت عليه 'رويترز'، طلبت شركة 'لوريال' الفرنسية حق استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتعديل مظهر منتجات التجميل وعبواتها ودرجات ألوانها، فضلاً عن إجراء عمليات التنقيح والتحسين على الصور.
من جهتها، أوضحت 'لوريال' أنها تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي المعتادة في مراحل ما بعد الإنتاج وتحرير الصور، من دون التأثير في صورة العارض.
شركات تخفض تكاليف الإنتاج بأكثر من 90%
في المقابل، اتجهت شركات إلى تبني الذكاء الاصطناعي بصورة أوسع، بهدف تقليص النفقات والاستغناء عن بعض مراحل التصوير التقليدي.
وسرّعت شركة 'زالاندو'، أكبر متاجر الأزياء الإلكترونية في أوروبا، اعتماد الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي في موادها التسويقية، وأغلقت استوديوهَي التصوير التابعين لها في برلين خلال العام الماضي. كما أغلقت شركة الأزياء السريعة 'أباوت يو'، التي استحوذت عليها 'زالاندو' في يوليو/تموز من العام الماضي، استوديو التصوير الخاص بها.
وأدى ذلك إلى خفض أكثر من 340 وظيفة، رغم تأكيد الشركة أنها أبقت بعض الموظفين ضمن أدوار أخرى.
وأطلقت 'أباوت يو' مشروع 'سكايلي ستوديوز'، المتخصص في إنتاج الصور الرقمية لمتاجر التجزئة باستخدام عارضين مولدين بالذكاء الاصطناعي، مع وعد بخفض تكاليف الإنتاج بأكثر من 90%.
ووفقاً لمتحدث باسم الشركة، تضم المنصة 130 علامة تجارية، وأنتجت صوراً لـ190 ألف إطلالة خلال الشهر الماضي.
وقال جوليان يانسن، نائب رئيس التسويق في 'أباوت يو': 'نوفر الكثير من الأموال'، موضحاً أن عالم التجارة الإلكترونية سريع للغاية، بينما كانت جلسات التصوير التقليدية بطيئة ولا تتناسب مع وتيرة العمل، قبل أن يغير الذكاء الاصطناعي حجم الإنتاج وسرعته.
قوانين محدودة لحماية حقوق عارضي الأزياء
رغم اتساع استخدام الذكاء الاصطناعي، لم تواكب التشريعات في دول كثيرة التهديدات التي تواجه مصادر دخل العارضين وحقوقهم. ويُعد قانون عمال الموضة في ولاية نيويورك أحد الاستثناءات، إذ حظر منذ يونيو/حزيران 2025 إنشاء نسخ رقمية من العارضين أو تعديلها من دون الحصول على موافقتهم الصريحة.
وقالت سارة زيف، مؤسسة ومديرة منظمة 'موديل ألاينس' غير الربحية في نيويورك، التي دعمت إقرار القانون، إن إساءة استخدام صور العارضين ليست أمراً جديداً، لكن الذكاء الاصطناعي سرّع هذه المشكلة عشرة أضعاف.
وتعمل زيف، التي سبق أن احترفت عرض الأزياء، على دعم إصدار قوانين مماثلة في ولايات أميركية أخرى وعلى المستوى الفيدرالي.
وفي بريطانيا، أعدت جمعية وكلاء عارضي الأزياء البريطانية مدونة سلوك خاصة بالذكاء الاصطناعي، تنص على عدم استخدام هذه التقنيات من دون موافقة العارض، مع احتفاظه بملكية نسخته الرقمية.
لكن رئيس الجمعية جون هورنر حذر من أن غياب تشريعات ملزمة في بريطانيا وأوروبا يترك العارضين عرضة للاستغلال من جانب وكلاء أقل التزاماً بالمعايير المهنية.
بدوره، لفت ستال إلى أن كثيراً من المواهب الشابة لا تدرك بالكامل العواقب طويلة الأمد للتنازل عن حقوق استخدام صورها، محذراً من أن توقيع عارض في العشرين من عمره على تنازل يتعلق بحقوق الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في حياته المهنية بعد عشر سنوات.




























