اخبار قطر
موقع كل يوم -الخليج أونلاين
نشر بتاريخ: ١٠ كانون الثاني ٢٠٢٦
كامل جميل - الخليج أونلاين
الباحث في شؤون اللغة العربية د. فراس هاشم إدريس:
إطلاق كرسي 'تميم بن حمد' يعدّ استثماراً ثقافياً واستراتيجياً طويل الأمد في اللغة العربية وتراثها الحضاري
لا يمكن قراءة إطلاق كرسي 'تميم بن حمد لتعليم اللغة العربية والتراث الأندلسي' في جامعة غرناطة، بوصفه حدثاً ثقافياً عابراً، بل خطوة استراتيجية في معركة الحضور اللغوي والمعرفي.
هذا ما يتوضح من إعلان مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع عن إطلاق كرسي 'تميم بن حمد لتعليم اللغة العربية والتراث الأندلسي'، إذ أكدت أنه يأتي ليس فقط في إطار جهودها لتعزيز التبادل الأكاديمي والثقافي، بل وترسيخ حضور اللغة العربية في الأوساط العلمية العالمية أيضاً.
بحسب بيان أصدرته المؤسسة الأربعاء (7 يناير 2026) أُسس الكرسي بمبادرة من وزارة الخارجية القطرية وبالتعاون مع جامعة غرناطة الإسبانية، حيث جرى الإعلان عنه خلال الحوار الاستراتيجي الأول بين قطر ومملكة إسبانيا في يونيو 2024.
وفق ما جاء في البيان حول أهمية الكرسي فإنه:
يشكل خطوة مهمة في تعزيز التعاون الثقافي والعلمي بين البلدين.
يرسخ التبادل المعرفي بين مؤسسة قطر والمؤسسات الأكاديمية العالمية من خلال جامعة حمد بن خليفة.
دعم الأبحاث المتخصصة في اللغة العربية والتراث الأندلسي.
تعزيز دراسة اللغة العربية وفق المناهج الأندلسية التقليدية وربطها بالسياقات الأكاديمية الحديثة.
إجراء أبحاث في العمارة والفنون الأندلسية، وتاريخ غرناطة العلمي والثقافي.
تنظيم ندوات ومعارض تُسهم في تعزيز الحوار بين الثقافات والحفاظ على المخطوطات الأندلسية.
يسهم في إحياء الدور التعليمي والفكري للمدرسة اليوسفية، أحد أبرز الصروح العلمية التاريخية التي شهدت ازدهار الدراسات العربية والإسلامية.
وأكدت 'مؤسسة قطر' أن هذه المبادرة تندرج ضمن التزامها بدعم المعرفة الإنسانية وإبراز إسهامات الحضارة الإسلامية، وتعزيز حضور اللغة العربية عالمياً من خلال شراكات استراتيجية مع جامعات ومؤسسات بحثية مرموقة.
يتضح مما سبق، أن هذا الكرسي يعكس تحوّلاً في مقاربة الدبلوماسية الثقافية القطرية، التي لم تعد تكتفي بترويج اللغة بوصفها أداة هوية، بل تقدمها باعتبارها مادة بحثية حية، قابلة للتفاعل مع المناهج الحديثة، والعلوم الإنسانية المعاصرة، وشبكات البحث الدولية.
فالعربية، التي شكّلت يوماً لغة العلم في أوروبا، تعود اليوم عبر بوابة جامعية مؤثرة، وفي سياق أكاديمي منظم، يتجاوز التعليم إلى البحث والتأثير.
جول ذلك، قال رئيس جامعة حمد بن خليفة إن إطلاق الكرسي يعكس التزام مؤسسة قطر بتعزيز مكانة اللغة العربية وإبراز إرثها الحضاري، وتوسيع آفاق التعاون الأكاديمي مع المؤسسات الدولية.
من جانبه أكد رئيس جامعة غرناطة، بيدرو ميركادو باتشيكو، أن هذه المبادرة تمثل إضافة نوعية للتعاون العلمي بين الجانبين، وتبرز الدور التاريخي لغرناطة كمركز للعلم والثقافة.
وفي يونيو 2024،أعلنت قطر إنشاء كرسي تميم بن حمد لتعليم اللغة العربية والتراث الأندلسي في جامعة غرناطة بإسبانيا، وذلك على هامش الحوار الاستراتيجي الأول بين البلدين.
لم يأتِ اختيار غرناطة لكونها تحمل تفصيلاً جغرافياً أو رمزياً فحسب، بل رسالة معرفية عميقة.
فالاختيار هذا يستدعي مدينة كانت يوماً مختبراً علمياً مفتوحاً، ومركزاً لتلاقح العلوم العربية والإسلامية مع أوروبا، لتعود اليوم إلى لعب دور مشابه، ولكن بأدوات القرن الحادي والعشرين.
ومن بين أبرز الخصائص التي كانت تتميز بها غرناطة:
شكّلت إحدى أبرز العواصم العلمية في الأندلس، إلى جانب كونها آخر معاقل الحكم الإسلامي فيها.
احتضنت المدينة مدارس نظامية وزوايا علمية ومكتبات عامة وخاصة ضمّت آلاف المخطوطات.
تنوعت مجالات المعرفة في غرناطة بين الطب والفلك والرياضيات والفلسفة وعلوم اللغة.
تحوّل قصر الحمراء إلى مركز ثقافي التقى فيه العلماء والأدباء والفقهاء.
برز علماء غرناطيون أسهموا في تطوير العلوم العقلية والطبيعية ونقلها للأجيال اللاحقة.
مثّل لسان الدين بن الخطيب نموذجاً للعالم الموسوعي في الطب والفلسفة والتاريخ.
ساهم فلكيو غرناطة في تطوير الجداول الفلكية وأدوات الرصد العلمي.
لعبت المدينة دوراً محورياً في انتقال العلوم العربية إلى أوروبا عبر الترجمة والاحتكاك العلمي.
استفادت الجامعات الأوروبية الناشئة من الإرث العلمي القادم من غرناطة بعد سقوط الأندلس.
يرى الباحث في شؤون اللغة العربية د. فراس هاشم إدريس، أن إطلاق كرسي تميم بن حمد لتعليم اللغة العربية والتراث الأندلسي في جامعة غرناطة يحمل دلالات ثقافية تتجاوز الإطار الأكاديمي التقليدي.
وأوضح إدريس في حديثه لـ'الخليج أونلاين' أن 'الكرسي' يعيد وصل البحث العلمي المعاصر بالذاكرة الأندلسية بوصفها إحدى أبرز محطات الإسهام العربي في تاريخ المعرفة الإنسانية.
من جانب آخر، يؤكد إدريس أن إحياء إرث مؤسسات علمية أندلسية، مثل مدرسة اليوسفية، يعيد تثبيت موقع العربية بوصفها لغة علم وحاضنة فكر عالمي، لا لغة محصورة في فضاء جغرافي أو ثقافي محدد.
وعلى المستوى الاستراتيجي، أوضح أن أهمية الشراكة بين قطر وجامعة غرناطة تتمثل بكونها:
- تجسد رؤية ثقافية بعيدة المدى.
- تجعل اللغة العربية محوراً للحوار الأكاديمي بين الشرق والغرب وأداة فاعلة في بناء الجسور الحضارية.
- تعميق الفهم المتبادل بين المجتمعات العربية والأوروبية.
- تعزيز الدبلوماسية الثقافية القائمة على الحوار الفكري والمعرفي.
أما على المدى البعيد، فيؤكد إدريس أن الكراسي الأكاديمية من هذا النوع لا تبقى حبيسة الجامعات، مبيناً أنها:
تترك أثراً ممتداً في رفع مكانة العربية داخل الأوساط العلمية العالمية، وتعزيز الاعتراف بها كلغة بحث ومعرفة.
تسهم في إثراء الدراسات الإنسانية، بما يفتح مسارات جديدة للتفاعل المعرفي بين الثقافات.
ويضيف أن وجود كرسي متخصص في جامعة أوروبية مرموقة يعمل على:
تشجيع غير الناطقين بالعربية على تعلمها.
يدفع العربية إلى فضاء النقاش الأكاديمي العالمي.
تعزيز صورة العالم العربي بكونه مصدراً حضارياً غنياً.
تأكيد دور العربية في إنتاج المعرفة وبناء الحوار بين الشعوب.
ويخلص إدريس إلى أن إطلاق كرسي 'تميم بن حمد' يعدّ استثماراً ثقافياً واستراتيجياً طويل الأمد في اللغة العربية وتراثها الحضاري، يعيد تأكيد مكانتها لغةَ علم ومعرفة في عصر العولمة.























