لايف ستايل
موقع كل يوم -فوشيا
نشر بتاريخ: ٣٠ أيلول ٢٠٢٦
كشفت موجة الجفاف والحرارة التي شهدتها سويسرا خلال صيف 2026 عن آثار رومانية كانت مخفية تحت الحقول منذ قرون، لتمنح علماء الآثار فرصة نادرة لإعادة دراسة واحدة من أهم المدن الرومانية في المنطقة. وظهرت معالم منشآت قديمة بوضوح من الجو بعد أن أثرت درجات الحرارة المرتفعة في النباتات التي تنمو فوقها.
وتتركز الاكتشافات الجديدة حول مدينة أفينتيكوم Aventicum، العاصمة السابقة لهلفيتيا الرومانية، في المنطقة المحيطة بمدينة أفانش الحالية بكانتون فود. وتشير البيانات الأثرية إلى أن الموقع كان من أهم المراكز السياسية والإدارية في المنطقة خلال العصر الروماني، قبل أن يبدأ تراجع المدينة تدريجيًّا في أواخر العصور القديمة.
الجفاف يكشف آثار مدينة أفينتيكوم الرومانية
ساعدت الظروف المناخية الاستثنائية هذا العام في ظهور ما يعرف أثريًا بـ'علامات الجفاف'، وهي ظاهرة تصبح فيها النباتات الموجودة فوق المنشآت المدفونة أكثر تأثرًا بنقص المياه مقارنة بالنباتات المحيطة بها.
وعندما تتراجع رطوبة التربة، تبدأ النباتات فوق الجدران أو المباني القديمة المدفونة على عمق محدود في الذبول بشكل أسرع، فتظهر من الأعلى أشكال تكشف عن مخطط المنشآت الموجودة أسفل الأرض.
واستفاد علماء الآثار في كانتون فود من هذه الظاهرة من خلال الاستعانة بطائرة مسيرة لتصوير الحقول المحيطة بأفينتيكوم بصورة متكررة خلال أشهر الصيف. وأتاحت الصور الجوية مقارنة التغيرات التي ظهرت على سطح النباتات وتحديد أشكال لم تكن واضحة في الخرائط الأثرية السابقة.
صور جوية تكشف حمامات ومنازل وطرقًا رومانية
أظهرت عمليات المسح الجوي مجموعة من الآثار التي تساعد على تكوين صورة أكثر وضوحًا عن شكل المدينة القديمة، من بينها بقايا مجمع للحمامات الحرارية، ومبانٍ سكنية، وطرق رومانية، إضافة إلى منشأة يُعتقد أنها ربما كانت معبدًا.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة لأن عددًا من البقايا ظهر في أجزاء من أفينتيكوم لم تخضع للحفر الأثري من قبل، ما يعني أن الخرائط التي يعتمد عليها الباحثون لفهم تخطيط المدينة يمكن تحديثها استنادًا إلى المعلومات الجديدة.
كما كشفت الصور عن أجزاء من طريق روماني وبقايا منشآت مستطيلة بالقرب من المسرح الأثري، إلى جانب آثار لحوض كبير يرتبط على الأرجح بأحد المجمعات الحرارية في المدينة.
فريق من علماء الآثار يعيد رسم خريطة المدينة
لم تقتصر أهمية الصور الجوية على اكتشاف مبانٍ جديدة، إذ استخدم فريق مكون من خمسة علماء آثار البيانات التي جُمعت من الحقول لمراجعة الخرائط القديمة لأفينتيكوم.
ووُضعت الاكتشافات الحديثة على الخرائط بلون مختلف، وهو ما سمح للباحثين بملء مساحات كانت تفتقد إلى معلومات واضحة وتصحيح بعض المواقع التي كانت محددة بشكل غير دقيق في الخرائط السابقة.
وقال عالم الآثار في منطقة فود جوردان أناستاسوف، وفق ما نقلته رويترز، إن هذه الاكتشافات تمثل من أغنى ما عُثر عليه في المنطقة خلال نحو نصف قرن، أو خلال جيلين من الباحثين في الموقع.
ماذا نعرف عن مدينة أفينتيكوم الرومانية؟
كانت أفينتيكوم العاصمة السياسية والإدارية لهلفيتيا الرومانية، وبدأت المدينة في التطور ضمن شبكة من الطرق ووسائل النقل التي ربطتها بمناطق مختلفة. وتشير المعلومات الرسمية من كانتون فود إلى أن أفينتيكوم حصلت على مكانة مستعمرة في عهد الإمبراطور فيسباسيان نحو عامي 71 و72 ميلاديًا.
وتشير تقديرات رسمية إلى أن المدينة وصل عدد سكانها إلى نحو 20 ألف نسمة في أوج ازدهارها، كما ضمت عددًا من المنشآت العامة المهمة، بينها المسرح والمدرج والمعابد والحمامات والأسوار.
وكانت الحمامات العامة جزءًا مهمًا من الحياة اليومية في المدن الرومانية، إذ كانت تضم مناطق للاستحمام بالمياه الساخنة والدافئة والباردة، إلى جانب أحواض ومرافق أخرى. وتؤكد المصادر الرسمية وجود ثلاثة حمامات عامة في أفينتيكوم، ما يوضح مكانة المنشآت المائية في المدينة القديمة.
فترة ازدهار طويلة قبل تراجع المدينة
لم تكن أفينتيكوم مجرد تجمع سكني صغير، بل تطورت إلى مركز حضري مهم خلال الحقبة الرومانية، وامتدت المدينة على مساحة واسعة تحيط بها منشآت مختلفة وشبكة من الطرق.
لكن بداية القرن الثالث الميلادي شهدت اضطرابات سياسية متزايدة، بالتزامن مع تغيرات أثرت في المنطقة، وبدأت المدينة مرحلة من التراجع استمرت تدريجيًّا خلال القرون التالية.
ومع ذلك، لم تختفِ الأنشطة العمرانية والحرفية بشكل فوري؛ إذ تشير بيانات كانتون فود إلى استمرار بعض الأنشطة خلال القرنين الرابع والخامس وحتى السادس الميلادي، قبل أن تتغير وظيفة المنطقة ومكانتها لاحقًا.
اكتشافات الجفاف تضيف معلومات جديدة إلى تاريخ أفينتيكوم
تأتي الاكتشافات الأثرية الجديدة في موقع يمتلك أصلًا سجلًا أثريًّا غنيًّا، إذ كشفت أعمال سابقة عن مبانٍ فخمة وطرق ومعابد ومرافق عامة، كما عُثر في أفينش خلال السنوات الماضية على فسيفساء رومانية جديدة خلال أعمال مرتبطة بشبكة المياه.
وتوضح هذه الاكتشافات أن أجزاء كبيرة من المدينة القديمة لا تزال محفوظة تحت الأرض، حتى في المناطق التي لم تخضع لحفريات واسعة. وفي بعض الحالات، توفر أعمال البنية التحتية أو المسح الجوي فرصة لتحديد هذه البقايا دون الحاجة إلى إزالة مساحات كبيرة من التربة.
الجفاف يتحول إلى وسيلة للكشف عن المواقع الأثرية
ورغم أن موجات الجفاف والحرارة تمثل تحديات كبيرة للبيئة والزراعة، فإنها يمكن أن تكشف مؤقتًا عن آثار لا تظهر في الظروف المناخية العادية.
وتشير حالة أفينتيكوم إلى أهمية الصور الجوية والطائرات المسيرة في توثيق هذه العلامات بسرعة، خصوصًا أن بعض آثار الجفاف تختفي بعد تغير الظروف الجوية أو جفاف النباتات وقطعها.
ويرى الباحثون أن مثل هذه الفرص قد تساعد في تحديد مواقع أثرية جديدة أو تحسين الخرائط الموجودة، قبل الانتقال لاحقًا إلى دراسة المواقع بصورة أكثر تفصيلًا وربما إجراء حفريات محددة في الأماكن التي تستدعي ذلك.
ولا تقتصر الظاهرة على سويسرا، إذ ظهرت خلال فترات الجفاف آثار مدفونة في مناطق أخرى من أوروبا، لكن دراسة هذه العلامات قد تكون أكثر صعوبة عندما تكون المواقع معزولة أو تفتقر إلى فرق متخصصة تستطيع ربط الصور الجوية بالسياق الأثري الصحيح.




























