اخبار الجزائر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٧ نيسان ٢٠٢٦
تشمل زي 'البلوزة' التقليدي و'الأغاني المقدسة للمداحات' إلى جانب ملف 'الألعاب الذهنية التقليدية على الرقعة'
في خطوة جديدة تعكس طموحها الثقافي وجهودها المتواصلة في صون هويتها الوطنية وتراثها الحي، أودعت الجزائر 3 ملفات ترشيح رسمية لدى منظمة 'اليونيسكو'، بهدف إدراج عناصر حية من تراثها الثقافي غير المادي ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية.
وتشمل هذه الملفات الجديدة زي 'البلوزة' التقليدي، ولا سيما البلوزة الوهرانية التي تمثل رمزاً أصيلاً للأناقة والتراث في الغرب الجزائري الكبير، و'الأغاني المقدسة للمداحات' التي تجسد عمق البعد الروحي والديني في الثقافة الجزائرية، إلى جانب ملف 'الألعاب الذهنية التقليدية على الرقعة' الذي يضم ألعاباً شعبية عريقة مثل 'الخربقة' أو 'السيجة'، و'الدامة'، و'المنقلة'.
فهل يقتصر الأمر على الاعتراف الدولي بالتراث الجزائري، أم أن الهدف يتجاوز ذلك إلى تعزيز الهوية الوطنية، وحماية هذه العناصر من الاندثار، وتعزيز السياحة الثقافية، ونقل هذا التراث إلى الأجيال الجديدة؟ وإلى أي مدى يمكن لهذه التسجيلات أن تساهم في تعزيز حضور الجزائر على الساحة الثقافية الدولية؟
وأعلنت وزارة الثقافة والفنون عن إيداع ملفات ترشيح رسمية لعدة عناصر من التراث الثقافي غير المادي الجزائري، بهدف إدراجها ضمن قوائم التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو).
وترأست وزيرة الثقافة والفنون مليكة بن دودة المراسم الرسمية لإيداع هذه الملفات في مقر المركز الوطني للبحوث في عصور ما قبل التاريخ والأنثروبولوجيا والتاريخ.
وبحسب بيان لوزارة الثقافة، يتصدر هذه الملفات ملف 'فن البلوزة وتزيينها بالغرب الجزائري: معارف ومهارات ومراسم'، الذي يبرز المهارة الحرفية العريقة والطقوس الاجتماعية المرتبطة بهذا اللباس التقليدي الذي يُعد رمزاً التجذر الثقافي الجزائري، حيث يحمل في طياته ذاكرة نساء الغرب الجزائري ويجسد صرحاً جمالياً يتحدى الزمن.
وتضمنت الملفات المودعة 'الأغاني المقدسة للمداحات'، التي تمثل تراثاً شفهياً نسوياً محافظاً على الألق الروحي والمديح النبوي عبر القرون، إلى جانب ملف 'الألعاب الذهنية التقليدية على الرقعة' مثل الخربقة (السيجة)، والدامة، والمنقلة.
ويأتي هذا الإيداع بعد تسجيل الجزائر 13 عنصراً سابقاً بين عامي 2008 و2024، آخرها 'الزي الاحتفالي النسوي للشرق الجزائري الكبير' (القندورة والملحفة وما يرتبط بها) الذي أُدرج رسمياً في ديسمبر 2024 خلال الدورة الـ19 للجنة الدولية الحكومية لصون التراث الثقافي غير المادي في أسنسيون بباراغواي.
وأكدت وزارة الثقافة والفنون أن 'هذا الإنجاز يعكس التزام الدولة الجزائرية بتحصين الهوية الوطنية، والترويج لموروثها الثقافي على الصعيد الدولي، ليبقى مفخرة للأجيال الحالية والمستقبلية، وإرثاً إنسانياً محمياً بقوة التاريخ والإشعاع العالمي'. ويركز الملف على البلوزة الوهرانية واللباس التقليدي النسوي الفاخر في الغرب الجزائري، الذي يجسد مهارات الخياطة والتطريز والزخارف الذهبية والفضية.
و'البلوزة' زي يُرتدى في المناسبات الاحتفالية والاجتماعية، ويُعد رمزاً للأناقة والتراث المحلي. سبق أن أُشير إلى جهود تسجيله منذ سنوات، لكنه يُقدم الآن كملف مستقل أو مكمل للزي الشرقي الجزائري الذي تم تسجيله.
ويبرز هذا الملف فن المداحات، وهن النساء اللواتي يؤدين الأغاني الدينية والروحانية في الزوايا والمناسبات الدينية والاجتماعية، حيث تعتمد هذه الأغاني على التراث الصوفي والشعبي الجزائري، وتنقل معارف ومهارات شفوية تُمارس منذ أجيال، مع دور اجتماعي وروحي بارز في تعزيز التماسك المجتمعي.
أما ملف الألعاب الذهنية التقليدية على الرقعة، فهي تشمل 'الخربقة/ السيجة' وهي لعبة استراتيجية عربية قديمة تعتمد على الذكاء والتخطيط، إلى جانب 'الدامة'، وهي لعبة تعتمد على الذكاء تشبه الشطرنج، ولكنها مختلفة عنها فهي تعتمد على تكتيكات تختلف تماماً عن الشطرنج ولها أسلوب مختلف، وهي تعد لعبة شعبية. أما 'المنقلة' فهي لعبة لوحية تراثية قديمة، تعتمد على الحساب والذكاء، يمارسها لاعبان بهدف تجميع أكبر عدد من الحصى في حفرة الهدف الخاصة بهما.
وأعلن وزير الثقافة السابق زهير بللو أن الجزائر تعمل على إعداد هذا الملف باسم المجموعة العربية، بهدف تقديمه كعنصر مشترك يعكس التراث الثقافي العربي المشترك، مع دراسة أولية تمهيداً للإيداع.
وقال إن الجزائر تسعى أيضاً، على المستوى الإقليمي العربي، إلى 'اقتراح ملفات مشتركة جديدة أخرى'، من بينها ملف 'السعفات والألياف النباتية: التقاليد الحرفية والممارسات الاجتماعية'، وملف 'صناعة العود والعزف عليه'، وكذا ملف 'حرفة الفخار التقليدية: المهارات والممارسات المرتبطة بها'.
وتقول فايزة رياش، الباحثة في علم الآثار، إن أهمية تسجيل هذه العناصر من التراث الثقافي غير المادي الجزائري تتمثل في تعزيز الهوية الوطنية، إذ يسهم هذا التسجيل في إعادة الاعتبار للموروث الثقافي غير المادي وحمايته من الإندثار والاستيلاء من طرف الغير.
وأوضحت رياش في تصريحات صحافية أن الجزائر بذلت جهوداً دولية بخصوص ملف الألعاب التقليدية بالتنسيق مع 13 دولة، وأسهمت في ملفات أخرى كملف الري التقليدي وأيضا ملف الفخار العربي.
وأضافت أن هذه الملفات مهمة جداً، وتؤكد الجزائر من خلالها تمسكها بحماية موروثها الثقافي.
وعلى رغم الزخم الرسمي الذي يرافق هذه الملفات، تواجه هذه الملفات جملة من الإشكاليات قد تعيق أو تبطئ عملية الإدراج ضمن قوائم 'اليونسكو'، منها النزاعات حول الأصول الثقافية المشتركة، وأبرز التحديات يظهر في ملف 'البلوزة'، حيث تظهر مطالبات متداخلة مع دول مجاورة حول أزياء تقليدية مشابهة.
وسبق أن أثار ملفات الزي النسوي (كالقفطان والقندورة) جدالاً إعلامياً وسياسياً، مما يتطلب من 'اليونيسكو' التوفيق بين الخصوصية الوطنية والطابع المشترك، أما ملف الألعاب فيعتمد على صيغة جماعية عربية لتجنب مثل هذه النزاعات، لكنه يثير تساؤلات حول كيفية توزيع الاعتراف والحماية بين الدول.
وتطرح صعوبات التوثيق والمشاركة المجتمعية، حيث تشترط اتفاقية 'اليونيسكو' 2003 مشاركة فعلية للمجتمعات المعنية في إعداد الملفات، وفي حالة الأغاني المقدسة للمداحات، يعتمد العنصر على ممارسات شفوية ودينية قد تكون حساسة أو محدودة التوثيق، مما يتطلب جهوداً ميدانية مكثفة لتسجيل المهارات والمعارف قبل أن تندثر بفعل التغيرات الاجتماعية والتكنولوجية.
وتبرز التحديات الإدارية والمالية والحفاظية كذلك، إذ يستغرق تقييم الملفات سنوات، وقد يواجه تأخيراً بسبب الضغط الكبير على اللجنة الدولية التي أدرجت 63 عنصراً فقط في دورتها الأخيرة.
وتواجه العناصر الثلاثة أخطاراً حقيقية من الاندثار، حيث تراجعت ممارسة الألعاب التقليدية أمام الألعاب الإلكترونية، وتأثر صناعة 'البلوزة' بالمنتجات الصناعية الرخيصة، وانخفض دور المداحات في ظل التحولات الدينية والاجتماعية، مما يتطلب الأمر تمويلاً كافياً لورشات التدريب والتوثيق، إضافة إلى تفعيل القانون الجزائري 98-04 المتعلق بحماية التراث.
ويُنظر إلى هذه الملفات كجزء من استراتيجية وطنية شاملة تشرف عليها وزارة الثقافة والفنون، بالتعاون مع المركز الوطني للبحث في التراث الثقافي غير المادي، إذ ستعزز مكانة الجزائر على خريطة التراث العالمي، وتسهم في حماية هذه العناصر من الاندثار، مع تعزيز السياحة الثقافية والوعي الوطني.
وفي الـ25 من ديسمبر (كانون الأول) 2025، نصبّت وزارة الثقافة والفنون، اللجنة الوطنية لمتابعة ملفات التراث الثقافي غير المادي، في خطوة تعكس الأهمية البالغة التي توليها الدولة الجزائرية لحماية هذا الرصيد الحضاري وصونه وتثمينه وفق رؤية استراتيجية متكاملة، حسب بيان لوزارة الثقافة.
وتضطلع اللجنة بـ'دور محوري' في تنظيم عملية الجرد وضبط الأولويات ومتابعة تطور الملفات وتوحيد المنهجيات المعتمدة في التوثيق والتحيين، إلى جانب اقتراح الآليات القانونية والتنظيمية الكفيلة بحماية عناصر التراث الثقافي غير المادي من مخاطر الاندثار.
وأكدت وزارة الثقافة والفنون أن 'صون التراث الثقافي غير المادي يعد 'خياراً استراتيجياً ورهاناً وطنياً' يستدعي المتابعة الدقيقة والتحكم في المسارات والعمل المستمر لضمان نقل هذا الإرث الحضاري إلى الأجيال القادمة، في إطار يحفظ أصالته ويواكب تحديات العصر'.
حول الموضوع، يقول الإعلامي الجزائري المهتم بالشأن الثقافي صالح عزوز إن 'تسجيل التراث المادي وغير مادي، على مستوى الهيئات العالمية، هو بمثابة اعتراف صريح بأن التراث يخص الجزائر دون غيرها، ومنه لا يمكن لدولة اخرى مهما كانت، التطفل على هذا الإرث الثقافي'.
وأوضح لـ'اندبندنت عربية' أن 'تسجيل تراث ما، هو بمثابة فتح المجال لتحصين الإرث الجزائري، واعطائه الصبغة الدولية والعالمية، ويصبح له صدى خارج الحدود، ويصبح يذلك بمثابة سفيرا للثقافة الجزائرية'.
وأضاف أن 'الهدف هو تحصين التراث مهما كان من السرقة الحاصلة في هذا المجال، وهو ما نراه اليوم، حيث أصبحت الكثير من الدول تنسب تراث ما، لها، حتى و لو كانت لا تملك تاريخه ولا تفاصيله... وبهذا يصبح التسجيل بمثابة رادع لمثل هذه التصرفات، فحين يكون التراث مسجلاً، ويسرق، يمكن اتخاذ الاجراءات القانونية المعمول بها في أفعال كهذه'.




















