اخبار الجزائر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١٠ أب ٢٠٢٦
يكتسبن المعرفة والمهارات من دون الحاجة إلى مغادرة المنزل ويفتحن نافذة للتجارة عبر هاتف ذكي أو حاسوب محمول
في ورشة صغيرة بالجزائر العاصمة، قامت أمينة بتسويق صابونها الطبيعي تدريجاً عبر الإنترنت. قبل التدريب لم تكن تبيع إلا محلياً، لكن بعد مشاركتها في مشروع 'التجارة الإلكترونية للمرأة' المدعوم من البنك الدولي ومؤسسة We-Fiتوسعت أعمالها ووصلت منتجاتها إلى مدن جزائرية أخرى، وحتى التصدير. تقول أمينة 'اكتسبتُ مهارات تسويقية جديدة وساعدني توسيع حضور عَرْضي عبر الإنترنت في زيادة ثقتي بنفسي'.
أما أسمهان فتقوم ببيع عطور طبيعية عبر وسائل التواصل، بعد أن استثمرت دورات تدريبية عبر بنك عالمي حول التجارة الإلكترونية والتسويق الرقمي، فزاد عدد متابعيها عبر منصات التواصل من 7 آلاف إلى 22 ألفاً خلال أشهر. هذا التوسع انعكس بزيادة ملموسة في مبيعات عبوات العطر التي تصنعها، وأصبحت تتلقى طلبات من ولايات لم تكن تصلها سابقاً.
أمينة وأسمهان نموذجان من آلاف النساء في الجزائر تمكنّتا خلال السنوات الأخيرة من اكتساب المعرفة والمهارات من دون الحاجة إلى مغادرة المنزل بفضل الدورات التعليمية المنتشرة عبر الإنترنت، والتي اختصرت الوقت والظروف الاجتماعية وحتى الأعباء اليومية للأسرة، لتقدم مساراً تدريبياً للمرأة المقيمة في المناطق النائية فتح أمامها نافذة على العالم انطلاقا من هاتف ذكي أو حاسوب محمول.
لم يعد التعليم الإلكتروني وسيلة لاكتساب المعرفة فحسب، بل تحول إلى بوابة مكّنت عديداً من النساء من تحقيق دخل مستقل. فبعد اكتساب مهارات مهنية ورقمية استطاعت كثيرات إطلاق مشاريع منزلية أو تقديم خدمات عن بُعد في مجالات مثل التسويق الإلكتروني، والتصميم، والترجمة، وصناعة المحتوى، مستفيدات من المنصات الرقمية للوصول إلى العملاء بكلف محدودة.
ولم يقتصر هذا التحول على الجانب الاقتصادي، بل انعكس أيضاً على الجانب النفسي والاجتماعي. تقول المتخصصة النفسية والاجتماعية مريم بركان، إن التعلم المستمر عزّز ثقة المرأة بنفسها واستقلاليتها، وساعدها على كسر العزلة، وفتح أمامها آفاقاً جديدة للمشاركة في الحياة المهنية والاجتماعية، بما مكنها من إعادة تشكيل دورها داخل المجتمع.
وأوضحت أن الدورات التدريبية عبر الإنترنت أحدثت تحولاً في طرق اكتساب المهارات، بعدما أتاحت للنساء تعلم مئات التخصصات المهنية والحرفية من دون قيود المكان أو الزمن، إذ تمكنت نساء كثيرات من اكتساب مهارات في الخياطة العصرية، وصناعة الحلويات، والتطريز، وتصميم الأزياء، وصناعة المحتوى الرقمي، والتصوير، والتسويق الإلكتروني، وإدارة المشاريع الصغيرة، وصولاً إلى البرمجة والتصميم الغرافيكي.
ومع انتشار المنصات التعليمية الرقمية، تحولت مقاطع الفيديو والدورات المتخصصة إلى مدارس افتراضية توفر تدريباً عملياً كان يتطلب سابقاً الالتحاق بمراكز تكوين أو معاهد متخصصة. ولم يقتصر أثر هذا التحول على اكتساب المهن والحرف، بل امتد إلى تعلم اللغات الأجنبية، وهو ما فتح أمام عديد من النساء آفاقاً أوسع للاندماج في سوق العمل.
فإتقان اللغات لم يعد مجرد رصيد ثقافي بل أصبح مهارة اقتصادية تتيح فرصاً للعمل في مجالات الترجمة، والتعليم عن بُعد، وخدمة العملاء، والعمل الحر عبر الإنترنت، إلى جانب تعزيز القدرة على التواصل مع أسواق وثقافات مختلفة والاستفادة من الخبرات العالمية.
ويحظى التعليم الإلكتروني بإمكانات كبيرة لتمكين المرأة الجزائرية اقتصادياً، لا سيما في ظل الانتشار الواسع للإنترنت (77 في المئة من السكان) وتفوق النساء في التحصيل العلمي (66.4 في المئة من طلبة التعليم العالي في 2020).
ويقدم المركز الوطني للتكوين والتعليم المهني عن بعد التابع لوزارة التكوين المهني 68 تخصصاً مهنياً بشهادات معتمدة، ويضم منصة إلكترونية تضم نحو 40 ألف متعلم نشط مع محتوى تفاعلي باللغتين العربية والفرنسية. أما منصة 'كوثر' الإقليمية فتضم 1320 مسجّلة حالياً، وتقدّم 14 دورة مجانية حول قضايا المرأة، إضافة إلى ذلك توجد منصات عالمية مفتوحة ومدارس إقليمية في تخصصات تقنية، لكن الولوج إليها يتطلب مبادرات محلية لتهيئة المناهج بما يتناسب مع احتياجات المرأة الجزائرية.
مع ذلك، تشهد مشاركة المرأة في سوق العمل فجوة كبيرة مقارنة بكفاءاتها التعليمية؛ إذ لا تتجاوز نسبة النساء العاملات نحو 16- 18 في المئة، فيما يرتفع معدل البطالة النسائية إلى نحو 20 في المئة من إجمالي العاطلين، في مقابل 9.7 في المئة بطالة عامة.
وتشير البيانات إلى أن الجزائر تتصدر تعليم النساء في المنطقة (أعلى نسبة لخريجات الهندسة عالمياً، 48.5 في المئة، وأمية النساء 2.7 في المئة فقط عام 2018)، لكن مشاركتها الاقتصادية تظل دون الطموحات (13.8 في المئة تشغيل نساء مقابل 60.7 في المئة للرجال في 2019)، وتدعم هذه الإحصاءات أهمية فتح قنوات بديلة للعمل للمرأة، كمبادرات ريادية وتجارية رقمية.
وسجلت مكانة المرأة في الجزائر سيما في المجال الاقتصادي تطوراً خلال السنوات الأخيرة، ففيما لم يكن النساء يمثلن في 2007 إلا 28 في المئة من التجار المسجلين في السجل التجاري، ارتفعت حصتهن لتبلغ 41 في المئة عام 2023.
وبحسب معطيات الديوان الوطني للإحصاءات، فإن الأمر يتعلق بتطور يندرج ضمن سياق سياسات حكومية ترمي إلى تشجيع المقاولاتية النسوية، بما أن السلطات العمومية اتخذت منذ سنوات إجراءات لدعم انشاء المؤسسات لفائدة النساء، لا سيما عبر برامج تمويل ومرافقة وتكوين، بعد الرفع التدرجي للعراقيل الاجتماعية والثقافية والصور النمطية التي تعيق ولوج النساء للمقاولاتية.
ويتركز حضور المرأة بشكل كبير في مجال التجارة بالتجزئة (52 في المئة من التجار عام 2023) والإيواء والطعام (50 في المئة) إلى جانب الخدمات الإدارية والدعم.
أما من حيث الفئة العمرية، فإن 61 في المئة من النساء التاجرات تتراوح أعمارهن ما بين 30 و49 سنة، مما يعكس المشاركة القوية للنساء في سن العمل، إضافة إلى ذلك، فإن حصة النساء أكبر في الفئات العمرية الأصغر سناً، مما يدل على تحسن اندماج النساء الشابات في سوق العمل خلال السنوات الأخيرة.
ترى الأكاديمية هجيرة بن الحرمة، أن الجانب المادي يبقى أكبر عائق يقف في طريق المرأة المنتجة في الجزائر، كونه العنصر الأهم في بناء المؤسسة أو تجسيد الفكرة التي تطمح إليها المرأة.
وتؤكد 'ضرورة دعم الأفكار الجديدة للمرأة مادياً ومعنوياً والحرص على الأخذ بيدها إلى الأمام، من أجل دعم المرأة العاملة والأسر المنتجة وتحفيزها للدخول في بيئة الاستثمار والمقاولاتية، مع مراعاة حقوقها لا سيما النساء في مناطق الظل، والالتفات إلى ما تقدمه حسب كل منطقة من الوطن'.
من جهتها، تقول الناشطة الجمعوية فضيلة دلدلي، إن 'التقاليد السائدة في غالبية المجتمع الجزائري وبخاصة المناطق الصحراوية والريفية تلعب دوراً رئيساً في تدني نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل، إذ لا تزال تشدد على أن حياة المرأة النموذجية وإسهامتها الرئيسة في المجتمع هي في دورها كأم وزوجة في أسرة يعيلها الرجل، وقد أدت هذه المفاهيم المنحصرة في الرعاية المنزلية إلى إضعاف اهتمام المرأة باستقلاليتها الاقتصادية وقللت من أهمية العمل في حياتها، وحصرت قيمته في تلك الحرف التقليدية التي تراها كمورد رزق لإعالة الأسرة، وليس كفرصة لتنمية مواهبها وقدراتها وتوسيع آفاقها وبلورة شخصيتها'.
وتوضح دلدلي، أن دخول المرأة لبيئة الاستثمار والمقاولاتية لا يعتمد فقط على الحصول على الموارد المالية ووسائل الإنتاج فقط بل أيضاً على مجموعة من العوامل الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي من شأنها تشجيع الاستعدادات المقاولاتية عند المرأة، ومنها الخبرة التي تعد عاملاً مهماً في تحديد الشخصية المقاولاتية، فكلما كانت ذات مستوى علمي مرتفع ساعد ذلك على تنفيذ المهام المطلوبة بشكل أفضل، وتشبيك علاقاتها مع مؤسسات وشركات الأعمال النسوية، فغالباً ما يكون للمرأة شبكة علاقات ضيقة ومحدودة مقارنة مع الرجل، وهذا ما يفسر تعذر انتمائها لبعض الشبكات الاجتماعية.
ويبقى التعليم الإلكتروني أحد مفاتيح تمكين المرأة الجزائرية اقتصادياً، لكن تحقيق ذلك يتطلب منظومة متكاملة: تكنولوجيا قوية، محتوى ملائم، دعم اجتماعي وقانوني، فيما يتطلب الاختراق الحقيقي ترجمة مهارات التعلم الإلكتروني إلى فرص عمل حقيقية وريادية، إذ يؤكد البنك الدولي نجاح الدمج بين التمويل والتدريب، بالتركيز على إزالة العوائق العملية، وتعزيز شراكات القطاعين العام والخاص، إذ يمكن للتعليم الإلكتروني أن يساعد المرأة الجزائرية في بلوغ استقلالها المالي والإسهام الفعلي في التنمية الوطنية.




















