اخبار الجزائر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١ حزيران ٢٠٢٦
وثيقة برلمانية فرنسية أسقطت كل التعديلات وأبقت على شروط مشددة مقابل تسهيلات في منطقة بولينيزيا بالمحيط الهادئ
بعد هدوء موقت، عاد ملف تعويض ضحايا التفجيرات النووية الفرنسية في صحراء الجزائر ليفتح نقاش الذاكرة بين البلدين من جديد. وعلى رغم موافقة البرلمان الفرنسي على إعادة 'منهوبات' مستعمراتها السابقة إلى أهلها، كشف تقرير رسمي صادر عن لجنة الشؤون الخارجية والدفاع والقوات المسلحة بمجلس الشيوخ الفرنسي، عن رفض باريس تعديلات تصب في اتجاه توسيع التعويضات إلى الضحايا الجزائريين.
وأشارت الوثيقة الفرنسية إلى أنه جرى الإبقاء على شروط التعويض الخاصة بالجزائر من دون أي توسيع، مع إسقاط تعديلات كانت تصب في هذا الاتجاه، مقابل إدخال مقترحات واسعة لمصلحة المتضررين من التفجيرات النووية الفرنسية في منطقة بولينيزيا بالمحيط الهادئ. وذكرت الوثيقة أن لجنة التحقيق التابعة للبرلمان التي أنهت أعمالها في يونيو (حزيران) 2025، أوصت بإعادة منطق المسؤولية الكاملة للدولة، مع توسيع نطاق الاستفادة وإلغاء بعض القيود التي حالت دون قبول آلاف الملفات، غير أن هذه التعديلات ركزت أساساً على وضعية بولينيزيا الفرنسية، بينما أبقت وضعية الصحراء الجزائرية من دون تعديل جوهري.
كذلك حذفت اللجنة مادة جرى إدراجها تهدف إلى إعداد تقرير حول التجارب النووية في الجزائر، يتضمن جرداً لجميع التفاصيل والمعلومات المتوافرة حول سياسة التجارب النووية الفرنسية في الجزائر، ويضم قائمة مرجعية بالمصادر التاريخية والعلمية الرئيسة حول الموضوع، إضافة إلى خريطة للمجموعات الأرشيفية المعروفة.
وعلى العكس، وسع مشروع القانون نطاق التعويض في منطقة بولينيزيا الفرنسية ليشمل كامل أراضيها خلال فترة التجارب الجوية بين 1966 و1974، مع إدراج فئات جديدة من الضحايا بينهم المتضررون بطرق غير مباشرة وأبناء النساء اللاتي تعرضن للإشعاعات أثناء الحمل، إضافة إلى مراجعة قرارات الرفض السابقة وإعادة دراسة أكثر من 1000 ملف جرى رفضه، وهو 'ما يؤكد استمرار المقاربة الانتقائية لفرنسا في معالجة ملف ضحايا التفجيرات النووية التي أجرتها في صحراء الجزائر خلال الحقبة الاستعمارية'، بحسب ناشطين.
وختم التقرير أن فرنسا أجرت ما مجموعه 210 تجارب نووية بين عامي 1960 و1966، بينها 17 تجربة في الصحراء الجزائرية، تضمنت أربع تجارب جوية بمنطقة رقان بين 1960 و1961، و13 تجربة تحت الأرض بمنطقة عين إيكر بين 1961 و1966، قبل نقل مركز التجارب النووية إلى بولينيزيا الفرنسية.
ويظهر جلياً أنه بعد مرور 16 عاماً على قانون 'موران' الذي سمح بتعويض المتضررين من التجارب النووية الفرنسية، وعلى رغم أنه لم يحقق شيئاً للجزائر على عكس منطقة بولينيزيا، تبقى مسألة التعويض تراوح مكانها، مما بات يطرح استفهامات حول أسباب رفض باريس تعويض الجزائريين المتضررين من تجاربها النووية.
ويحتل ملف التجارب النووية الفرنسية بالجزائر مرتبة متقدمة على قائمة الملفات التي ما زالت تكبح تقدم العلاقات وصفاء الأجواء الجزائرية - الفرنسية.
وبحسب المتخصص في العلاقات الدولية سعيد كروش فإن العراقيل التشريعية التي وضعتها باريس في معالجة طلبات التعويض أثرت في إقبال الجزائريين على الخطوة، إذ إنه لم يتقدم إلا تسع رعايا جزائريين فقط عام 2022. أيضاً قانون 'موران' أصبح يكبح أية محاولة لطلب التعويض، وقال إنه عام 2023 رفضت محكمة فرنسية طلبات التعويض المقدمة من أقارب أشخاص لقوا حتفهم نتيجة للتجارب النووية التي أجرتها باريس في الصحراء الجزائرية بحجة أن قانون 'موران' لا يشمل أقارب الضحايا.
وأوضح كروش أن 'السلطات الاستعمارية الفرنسية استعملت 42 ألف جزائري، من بينهم أسرى، ’فئران تجارب‘ في تفجيرات عام 1960'، مضيفاً أن النفايات وبقايا التفجير تسببا في هلاك 60 ألف جزائري بين 1960 و1966، وانتقد تجاهل فرنسا أرشفة أو حفظ هويات الضحايا.
من جانبه يرى المتحدث الرسمي باسم 'الحملة الدولية للقضاء على الأسلحة النووية' باتريس بوفيريت، التي تضم أكثر من 570 منظمة دولية غير حكومية، وتوجد عبر 105 دول، أن غياب الإرادة السياسية لدى السلطات الفرنسية هو السبب الرئيس وراء استمرار التجاهل، وقال في تصريحات لوسائل إعلام فرنسية إنه 'كثيراً ما ادعت باريس أن تجاربها كانت نظيفة'، مشيراً إلى أن معظم التجارب النووية الفرنسية في الصحراء استمرت بعد استقلال الجزائر، في إطار اتفاقات 'إيفيان' بين الحكومة الجزائرية الموقتة والسلطات الاستعمارية الفرنسية وأدت إلى وقف إطلاق النار، مما يفسر أيضاً صعوبة التقدم في إدارة هذا الملف.
وأوضح بوفيريت بخصوص مخاوف فرنسية من ملاحقة قانونية وراء رفض التعويض، أنه ثبتت مسؤولية السلطات الفرنسية، وأصبح الأمر يتعلق بتحمل عواقب الانفجارات من خلال توفير العناية الحقيقية بالمشكلات الصحية التي واجهها ليس فقط السكان، ولكن أيضاً الأجيال التالية الذين يمكن أن يطاولهم الضرر أيضاً، مشدداً على صعوبة تنظيف كل الإشعاعات المتناثرة في الصحراء بفعل تلك التفجيرات، إذ كان على فرنسا قبل مغادرتها القواعد العسكرية أخذ كل النفايات النووية وغير النووية الناتجة من التجارب.
وأمام استمرار رفض باريس تعويض المتضررين الجزائريين من تفجيراتها النووية، طالبت هيئتان فرنسيتان معنيتان بالقضاء على الأسلحة النووية، الرئيس إيمانويل ماكرون بتحمل مسؤولياته في ما يتعلق بالإرث الإشعاعي في الجزائر، وقالت 'الحملة الدولية للقضاء على الأسلحة النووية' و'مرصد التسلح' إنه من الصادم أن التفجيرات التي وقعت منذ أكثر من 65 عاماً في جنوب الصحراء لا تزال لها عواقب إنسانية وبيئية وتشكل أخطاراً على الأجيال الصاعدة.
ودعت الهيئتان، ماكرون بصورة عاجلة، إلى تسهيل رفع دعاوى التعويض عن الجزائريين، والوصول إلى الأرشيف الطبي الذي تحتفظ به مصلحة الأرشيف الطبي الاستشفائي التابعة لوزارة الجيوش الفرنسية، وشددتا على أنه من الضروري تزويد الجزائر باللائحة الكاملة للأماكن التي دفنت فيها النفايات مع موقعها الدقيق، ووصف المعدات المدفونة، إضافة إلى نشر البيانات المتعلقة بالمناطق الملوثة إشعاعياً ودراسة سبل تطهير تلك المناطق بالتعاون مع السلطات الجزائرية.
ولمواجهة الضرر النووي المتواصل على الإنسان والحيوان والبيئة، أعلنت وزارة الدفاع الجزائرية منذ أسابيع، إطلاق أول عملية تطهير جزئي لمواقع التفجيرات النووية انطلاقاً من منطقة عين إيكر بمحافظة تمنراست، معتمدة على خبرات وتجهيزات محلية، حيث جرى تسخير الإمكانات البشرية والعتاد لجمع وتخزين النفايات داخل حاويات خرسانية معدة لهذا الغرض مع مراعاة إجراءات الأمن والسلامة.
وسبق أن انتقد الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون عدم قيام الفرنسيين بأية مبادرة لتطهير مواقع التجارب النووية في جنوب البلاد، أو تطهير مواقع التجارب الكيماوية والبيولوجية، وقال في مقابلة مع صحيفة 'لوبوان' الفرنسية، 'نطلب من فرنسا تنظيف مواقع التجارب النووية، ونأمل منها معالجة ملف ضحاياها'.
وبحسب مؤرخين، فإنه بين 1960 و1966 أجرت السلطات الاستعمارية الفرنسية سلسلة تفجيرات نووية في الصحراء الجزائرية، 4 فوق الأرض و13 تحتها، وأجرت بعض التفجيرات بعد الاستقلال عام 1962.
بينما ذكرت جهات أن الصحراء الجزائرية استعملت بين الـ13 من فبراير (شباط) 1960 والـ16 من فبراير 1966، مسرحاً لـ57 تفجيراً وتجربة واختباراً نووياً.




















