لايف ستايل
موقع كل يوم -فوشيا
نشر بتاريخ: ١ تشرين الأول ٢٠٢٦
قد يستغرق إعداد فنجان القهوة بضع دقائق، لكن الحبة التي تدخل في تحضيره تكون قد قطعت رحلة طويلة قبل أن تصل إلى الكوب. تبدأ هذه الرحلة بزراعة البذور والعناية بالنبات لسنوات، ثم حصاد الثمار وتجهيزها بطرق مختلفة.
ولا تقتصر صناعة القهوة على المزارعين فقط، إذ يعمل خلف المنتج النهائي عدد كبير من الأشخاص في مراحل مختلفة، لكل منهم دور في الحفاظ على جودة الحبوب وخصائصها. ولهذا فإن المذاق الذي يظهر في الفنجان هو نتيجة مجموعة متتابعة من العمليات تبدأ في مناطق الزراعة وتنتهي عند طريقة التحضير.
ووفقًا لمنظمة التجارة العادلة، يعتمد نحو 125 مليون شخص حول العالم على القهوة في سبل عيشهم، بينما ينتج أصحاب الحيازات الصغيرة حوالي 80% من القهوة عالميًا، ما يعكس اتساع القطاع وعدد العاملين المرتبطين به.
كيف تنتقل حبة القهوة من المزرعة إلى الفنجان؟
تبدأ القصة من زراعة البذور في مناطق تتمتع بظروف مناسبة لنمو نبات البن، إذ تحتاج النباتات إلى فترة تمتد لعدة سنوات قبل أن تبدأ في إنتاج محصولها. ومع نمو شجرة البن، تظهر أزهار بيضاء صغيرة، ثم تتحول هذه الأزهار بعد فترة إلى ثمار تحتاج إلى عدة أشهر حتى تصل إلى مرحلة النضج.
وتحتوي كل ثمرة عادةً على بذرتين، بينما توجد في نسبة محدودة من الثمار بذرة واحدة فقط. وتحتاج الثمار إلى الوصول إلى مستوى مناسب من النضج قبل جمعها، لأن توقيت الحصاد يمكن أن يؤثر بشكل مباشر في خصائص القهوة لاحقًا.
وعندما تصبح الثمار جاهزة، تبدأ عملية جمع المحصول. ويختلف موعد الحصاد من دولة إلى أخرى وفق الظروف المناخية وموقع مناطق الزراعة، كما يمكن أن يتكرر الموسم في بعض البلدان أكثر من مرة خلال العام.
وفي بعض المناطق، يتم جمع الثمار يدويًا من خلال اختيار الثمار الناضجة فقط، بينما تستخدم المزارع التي تسمح طبيعة أراضيها باستخدام الآلات وسائل ميكانيكية لجمع المحصول. ويتيح الانتقاء اليدوي تقليل كمية الثمار غير الناضجة التي تدخل إلى مراحل الإنتاج التالية.
المراحل التي تمر بها حبوب القهوة قبل التحضير
بعد الانتهاء من الحصاد، تبدأ سلسلة من العمليات التي تهدف إلى فصل الحبوب عن أجزاء الثمرة وتجهيزها للتخزين والنقل والتحميص. وتختلف هذه العمليات بحسب الطريقة المتبعة وطبيعة المنتج المطلوب.
المعالجة
تبدأ المعالجة بعد جمع الثمار بفترة قصيرة، لأن تركها لفترة طويلة دون تجهيز قد يؤدي إلى تغيرات تؤثر في خصائصها.
وتعد الطريقة الرطبة من الأساليب المستخدمة في تجهيز الحبوب، حيث تتم إزالة الأجزاء الخارجية من الثمرة، ثم تمر الحبوب بمرحلة تساعد على التخلص من بقايا اللب والطبقات المحيطة بها. وبعد ذلك يتم غسلها وتجهيزها للانتقال إلى المراحل التالية.
وفي أثناء هذه الطريقة يحدث التخمير للحبوب لفترة محددة تختلف حسب ظروف المعالجة، ثم يتم التخلص من المواد المتبقية حولها قبل تجفيفها.
أما الطريقة الجافة، فتُترك الثمار كاملة حتى تفقد الرطوبة تدريجيًا، وغالبًا ما تنشر في أماكن معرضة للشمس، مع تحريكها باستمرار حتى يجف المحصول بصورة متوازنة. وقد تمتد هذه العملية من 10 إلى 30 يومًا وفقًا للطقس ومستوى الرطوبة وطريقة العمل.
وهناك أيضًا أساليب تجمع بين خصائص الطريقتين الرطبة والجافة، وتختلف نتائج كل طريقة من حيث خصائص النكهة والرائحة والقوام.
التقشير والطحن الأولي
بعد انتهاء عملية المعالجة، تأتي مرحلة إزالة الأغلفة والطبقات التي لا تزال تحيط بالحبة. وتستخدم لهذا الغرض معدات مخصصة تعمل على فصل القشرة وبقايا الثمرة عن الحبوب.
وتساعد هذه الخطوة على تجهيز الحبوب بالشكل المناسب للتعامل معها في مراحل التخزين والنقل والتصنيف، قبل أن تصل إلى مرحلة التحميص.
التلميع والتعتيق وإزالة الكافيين
يمكن أن تخضع الحبوب لبعض العمليات الإضافية بحسب نوع القهوة والنتيجة المطلوبة. ومن بينها التلميع الذي يهدف إلى إزالة الطبقة الرقيقة التي قد تبقى على سطح الحبة بعد التقشير.
كما يمكن الاحتفاظ ببعض أنواع القهوة لفترات أطول في ظروف محددة بهدف التعتيق، في حين تمر أنواع أخرى بعملية إزالة الكافيين لتقديم منتج مناسب لمن يفضلون القهوة منخفضة الكافيين أو الخالية منه.
ولا تعد هذه العمليات جزءًا إلزاميًا من إنتاج كل أنواع القهوة، وإنما تعتمد على طبيعة المنتج والأسلوب التجاري المستخدم.
التنظيف والفرز
تنتقل الحبوب بعد ذلك إلى مرحلة التنظيف، حيث تزال منها بقايا المواد والشوائب التي قد تكون اختلطت بالمحصول خلال المراحل السابقة.
ثم تبدأ عملية الفرز لفصل الحبوب وفق مجموعة من الخصائص، مثل الحجم والكثافة والحالة العامة، مع استبعاد الحبوب التي تحتوي على عيوب قد تؤثر في جودة المنتج النهائي.
وتزداد أهمية هذه الخطوة عند التعامل مع القهوة التي تستهدف مستويات مرتفعة من الجودة، لأن توحيد خصائص الحبوب يساعد على الحصول على نتائج أكثر ثباتًا أثناء التحميص.
التصنيف والتقييم
لا يعتمد تقييم القهوة على شكل الحبوب فقط، إذ تؤخذ مجموعة من العوامل في الاعتبار، من بينها منطقة الزراعة والارتفاع عن سطح البحر وحجم الحبوب وطريقة الحصاد ودرجة التجانس والعيوب الموجودة فيها.
كما يمكن أن تخضع القهوة لتقييم متخصص يعتمد على تحضير عينات منها وفحص رائحتها وطعمها وقوامها وحموضتها وحلاوتها والمذاق الذي يبقى بعد تناولها.
وتساعد هذه الاختبارات على تحديد خصائص المحصول وإظهار الفروق بين أنواع القهوة ومناشئها المختلفة، كما تدخل نتائجها في تحديد القيمة التجارية للمنتج.
التجفيف والوصول إلى البن الأخضر
يعد التجفيف من الخطوات الأساسية في تجهيز الحبوب، ويهدف إلى خفض مستوى الرطوبة إلى النسبة المناسبة التي تسمح بتخزينها ونقلها دون تعرضها للتلف.
وفي حالة الطريقة الجافة، يحدث التجفيف بينما لا تزال الثمرة كاملة، أما في الطرق الأخرى فقد يتم بعد إزالة أجزاء من الثمرة. وبعد اكتمال هذه العمليات وإزالة الأغلفة المتبقية، تصبح الحبوب في صورتها المعروفة باسم البن الأخضر، وهي المرحلة التي تسبق التحميص.
التصدير والاستيراد
بعد تجهيز الحبوب وتنظيفها وتصنيفها، تبدأ رحلتها التجارية خارج مناطق الإنتاج. وتنتقل كميات كبيرة من القهوة من الدول المنتجة إلى الأسواق العالمية من خلال عمليات التصدير، ثم تصل إلى الشركات والمستوردين في البلدان المختلفة.
وتتضمن هذه المرحلة عمليات النقل والتخزين والفحص والتعامل التجاري، وهي عناصر مترابطة ضمن سلسلة التوريد التي تربط مناطق الزراعة بالأسواق والمستهلكين.
ولا تنتهي رحلة الحبوب عند وصولها إلى البلد المستورد، إذ قد تنتقل بعدها إلى شركات متخصصة أو منشآت تقوم بتجهيزها وتحميصها قبل طرحها للبيع.
التحميص
بعد وصول الحبوب إلى المحمصة، تبدأ واحدة من أكثر المراحل تأثيرًا في مذاق القهوة النهائي. إذ تتعرض الحبوب للحرارة، ما يؤدي إلى حدوث مجموعة من التفاعلات الكيميائية التي تغير لونها ورائحتها وخصائصها.
وخلال التحميص تتغير المركبات الموجودة داخل الحبة، وتظهر مجموعة من الروائح والنكهات التي تميز القهوة المحمصة. كما تؤثر درجة التحميص ومدة تعرض الحبوب للحرارة في النتيجة النهائية.
ولهذا يمكن أن تختلف النكهة بشكل واضح بين حبوب المصدر نفسه عند تحميصها بدرجات وطرق مختلفة.
الطحن والتخمير
بعد انتهاء التحميص، تصبح الحبوب جاهزة للطحن، وتختلف درجة الطحن المطلوبة وفق طريقة إعداد القهوة. فبعض طرق التحضير تحتاج إلى حبوب مطحونة بدرجة ناعمة، بينما تعتمد طرق أخرى على طحن أكثر خشونة.
وفي النهاية، يتم مزج القهوة المطحونة بالماء وفق طريقة التحضير المستخدمة، مع التحكم في درجة حرارة الماء ووقت الاستخلاص ونسبة القهوة إلى الماء.
وتؤثر هذه العوامل مجتمعة في كمية المركبات التي تنتقل من الحبوب إلى المشروب، وبالتالي في الرائحة والطعم والقوام الذي يظهر في الفنجان.
كم شخصًا يشارك في صناعة فنجان القهوة؟
يمر فنجان القهوة برحلة طويلة يشارك فيها عدد كبير من الأشخاص، تبدأ من المزارعين والعاملين في الحصاد، ثم تنتقل إلى المتخصصين في المعالجة والتجفيف والفرز وتقييم الجودة، وصولًا إلى العاملين في النقل والتخزين والتجارة والتحميص والطحن والتحضير.
ولا يقتصر دور هؤلاء على تنفيذ مراحل منفصلة، فكل خطوة تؤثر في المرحلة التي تليها، بداية من اختيار الثمار المناسبة وحتى تحديد طريقة التحميص وإعداد المشروب. لذلك يمكن النظر إلى فنجان القهوة باعتباره نتيجة عمل متكامل يجمع جهود أشخاص يعملون في مراحل مختلفة قبل أن يصل المنتج إلى المستهلك.
وتوضح هذه الرحلة أن القهوة التي نتناولها يوميًا تحمل وراءها سلسلة طويلة من العمل، تبدأ في مناطق الزراعة وتستمر عبر مراحل متعددة حتى تصل في صورتها النهائية إلى الفنجان.
كيف تؤثر كل مرحلة في مذاق القهوة؟
تتكون النتيجة النهائية للقهوة تدريجيًا عبر المراحل المختلفة التي تمر بها الحبوب. فاختيار الثمار ودرجة نضجها يمكن أن يؤثر في جودة المحصول، بينما تلعب طريقة المعالجة دورًا في الخصائص التي تظهر بعد التحضير.
كما يؤثر التجفيف والتخزين في حالة الحبوب قبل التحميص، بينما تحدد طريقة التحميص جزءًا كبيرًا من الرائحة والنكهات التي تظهر بعد تعرضها للحرارة.
أما الطحن وطريقة التحضير، فيمثلان المرحلة الأخيرة قبل وصول القهوة إلى المستهلك، إذ يمكن أن يؤدي اختلاف درجة الطحن أو كمية الماء أو مدة الاستخلاص إلى تغيير واضح في النتيجة النهائية.
وبذلك تمتد سلسلة القيمة من الحقل إلى الفنجان، ويصبح المنتج النهائي حصيلة مراحل مترابطة يشارك فيها أشخاص من تخصصات مختلفة، لكل منهم دور في الحفاظ على خصائص القهوة حتى تصل إلى صورتها التي يعرفها المستهلك.




























