اخبار قطر
موقع كل يوم -الخليج أونلاين
نشر بتاريخ: ٤ أب ٢٠٢٦
نيويورك- الخليج أونلاين (خاص)
لم يعد الحديث عن مضيق هرمز يقتصر على كونه ممراً بحرياً يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية، بل تحول خلال الأسابيع الأخيرة إلى واحد من أكثر الملفات تعقيداً في المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران. فالمعركة لم تعد تدور حول فتح المضيق أو إغلاقه، بل حول سؤال أكثر أهمية: من يملك حق إدارة الملاحة فيه؟ ومن هي الجهة التي ستشرف على حركة السفن التجارية في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم؟
وتكشف المعلومات التي أوردتها وكالة رويترز، إلى جانب ما نشرته صحيفة نيويورك تايمز، أن طهران ومسقط تناقشان ترتيبات جديدة لإدارة حركة السفن عبر المضيق، في خطوة تبدو محاولة لإعادة تشغيل الملاحة، لكنها في الوقت نفسه تمنح إيران حضوراً مباشراً في إدارة الممر الذي طالما اعتبرته إحدى أهم أوراق قوتها الاستراتيجية.
وبحسب المعلومات، فإن التصور المطروح يقوم على أن تدخل السفن القادمة إلى الخليج عبر ممر قريب من السواحل الإيرانية، بينما تغادر السفن الخليج عبر ممر ملاحي يقع بمحاذاة السواحل العُمانية. ووفق الرواية الإيرانية، فإن سلطنة عُمان ستتولى إصدار تصاريح المغادرة، ولكن بعد إخطار الجانب الإيراني، بما يضمن لطهران مراقبة حركة الملاحة، بل والتدخل عند الضرورة إذا اقتضت الظروف ذلك.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ تشير التسريبات إلى أن الترتيب يتضمن أيضاً فرض ما يسمى 'رسوم خدمات'، لا بوصفها رسوماً لعبور المضيق، وإنما مقابل خدمات تتعلق بأمن السفن، وحماية البيئة البحرية، وإدارة عمليات الملاحة. وتقول المصادر الإيرانية إن عائدات هذه الرسوم ستقسم بالتساوي بين إيران وسلطنة عُمان، وهو ما يمنح الاتفاق بعداً اقتصادياً إلى جانب بعده الأمني.
غير أن الرواية الأمريكية تختلف بصورة واضحة. فمسؤول أمريكي مطلع على المفاوضات نفى أن يتضمن أي اتفاق مستقبلي حصول السفن على موافقات أو تصاريح من إيران، كما نفى وجود أي رسوم مالية، مؤكداً أن أي ترتيبات ستكون مؤقتة وتهدف فقط إلى إعادة فتح الممر البحري أمام التجارة الدولية.
ويعكس هذا التباين حجم الخلاف الحقيقي بين الطرفين. فبينما ترى إيران أن الاتفاق يجب أن يكرس اعترافاً عملياً بنفوذها على المضيق، تصر واشنطن على أن يبقى مبدأ حرية الملاحة قائماً، دون أن يتحول إلى اعتراف بسيادة إيرانية على واحد من أهم الممرات البحرية الدولية.
وليس من قبيل المصادفة أن يصبح مضيق هرمز محوراً أساسياً في المفاوضات الحالية، فإيران تعتبر أن قدرتها على تعطيل الملاحة خلال الحرب الأخيرة أثبتت أنها تمتلك ورقة ضغط لا تقل أهمية عن برنامجها النووي أو نفوذها الإقليمي. ولذلك فإنها تسعى اليوم إلى تحويل هذه الورقة العسكرية إلى مكسب سياسي دائم، يضمن لها دوراً رسمياً في إدارة المضيق حتى في أوقات السلم.
في المقابل، تبدو إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب معنية بإعادة فتح المضيق بأسرع وقت، ليس فقط لتأمين إمدادات الطاقة العالمية، وإنما أيضاً لتخفيف الضغوط الاقتصادية التي تسبب بها إغلاقه، وهو ما يفسر قبولها بمناقشة ترتيبات كانت تبدو حتى وقت قريب غير مطروحة على طاولة التفاوض.
لكن هذا التوجه لا يحظى بإجماع داخل المؤسسات الأمريكية. فبحسب ما نقلته نيويورك تايمز، يبدي عدد من كبار المسؤولين في وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) تحفظات واضحة على الصيغة التي يجري بحثها، معتبرين أن منح إيران دوراً عملياً في إدارة الملاحة يمثل تنازلاً استراتيجياً قد يكرس نفوذها في المضيق بدلاً من تقليصه.
وتستند هذه المخاوف إلى واقع ميداني معقد، إذ ما تزال أجزاء من المضيق تحتوي على ألغام بحرية ومناطق تتطلب تنسيقاً أمنياً دقيقاً، وهو ما قد يفرض على السفن التجارية التواصل مع الجانب الإيراني بصورة أو بأخرى لضمان عبورها بأمان، الأمر الذي يمنح طهران نفوذاً عملياً حتى لو لم يُنص عليه رسمياً في أي اتفاق.
في المقابل، لا يخفي المسؤولون الإيرانيون أن الهدف من هذه الترتيبات يتجاوز الجانب الملاحي، فهم يرون أن الاتفاق يمثل اعترافاً عملياً بأن إيران ما زالت اللاعب الأهم في مضيق هرمز، وأن الحرب الأخيرة لم تنزع منها أهم أوراق قوتها، بل ربما عززت موقعها التفاوضي.
ويرى مراقبون أن ما يجري لا يتعلق بإدارة ممر بحري فحسب، بل بإعادة رسم ميزان القوى في الخليج. فقبول المجتمع الدولي بترتيبات تمنح إيران دوراً دائماً في إدارة المضيق يعني عملياً الاعتراف بأن أمن الملاحة في الخليج لا يمكن فصله عن التفاهم مع طهران، وهو ما قد يغير قواعد اللعبة التي حكمت المنطقة لعقود.
ولهذا تبدو المفاوضات حول مضيق هرمز أكثر من مجرد نقاش فني بشأن خطوط الملاحة، فهي في جوهرها تفاوض على النفوذ، وعلى شكل التوازنات الجديدة في الخليج، وعلى مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران بعد الحرب الأخيرة. وبين الرواية الإيرانية التي تتحدث عن شراكة في إدارة المضيق، والرواية الأمريكية التي تتمسك بحرية الملاحة دون وصاية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يولد من هذه التفاهمات نظام جديد لإدارة هرمز، أم أنها مجرد ترتيبات مؤقتة سرعان ما ستختبرها أي مواجهة عسكرية جديدة؟























