اخبار الصومال
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢٥ شباط ٢٠٢٦
تزايد عسكرة المنطقة يثير المخاوف مع احتمالات 'خطأ الحسابات' في ظل تحول القرن الأفريقي لساحة تنافس دولي حاد على النفوذ
في سياق إقليمي يتسم بسيولة التحالفات واحتدام التنافس على منطقة القرن الأفريقي ذات الأهمية الجيوسياسية العالية، يتحول الصومال بشكل متسارع إلى نقطة ارتكاز في معادلات الأمن الإقليمي مع تصاعد وتيرة الانخراطات الخارجية بشكل متزايد، وذلك بفعل موقعه الاستراتيجي المطل على خليج عدن وقربه من مضيق باب المندب، أحد أهم شرايين التجارة والطاقة عالمياً.
فالصومال الذي ظل لعقود ساحة لصراعات داخلية وتعاني مؤسساته هشاشة مزمنة، تحول بجغرافيته وتعقيدات أوضاعه إلى ساحة تنافس مفتوحة بين قوى إقليمية تتصارع في ما بينها على النفوذ والموانئ والقواعد العسكرية، ولم تعد عسكرة سياقاته تقتصر على مفاهيم 'بناء قدرات الجيش الوطني' أو تكثيف العمليات ضد الجماعات المسلحة، بل امتدت إلى اتفاقات دفاعية وبرامج للتدريب والتسليح، في حراك يجري في بيئة إقليمية مشحونة، حيث تتقاطع حسابات دول الجوار مع رهانات قوى إقليمية أوسع تسعى إلى تثبيت موطئ قدم دائم في القرن الأفريقي.
وأمام ما بات يصفه المراقبون بتحول مقديشو لـ'ساحة لإعادة هندسة موازين القوى'، لا مجرد عاصمة أفريقية تخوض معركة داخلية ضد 'التمرد'، أصبح كل تحالف عسكري جديد، أو اتفاقية دفاع ممتدة، تقرأ باعتبارها تحولاً في ميزان الردع أو تموضعاً موجهاً ضد أطراف بعينها، لتزداد معها احتمالات الصدام، أو انزلاق الأوضاع إلى 'صراع بالوكالة'، في ظل تعقد وتشابك الملفات بين قوى الداخل والخارج.
لم يكن استعراض الجيش المصري الأخير، لقواته المقرر مشاركتها في بعثة الاتحاد الأفريقي لحفظ السلام بالصومال، بحضور أعلى قيادات عسكرية في البلاد والرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، رسالة عابرة من القاهرة بشأن تموضع مقديشو في معادلة الحضور الخارجي لها.
فمصر التي وقعت مع الصومال اتفاقاً للدفاع المشترك، تتحسس منذ أعوام مصالحها 'المهددة' في منطقة القرن الأفريقي ذات الأهمية الاستراتيجية بالنسبة لها، لارتباطها المباشر بممرات الملاحة الدولية، واعتبار أي تغيير في ميزان النفوذ هناك يمكن أن يؤثر على حركة التجارة العالمية وعلى أمن قناة السويس، التي تشكل شرياناً حيوياً للاقتصاد المصري، حيث يمر من خلالها ما يقارب من 12 في المئة من التجارة العالمية، وتعد أحد أهم مصادر العملة الأجنبية للقاهرة.
ففي حسابات مصر، مثّل الحضور الإسرائيلي المتنامي في الصومال من خلال الاعتراف بإقليم أرض الصومال المعروف بـ'صوماليلاند' دولة مستقلة 'خطراً عليها' لما تحمله الخطوة من تمهيد لتشكيل تحالفات جديدة أو إقامة مزيد من القواعد العسكرية المناوئة لها في محيط الممرات البحرية الحيوية بالنسبة لها، فضلاً عن اعتبار مساعي إثيوبيا التي تشهد علاقاتها بمصر توتراً بسبب ملف سد النهضة، للوصول إلى منفذ على البحر الأحمر، تهديداً مباشراً لها.
ويقول نائب وزير الخارجية المصري الأسبق للشؤون الأفريقية السفير على الحفني، إن التعاطي المصري مع الأزمة الصومالية والتحديات في منطقة القرن الأفريقي 'يأتي انطلاقاً من حرصها على عدم تأثير هذه التعقيدات على الأمن الإقليمي أو الأمن القومي المرتبط ارتباطاً وثيقاً بمنطقة القرن الأفريقي'، مشيراً في حديثه لـ'اندبندنت عربية' إلى أن المصالح المصرية 'لم تقتصر فقط على تأثر الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس، وإنما أيضاً تتحرك في اتجاه السعي لدفع جهود التنمية على المستوي الاجتماعي والاقتصادي لتجاوز تراكمات الماضي التي تؤثر سلباً على مجمل دول الإقليم'.
ووفق الحفني، فإن 'ما يهم القاهرة في المقام الأول هو استقرار المؤسسات الوطنية في دول المنطقة وعدم اتساع الفوضى التي أثرت بشكل كبير على موارد وقدرات بلدانها أمام غياب الجهود الدولية والإقليمية الجادة لوقف التصعيد في تلك المناطق'، معتبراً أن منطقة القرن الأفريقي بشكل عام والصومال على وجه التحديد، 'تبقى منطقة حساسة ومهمة للغاية لكثير من القوى الدولية والإقليمية، وعليه فإن الدور المصري سواء من خلال التحرك الثنائي مع الدول في الإقليم أو من خلال المنظمات المعنية مثل الاتحاد الأفريقي والمستويين العربي والدولي والعمل من خلال القوات الموجودة هناك، كلها تحركات تهدف لتحقيق هذه الرؤية'.
وذكر الحفني أن 'مصر تسعي إلى دعم جهود مقديشو للحفاظ على مؤسسات الدولة وتحقيق التنمية واستعادة الاستقرار المفتقد والتركيز بصفة خاصة على التنمية'، معتبراً أن المشهد في الصومال وبصفة عامة منطقة القرن الأفريقي 'قابل لكافة الاحتمالات'، على حد وصفه، وأن 'التدخلات الخارجية واستغلال بعض الأطراف الداخلية لهذه التدخلات بالشكل الذي يحقق مصالح ضيقة لها على حساب الأمن الإقليمي أضرت بالأمن الوطني لعدد من الدول ومن بينها مصر'.
من جانبها، تضيف مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق للشؤون الأفريقية السفيرة منى عمرو، بعداً آخر للحسابات المصرية في 'حتمية تعزيز الحضور' في منطقة القرن الأفريقي والصومال، وهو المتمثل 'في اتساع رقعه الحروب بالوكالة في تلك المنطقة الحيوية لمصر، إثر تضارب وتباين مصالح الأطراف الدولية المنخرطة'، موضحة في حديثها معنا، 'ما يحدث في السودان من احتدام للحرب الأهلية واتساع انخراط الأطراف الخارجية بها أقوى مثال على ذلك، بعد أن قاد دعم قوى خارجية لطرف على حساب المؤسسات الوطنية للدولة من استمرار تأجج الموقف واشتعاله لما يتلقاه هذا الطرف من دعم سياسي وأمني وعسكري مستمر يبقى دوماً على قيد الحياة'.
ذلك المعطى يتوافق بشأنه، أستاذ العلوم السياسية بمعهد الدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة أيمن شبانة، قائلاً في حديثه إلينا، إن مصر 'تعتبر أن الخطر الأكبر على مصالحها هو انقسام وشرذمة الدول، وخصوصاً الصومال، وذلك في ظل الاعتراف الإسرائيلي الأول من نوعه بالإقليم الانفصالي صوماليلاند'، وتابع 'وعليه فإنه بالنسبة لمصر فإن حركتها وتدخلها عبر أدوات عدة يهدف لتأمين مصالحها في تلك المنطقة، التي ترى أن أمنها القومي يبدأ منها، لا سيما وأنها تجمع ملفين مصيرين للقاهرة، وهما حرية الملاحة في البحر الأحمر، ومياه نهر النيل، وهى ملفات حيوية ومصيرية لها'.
وأضاف شبانة 'مصر حريصة على تأمين مصالحها، وبالفعل باتت في صدد إرسال قوة إلى الصومال، لتعزيز وجودها ليس بشكل صدامي أو العمل على تعقيد المشاكل القائمة، وإنما لتكون جزءاً من الحلول بما يحفظ سيادة واستقرار الصومال ومؤسساتها الرسمية'.
في المقابل ووفق تقدير الكاتب والباحث الإثيوبي، أنور إبراهيم، فإن 'الحراك المصري المتنامي في منطقة القرن الأفريقي وتحديداً في الصومال يستهدف بالأساس محاصرة إثيوبيا، وهو أمر ليس بجديد'، وتابع في حديثه إلينا، 'تدرك إثيوبيا هذا الأمر جيداً، وبالتالي تتحرك في الاتجاه المضاد لمحاصرة التحركات المصرية'، معرباً عن اعتقاده بأن أي 'تحرك لدولة خارجية في المنطقة هو من أجل الحفاظ على مصالحها وتعزيز نفوذها، وفي ظل التعارض القائم فقد نشهد تنامي ظاهرة الحروب بالوكالة كما في السودان'.
على مدار الأعوام الأخيرة كان لافتاً تعزيز القاهرة لحضورها ووجودها في منطقة القرن الأفريقي، وذلك بعد أن عززت من علاقاتها الاقتصادية والسياسية والأمنية وحتى العسكرية مع دول الصومال وجيبوتي وإريتريا، وهي تحركات لطالما وصفتها أديس أبابا بأنها 'تستهدفها بشكل مباشر'، وهو ما تنفيه القاهرة.
وبالنسبة للصومال، عززت مصر علاقاتها مع الحكومة الفيدرالية عبر تعاون أمني وعسكري وتقديم دعم للتدريب والمعدات، بهدف الحفاظ على وحدة الصومال وخلق توازن ضد أي تمدد أجنبي يهدد مصالحها. فيما تعول مقديشو بدورها على الدعم المصري وكذلك التركي لمواجهة الأطماع الخارجية.
وجاءت أحدث تحركات القاهرة، من طريق إعلان الجيش المصري الأربعاء (11 فبراير الجاري) أن رئيس الصومال شهد اصطفاف القوات المشاركة ضمن 'بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم وحدة الصومال وأمنه وسلامة أراضيه'. وذلك بحضور وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش وعدد من قادة القوات المسلحة. معتبراً أن هذه الإجراءات 'عكست مدى الجاهزية والاستعداد القتالي لكافة الأسلحة والتخصصات'، وأعقبتها أنشطة تدريبية، وعرض لنماذج من المركبات المشاركة بالمهمة.
ونقل المتحدث باسم الجيش المصري غريب عبدالحافظ، تصريحات الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي خلال لقاء أخير جمعه مع نظيره الصومالي، قوله إن 'مصر ماضية في استكمال نشر قواتها ضمن البعثة، في إطار التزامها تجاه القارة الأفريقية، وفى ظل حرصها على تحقيق الأمن والاستقرار، في كافة ربوع الصومال'.
دفعت التدخلات الخارجية المتزايدة في منطقة القرن الأفريقي والصومال بشكل خاص تلك المنطقة إلى التحول نحو ساحة اشتباك مفتوحة بين قوى إقليمية تتنافس على النفوذ والموانئ والقواعد العسكرية. عند مدخل البحر الأحمر الجنوبي، ولم يعد التنافس بينها خفياً أو متوارياً، بل بات أكثر وضوحاً وتضارباً.
ومن بين البؤر الصومالية التي شهدت تركيزاً في الفترة الأخيرة، إقليم صوماليلاند وأزمته المعقدة مع الحكومة المركزية في الصومال، الذي وعلى رغم أن هذا الملف يعود بجذوره إلى تسعينيات القرن الماضي، فإن صراع التنافس انطلاقاً من جغرافيته، وبصورة مباشرة أو غير مباشرة بات أبرز ما يجتذب مزيداً من الانخراطات الدولية في المنطقة، لتأخذ أبعاداً وأشكالاً جديدة.
وفي تقدير الكاتب والباحث الإثيوبي أنور إبراهيم، فإن منطقة القرن الأفريقي (تشمل دول الصومال، إثيوبيا، جيبوتي، إريتريا، وكينيا) بشكل عام والصومال على وجه الخصوص 'تحولت لأرض صراعات بالوكالة بين تحالفات عدة متباينة، معتبراً في حديثه لـ'اندبندنت عربية' أن 'حجم التنافس وتضارب المشاريع والمصالح في ظل الديناميكيات المتسارعة لحركة الأطراف الفاعلة قد تقود لتغير شكل التحالفات القائمة وقد تتغير وتظهر أخرى جديدة في المستقبل'.
وأوضح إبراهيم أنه بالنسبة للتيارات أو التحالفات الراهنة في هذه البقعة الجغرافية 'تحكمها بشكل رئيس المصلحة والسعي للهيمنة الأمنية والعسكرية وتعزيز النفوذ'، معتبراً أن تلك التدخلات 'تضر بصورة عامة بمنطقة القرن الأفريقي ودولها التي في الأصل هشة، وأن أي صراع قد يزيد من التأثير فيها سلباً، لا سيما أن الواقع الجيوسياسي في حد ذاته يشهد تغيرات كبيرة من وقت لآخر'، مشيراً في ذلك إلى الخلافات التي تحكم العلاقة بين إثيوبيا والصومال بسبب إقليم صوماليلاند، وكذلك التوترات التي تحكم علاقات أديس أبابا وأسمرة، وكذلك مع كل من الخرطوم والقاهرة، معتبراً أن هذه التوترات 'تدفع بدول المنطقة إلى التقارب أو التباعد عن هذا الحلف أو ذاك، وهو ما يقود في النهاية لتهديد مصالح حكومات الدول في منطقة القرن الأفريقي، متجاوزة الثوابت والروابط السياسية والاجتماعية والتاريخية التي بقيت قائمة في تلك المنطقة لآلاف السنين'.
من جانبه يقول أستاذ العلوم السياسية بمعهد الدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة أيمن شبانة، إن 'أهمية منطقة القرن الأفريقي الاستراتيجية تنبع من إشرافها على ممر ملاحي دولي، وعليه فإن التكالب عليه وارد وقائم'، مشيراً في حديثه معنا إلى سعي 'كل دولة لتحقيق مصالحها وفق رؤيتها، كما الحال بالنسبة لإثيوبيا الساعية للوصول إلى الحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر المحافظة على تفوقها النوعي كقوة إقليمية في المنطقة، فيما تختلف مصالح البلدان الأخرى بين من يتحرك باتجاه تأمين واردات المعادن والطاقة، وبين من يسعي لتأمين الملاحة في ذلك الممر الاستراتيجي، أو أخرى تسعى لتأمين لتأمين استقرار المنطقة لأسباب اقتصادية وتجارية'.
وذكر شبانة أن 'القرن الأفريقي شهد أخيراً تطورات نوعية على رأسها الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال ومن قبلها الاتفاق بين إثيوبيا وأرض الصومال عبر التوقيع على مذكرة تفاهم تضمن وصول أديس أبابا إلى البحر في عام 2024، وأن كل هذه التطورات يدفع الأطراف الأخرى لتسريع وتيرة حركتها للحفاظ على موطئ قدمها ونفوذها ومصالحها'، موضحاً 'في هذا الإطار تبقى المنافسة قائمة ومشتعلة بين الدول الإقليمية والدولية لتأمين النفوذ وتعظيم المصالح في تلك المنطقة، وأن تأثير هذا الأمر يتجاوز جغرافيا الإقليم إلى ما هو أبعد على المستويين الإقليمي والدولي'.
ورغم إعلان إقليم 'صوماليلاند' انفصاله عن الصومال عام 1991 في أعقاب انهيار الدولة المركزية، فإن المجتمع الدولي التزم بمبدأ عدم الاعتراف به طوال العقود الماضية، وذلك انطلاقاً من وحدة الصومال باعتباره ضمانة لاستقرار الإقليم ومنع تفكك الدول الهشة، إلى أن حاولت بشكل معلن كل من إثيوبيا وإسرائيل كسر هذا المبدأ، وبينما لم تكتمل خطوة أديس أبابا قبل عامين، جاءت خطوة تل أبيب أخيراً لتكسر هذه الحالة وتكون أول دولة تعترف بالإقليم كدولة مستقلة.
ومضى شبانة في حديثه، 'في ما يتعلق بالحالة الصومالية والانقسام القائم بين أقاليمها، نجد مثلاً أن العالم يتعامل فعلياً مع صوماليلاند أنها سلطة أمر واقع، مع وجود دول عملياً تسعى إلى ترسيخ هذا الأمر لاستفادتها منه، لكنها في الوقت ذاته لا تريد الاعتراف بالإقليم الانفصالي حتى لا تتحمل المسؤولية السياسية العالية الخاصة بتفكيك دولة والتدخل في سيادتها والمرفوض أفريقياً دولياً'، وتابع 'هناك ترتيبات متسارعة في القرن الأفريقي إلا أن كل طرف يسعى إلى تأطيرها وفق مصالحه'.
في المقابل أرجع الباحث والكاتب السوداني قذافي منهل جمعة، تفاقم التوترات في الصومال ومنطقة القرن الأفريقي، إلى الدور الإثيوبي المزعزع للاستقرار بها، لا سيما أما تحركها المتواصل للحصول على منفذ على البحر الأحمر من دون أي اعتبارات أخرى متعلقة بسيادة واستقرار البلدان المتشاطئة عليه، قائلاً في حديثه معنا إن 'إثيوبيا رغم مكانتها الأفريقية فإنها ومنذ فترة سعت لزعزعة استقرار بلدان القرن الأفريقي، وأن ما يزيد من تعقيد تحركاتها الجيوسياسية هو تعاونها المتزايد مع دول تكن عداوة ظاهرة إلى بلدان فاعلة في المنطقة لا سيما مع إسرائيل'.
وأوضح جمعة، 'ما من شك أن التعاون القائم بين إثيوبيا وإسرائيل، يهدف لزعزعة استقرار بلدان القرن الأفريقي، ويستهدف إضعاف ومحاصرة دول بعينها مثل مصر، وهو أمر يزيد من تعقيد المشهد في منطقة القرن الأفريقي'.
في وقت لم يعد فيه التنافس في منطقة القرن الأفريقي، مقتصراً على القوى العالمية، حيث تنامي ظاهرة دخول الفاعلين الإقليميين الساعين لتوسيع دوائر تأثيرهم عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، تترقب الأنظار تداعيات وتبعات تلك المنافسات المحمومة، وبخاصة وأن أغلبها متعارض مع بعضه، مما دفع المنطقة وكأنها تدخل مرحلة 'عسكرة النفوذ' لإعادة هندسة التوازنات السياسية والاقتصادية.
وحول سيناريوهات التصعيد ومستقبل المشاريع العديدة المتناقضة، قال أستاذ العلوم السياسية بمعهد الدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة أيمن شبانة، 'علينا أن نسأل أولاً هل القوى الإقليمية المتنافسة في تلك المنطقة يجمعهم تنسيق ما'، ليجيب، 'لا أعتقد ذلك، بل واقع الأمر أن هناك منافسة محمومة، وإن كانت كل دولة لديها محددات تقيد حركتها على سبيل المثال إثيوبيا مقيدة بملف سد النهضة الخلافي مع كل من مصر والسودان، وتركيا مقيدة في حركاتها بالمصالح التي تجمعها بدول الإقليم مثل إثيوبيا ومصر ودول الخليج وغيرها، فيما الولايات المتحدة تعمل على توظيف هذا الملف لمصلحة إسرائيل وحلفائها في المنطقة مما يعني أن القرن الأفريقي في ظل تلك التعقيدات مرشح لمزيد من التدهور والتوترات'.
وعن كثرة الانخراطات الأجنبية في الصومال، وظهور ما يشبه التحالفات المتقابلة المصالح، أوضح شبانة 'لا يمكننا وصف التدخلات الأجنبية في الصومال بأنها تحالفات متقابلة بقدر ما يمكن تسميتها وجود تيارين رئيسين للتدخل، الأول يشدد على وحدة أراضي الصومال وعدم تقسيم الدولة، وتيار آخر يعمل على تعظيم مصالحه من دون النظر إلى أي ثوابت أخرى'، معرباً عن اعتقاده في ذات الوقت، باستبعاد الصدام بين هذين التيارين أو وصولها إلى ما يشبه النزاع المسلح الممتد، الذي 'يضر بكافة الأطراف'، على حد وصفه.
واعتبر شبانة أن 'ما يحدث في الصومال يؤثر بالتأكيد على بقية المشاكل والتحديات في المنطقة، في ما يتعلق بالحرب الأهلية في السودان، أو ملف مياه النيل وسد النهضة الإثيوبي، فضلاً عن أنه يزيد من حالة الاستقطاب وعدم الاستقرار في المنطقة، ويؤثر كذلك سلباً على إمكانيات التعاون'.
من جانبه ذكر نائب وزير الخارجية المصري الأسبق السفير على الحفني، أن 'الوضع في الصومال يصبغه بشكل رئيس تفشي الفوضى وعدم الاستقرار منذ سقوط نظام سياد بري قبل أكثر من 30 عاماً'، معتبراً في حديثه معنا أن 'تلك اللحظة هي التي شهدت بداية التدخلات الأجنبية الكثيرة في المنطقة ولاحقاً تضارب المشاريع وتنافسها'.
وأوضح الحفني، 'منذ تلك الفترة وتدريجاً تجاوزت الفوضى المنتشرة في الصومال على ما هو أبعد من ذلك، مثل انتشار ظاهرة القرصنة البحرية، وبداية انتشار الإرهاب العابر للحدود، فضلاً عن تنامي ظاهرة الانقسامات الداخلية بين الصوماليين أنفسهم على خلفية انقسامات عرقية وقبلية'، وتابع 'خلال الأعوام الأخيرة بدت الأزمة أكثر تعقيداً في الصومال ومنطقة القرن الأفريقي، بعد أن تداخلت مع التوترات في منطقة الشرق الأوسط وتحديداً تنامي النفوذ الإيراني في المنطقة ووصوله على اليمن على الجانب الآخر من البحر الأحمر'، وأضاف 'وانطلاقاً من هذا السياق ازداد الأمر تعقيداً عاماً بعد الآخر، وكلما زاد التعقيد تفاقمت مستويات التدخلات والانخراطات الأجنبية في المنطقة'.
وذكر الحفني 'وفق مصالح كثير من الدول فإن أمن الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر هي مصلحة مصيرية، وأمام الحفاظ على هذا الأمر سعت كثير من القوى الإقليمية والأجنبية لتحقيق رؤيتها ومشاريعها حتى لو كانت على حساب الأمن الإقليمي والوطني في منطقة القرن الأفريقي'.
الاتجاه ذاته، ترى السفيرة منى عمر أن 'التنافس الدولي الموجود حالياً، اكتسب وجهاً جديداً لأنه مع الظروف الموجودة في الشرق الأوسط، وبما أن الصومال على باب المندب وخليج عدن والجزء الجنوبي في البحر الأحمر، ووجود الحوثيين مروراً بما يحدث في السودان وغزة، كل هذه الظروف أدت إلى تمركز كثير من الأساطيل الأجنبية الموجودة في المياه الدولية في تلك المنطقة'، مرجحة أن تؤدي 'التدخلات والانخراطات المتعددة والمتضاربة إلى ما يعرف بتوازن الردع أكثر من أن تؤدي إلى التصعيد العسكري'.
وذكرت منى عمر أن التكالب الدولي على الصومال الذي يرجع بشكل رئيس إلى 'موقعها الاستراتيجي وبسبب ضعف نظام الحكم والمؤسسات بها مما ساعد على أن تكون مقديشو مطمعاً للحركات الإرهابية'، موضحة في حديثها أنه وبالنسبة للموقع الاستراتيجي ومع حكومة ضعيفة جعلها موضعاً للتنافس، وشاهدنا كثيراً من القوى الخارجية التي وُجدت في الصومال على مدار العقود الماضية'، مشيرة إلى حالة جيبوتي 'التي تحولت إلى منطقة تضم أكبر عدد من القواعد العسكرية الموجودة في القرن الأفريقي والبحر الأحمر بشكل عام'.
وأضافت منى عمر 'منذ عقود شاهدنا كثيراً من التدخلات الأجنبية في منطقة القرن الأفريقي والصومال على وجه الخصوص، شاهدنا الوجود الروسي من خلال الأمن والاقتصاد والتركي من خلال الاقتصاد والتنمية والتجارة، فضلاً عن دول الجوار الصومالي مثل كينيا وإثيوبيا التي لها وجود حتى عسكري واقتصادي وغيره، وأخيراً إسرائيل في صوماليلاند، وهذه القوى الأساسية المتنافسة، إضافة إلى دول الخليج كالسعودية والإمارات وغيرها'.
من جانبه، شدد الكاتب والباحث الإثيوبي أنور إبراهيم، على 'الطبيعة السلبية لأي تدخلات خارجية بأي منطقة في العالم، وتأثير ذلك سواء على المستوي المنظور أو البعيد، مما ينذر دوماً بزيادة في احتمالات الصدام بعد أن تحول القرن الأفريقي لساحة تنافس دولي حاد على النفوذ'، موضحاً 'لم تقدم التدخلات الخارجية وانخراطات الدول الأجنبية في القرن الأفريقي والصومال بشكل خاص سوى دفع المنطقة نحو مزيد من الصراعات والتوترات، فضلاً عن فتح الباب أمام تدخل مشاريع ذات أهداف وغايات كبرى في غير صالح المنطقة، كما الحال بالنسبة للدخول الإسرائيلي وإعلانها الاعتراف بإقليم صوماليلاند دولة مستقلة، ومن قبلها التنافس القائم بين كل من روسيا والصين والولايات المتحدة الأميركية، التي تقود في النهاية إلى مزيد من الانقسامات وتراجع دور المنظمات الإقليمية التي شاهدنا مدى فشلها في حلحلة الخلافات مثل الاتحاد الأفريقي والإيغاد وغيرها'.

















