لايف ستايل
موقع كل يوم -في فن
نشر بتاريخ: ٨ أيلول ٢٠٢٦
* د.أحمد مجدي ناقد وعضو هيئة تدريس بقسم الدراما والنقد المسرحي بكلية الآداب جامعة عين شمس
اختتم مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي (الدورة 33-عام 2026) عروضه المسرحية بعرض مختلف ومثير يحمل عنوان Köztes térben/In between، لفرقة Élőkép Színház ويتناول أفكار مثل الموت والميلاد من منظور فلسفي ووجودي يدعو إلى التخيل وطرح الكثير من الأسئلة، فعندما نتحدث عن الرحلة الفاصلة والمتخيلة بين الموت والميلاد فإننا نراها في العرض بشكل بصري ملموس قائم على تقنيات الصورة التي تنساب أمامنا عميقة تثير في داخلنا أحاسيس التأمل والتساؤل عن طبيعة الوجود نفسه، فالعرض يمثل نقطةُ التقاء بين عالمين، عالم الموت وعالم إعادة البعث مرة أخرى.
وفي هذه اللحظة، تتوقف الأجساد المادية عن الحركة، وتُصبح الروح هائمة في فضاء لا نهائي في حالةٍ من الانتظار والترقب، وكأنها رحلة عبر نفق مجهول، حيث تتلاشى حدود المادة وتتكشف أسرار الروح والروحانية، ويظهر ذلك على المسرح من خلال شرائط مضيئة تتغلف باللون الأصفر الفاتح تلتف على شكل حلقات حلزونية، يخوض المؤدون معها وداخلها كأنهم يعبرون من خلال ثقب دودي ينقلهم في رحلة كونية بين عوالم تفصل بين الموت والحياة.
يُنظر إلى الموت على أنه النهاية الحتمية في الأوقات الطبيعية لكنه في ذات الوقت يُعد بدايةً جديدةً في هذا العرض المختلف، إذ يُعبر الإنسان من دائرة الزمان والمكان المادي والحقيقي إلى عوالم غيبية، ويحاول العرض تجسيدها في صورة بصرية وجودية تتلاقى فيها الأرواح وتُعيد تشكيل ذاتها في رحلة خارج نطاق الزمان والمكان، ليبقى السؤال قائمًا: هل الموت هو النهاية أم هو مجرد مرحلةٍ انتقالية نحو حياة أخرى، وتظل الرؤية غامضةً تحيطها الأسرار. إن تلك الرحلة تكشف عن عمق الروح وارتباطها بالمطلق، وتُذكّرنا بأن النهاية ليست إلا بدايةً لرحلةٍ أبدية من التجدد وإدراك سر الوجود والكون.
(أسمع أصواتاً؛ صدى الموسيقى، ورنين الرياح الذي يتردد صداه مع حركتي... إنه شعور يبعث على السكينة.. أشعر بكل شيء حولي مستديراً ومنحنياً بينما أنطلق بسرعة.. تغمرني قوة الأفكار المألوفة التي تجذبني نحوها، فألتحق بها... وأشعر أنني في وطني!). كان ذلك مقطًعًا من المقاطع الحوارية التي تعبر عن فكرة انتقال الروح من عالم الموت إلى الميلاد مرة أخرى، لتصف محاكاة متخيلة لتجربة الروح الحسية والوجدانية في رحلتها، وهي تسمع أصداء صوتية وصفير الرياح حولها، مما يعكس عمق تفاعل الحواس مع البيئة المحيطة الجديدة على الروح ويعزز إحساس الانسجام والسكينة داخلها، بينما تنطلق الروح بسرعها وداخلها شعور أنها في وطنها مفعمة بالحرية والانطلاق، في فضاء غرائبي يتجاور فيه الموت مع الحياة.
تظهر تلك المشاهد على المسرح وسط الضباب الكثيف والدخان الذي يعزز من شعور الجمهور بالحالة الميتافيزيقية وعالم الماورائيات الذي يتجاوز العالم المادي والحواس، ويتعلق الممثلين ببعض الأقمشة المتدلية من سقف المسرح وكأنهم في مرحلة الميلاد، مثلما تتعلق الحشرات في طور التكون والتحول في بداية حياتها داخل الشرنقة، ويقومون بعدها ببعض حركات الأكروبات الهوائية، وهم في وضع منقلب رأسًا على عقب، لتشكل الحركات إحالة بصرية ذهنية لفكرة التأرجح بين التغير والاستقرار والحركة والثبات، والتحولات المستمرة بين سياقات ومسارات الموت والحياة ، كما يتحرك الممثلين أحيانًا في دوائر تعكس تلك الصيرورة بين الحياة والموت.
كما تظهر الشاشات على يمين ويسار المسرح وبها علامات بصرية لطريق طويل ممتد على مرمى البصر، يرسخ لفكرة المجال المفتوح والطريق الطويل الذي تسلكه الروح بين أرجاء الحياة والموت، وبعدها تظهر الشاشات وهي تعج وتزخر بذكريات الشخص من ماضيه في صورة دائرة على الشاشة، حيث قد يرمز ذلك إلى استرجاع أو استحضار تلك الذكريات بطريقة رمزية.
فالدائرة في هذا السياق قد تمثل استمرارية الزمن ودورة الحياة، وقد تشير إلى أن الذكريات عائدة بشكل متكرر وأنها جزء لا يتجزأ من هوية وخيارات الشخص، ولكنها سوف تنتقل إلى أشخاص آخرين، في عملية الميلاد الجديدة، ففي عرض In between كل روح مترابطة مع سابقيها ولاحقيها ويرشدها مرشد روحي، يظهر في العرض بشكل غامض يتشح بالسواد وتستقر في صدره بلورة مضيئة، قد ترمز تلك الدائرة المتوهجة في الظلام إلى دور المرشد، بوصفه جسر مضيء يربط بين العالمين المادي والروحي، ويقوم بتوجيه الروح وقيادتها عبر أنفاق الحيوات المختلفة حتى مكان الميلاد الجديد.
حيث يسلط العرض الضوء على نظرية تناسخ الأرواح وذلك من خلال عملية اختيار حياة جديدة للميت، إذ تعمل الأرواح مع 'مجلس الحكماء والمرشدين' لاختيار الحقبة الزمنية والعائلة والجسد المادي للحياة القادمة (يظهر ذلك من خلال عجلة دائرية على الشاشة وبها بعض النقاط البيضاء المتناثرة وخطوط الطول والعرض، وكأنها إحداثيات خريطة فلكية لموقع ووجهة الروح القادمة) وتتفاعل الأرواح من خلال تدريبات للتعارف، حيث يضع المرشدين علامات أو محفزات ذهنية تساعدها على تذكر الأشخاص المهمين في حياتها الدنيوية اللاحقة، وبمجرد الولادة في الجسد المادي، يُسدل ستار من النسيان على الذكريات الواعية للعالم الروحي، مما يتيح للروح ممارسة حرية الإرادة الحقيقية.
يجعل المرشد الروح تشاهد حياتها الماضية وكأنها فيلم وثائقي؛ من خلال الشاشات الموجودة على المسرح، وذلك لتحليل خياراتها في الحياة، والشعور بالأثر العاطفي لأفعالها على الآخرين، وتعلم الدروس الكارمية (قانون الكارما هو مبدأ كوني للسبب والنتيجة، ينص على أن كل فعل أو قول أو فكرة يصدرها الإنسان ستعود إليه عواقبها، خيراً كانت أو شراً، عاجلاً أو آجلاً) وذلك في انتظار عودة الروح مرة أخرى للحياة ولكن في صور وهيئات أخرى.
يسعى مسرح الصورة الذي ينتهج فلسفته العرض إلى جعل العالم الغرائبي غير المرئي ملموساً وقابلاً للاختبار والمشاهدة والاشتباك أمام الجمهور، من خلال التقنيات واللوحات البصرية التي تم تشكيلها أمام الجمهور لإثارة وعيه وتفكيره، وكأنه دخل إلى تجربة حقيقية لما بعد الموت (العرض مستند على كتاب رحلة الأرواح Journey of Souls للدكتور مايكل نيوتنMichael Newton الذي صدر عام 1994)، ليشكل العرض استكشافاً روحياً وبصريًا ونفسياً للحياة بعد الموت، مرتكزًا على تجارب حقيقية للتنويم المغناطيسي التراجعي hypnotic regression (العودة بالذاكرة إلى الوراء) التي خضع لها بعض الأشخاص في الواقع بعد عودتهم من الموت المحقق، ويصفون فيها ما شاهدوه أثناء ذلك قبل العودة.
في النهاية العرض يقدم تجربة بصرية ووجودية فريدة ومتميزة تحسب لصانعيها، وتقحم المشاهد داخل أجواء مربكة ومشوشة تتناول موضوعات شائكة وغامضة مثل الموت والحياة، وذلك في صورة بصرية تمزج بين الأداء الحركي وتقنيات الوسائط المتعددة الرقمية.




























