اخبار الجزائر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦
تتمثل أهميتها في كونها تمتص الكربون بمعدل يفوق الغابات بمراحل
تختزن الجزائر مناطق رطبة طبيعية تمتد من البحيرات والسبخات إلى المستنقعات والواحات، وتكتسب أهمية تتجاوز كونها مساحات مائية أو موائل للطيور، لتؤدي دوراً أساساً في الحفاظ على التنوع البيولوجي وتنظيم الدورة المائية والحد من بعض آثار الفيضانات والجفاف، فضلاً عن دعم الأنشطة الاقتصادية المحلية، مثل الصيد والسياحة البيئية وتربية المواشي في بعض المناطق.
وتواجه هذه النظم الطبيعية ضغوطاً متزايدة أبرزها تصريف مياه الصرف الصحي والنفايات، والتلوث الزراعي، واستنزاف المياه، والردم والتوسع العمراني غير المنظم، حيث تكشف ممارسات يومية عن أخطار محدقة بالمناطق الرطبة في الجزائر تهدد وجودها بالكامل.
وفي الـ28 من سبتمبر (أيلول) الماضي، نشرت جمعية 'الدراجة الخضراء' بعنابة (شرق الجزائر)، على 'فيسبوك'، صوراً وثّقت أكواماً من النفايات خلفها زوار محمية طنقة (بحيرة طونغا) في ولاية الطارف، أظهرت حال تلوث مقلقة يعيشها هذا الموقع الطبيعي المصنَّف عالمياً.
وأطلقت الجمعية دعوة إلى تنظيم حملة لتنظيف المنطقة، واقترحت في منشورها غلق بحيرة 'طونغا' موقتاً أمام الزوار، إنقاذاً للمحمية من أطنان النفايات التي تخنقها، على حد قولها.
وتحمل بحيرة 'طونغا' قيمة بيئية استثنائية جعلت التحذير جديراً بالاهتمام، فهي جزء من الحظيرة الوطنية للقالة التي أُنشئت عام 1983، واعترفت بها منظمة 'يونسكو' كمحمية محيط حيوي عام 1990، وهي مصنّفة ضمن اتفاقية 'رامسار' للأراضي الرطبة ذات الأهمية الدولية منذ عام 1971.
وتؤوي البحيرة أكثر من 132 نوعاً من الطيور المائية، 56 منها محمي قانونياً، إلى جانب 10 أنواع من الثدييات، وتُعدّ محطة تعشيش رئيسة في شمال أفريقيا لأنواع مهددة بالانقراض على غرار البط الأبيض الرأس.
وتستقطب المكونات الطبيعية لمحميات حظيرة القالة يومياً، وعلى مدى الفصول الأربعة، عشرات الزوار من داخل الولاية وخارجها وحتى من دول أجنبية، تتمثل في العائلات والفرق العلمية الجامعية والرحلات المدرسية والسياح.
إثر التحذيرات التي أطلقتها جمعية 'الدراجة الخضراء'، جندت إدارة الحظيرة الوطنية إمكاناتها المادية والبشرية، بمشاركة بعض الجمعيات المحلية في حملة تنظيف استهدفت الفضاءات المتضررة، وبخاصة المواقع والفضاءات التي تستقطب زوار الطبيعة والبيئة.
وليست هذه المرة الأولى التي تُثار فيها مخاوف من تدهور المنظومة البيئية لبحيرات الطارف، إذ سبق لجمعية حماية البيئة والطبيعة بالولاية أن حذّرت من نفوق كميات من الأسماك والطيور المهاجرة في بحيرات الملاح وطونغا والأوبيرة، رابطة ذلك بالطرح العشوائي للمياه المستعملة.
يوجد في الجزائر 16 مجمعاً أساسياً و103 مجمعات فرعية، تضم 2375 أرضاً رطبة مع 2056 أرضاً رطبة طبيعية و319 منطقة صناعية منها 50 منطقة رطبة (3 ملايين هكتار)، مصنفة في قائمة 'رامسار' للأراضي الرطبة ذات الأهمية الدولية، وفقاً للاستراتيجية الوطنية للأراضي الرطبة، التي وضعتها المديرية العامة للغابات.
وتسهم المناطق الرطبة في الجزائر في تنظيم الموارد المائية، والوقاية من الفيضانات، والتكيف مع التغيرات المناخية، إضافة إلى دعم النشاطات المحلية مثل صيد الأسماك والزراعة والسياحة البيئية.
من خلال المصادقة على اتفاقية 'رامسار' عام 1982، التزمت الجزائر بالحفاظ على مناطقها الرطبة لضمان صيانتها واستغلالها العقلاني والمستدام، من خلال وضع استراتيجيتها الوطنية للمناطق الرطبة.
وتتنوع هذه المناطق في الجزائر لتشمل المناطق الشمالية: مثل بحيرة طونغا وبحيرة أوبيرة (القالة)، والهضاب العليا: مثل شط الحضنة، الذي يعد محطة استراتيجية للطيور المهاجرة بين أفريقيا وأوروبا، والصحراء الكبرى: مثل شط ملغيغ (أخفض نقطة في الجزائر) وواحة تيميمون، حيث تؤدي الأراضي الرطبة دوراً حاسماً في الحفاظ على الفقارات ونظام الري التقليدي.
وحسب خبراء البيئة، تتمثل أهمية المناطق الرطبة في كونها تمتص الكربون بمعدل يفوق الغابات بمراحل، مما يجعلها مهمة للتغير المناخي، كذلك تعد بمثابة مراكز التنوع البيولوجي، وعلى رغم أنها تغطي ستة في المئة فقط من مساحة الأرض، فإنها موطن لـ40 في المئة من جميع الكائنات الحية.
أيضاً تعمل كإسفنجة طبيعية، بشكل حواجز تمتص الصدمات الناتجة من الفيضانات والأعاصير، ومصفاة تنظف المياه من الملوثات والترسبات قبل وصولها إلى المجاري المائية.
وحسب التقديرات الدولية، فإن العالم يفقد الأراضي الرطبة بمعدل أسرع بثلاث مرات من فقدان الغابات، وفقد بالفعل أكثر من 80 في المئة من هذه الأراضي منذ عام 1700.
وتقول منال سخري، المتخصصة والباحثة في السياسات البيئية، إن للمناطق الرطبة أهمية كبيرة جداً، لأنها ليست مجرد مساحات مائية، بل تؤدي وظائف بيئية مهمة.
وأوضحت سخري، في تصريح خاص، أن المناطق الرطبة تساعد على تنظيم المياه والحد من أخطار الفيضانات، وتحافظ على التنوع البيولوجي، وتوفر موائل لكثير من الأنواع، وتزداد أهميتها اليوم في ظل التغيرات المناخية والضغط المتزايد على الموارد المائية.
وأشارت إلى أن حماية المناطق الرطبة تبدأ بالوقاية، بتوفير مراقبة أفضل لجودة المياه ومصادر التلوث، ومنع الردم والتعدي، والأهم أن تكون المناطق الرطبة حاضرة بصورة واضحة في مخططات التهيئة والتوسع العمراني، لأن المشكلة لا تتعلق بالمنطقة الرطبة وحدها، وإنما أيضاً بما يحدث في محيطها وحوضها المائي.
وأضافت المتحدثة 'أعتقد أن التحدي الأساس هو الانتقال من التدخل بعد وقوع الضرر إلى التخطيط السابق والوقاية، فحماية منطقة رطبة اليوم أفضل وأقل كلفة من محاولة استعادتها بعد أن تفقد وظائفها البيئية'.
من جهته، قال مارينوس إل أوتي، الباحث الأميركي في جامعة ولاية داكوتا الشمالية، إنه لم تعد هناك أراضٍ رطبة 'بكر' في أي مكان في العالم، وهذا يعد مشكلة كبيرة، لأن الأراضي الرطبة توفر معظم وأهم خدمات النظام البيئي مقارنة بأي نظام بيئي آخر في العالم.
وخلال محاضرة حول موضوع 'تأثير تغير المناخ على المناطق الرطبة'، في جامعة هواري بومدين للعلوم والتكنولوجيا بالجزائر، أوضح مارينوس إل أوتي أن التقديرات على مستوى العالم تؤكد أن نحو 25 في المئة من الأراضي الرطبة قد تبخرت، وفي بعض المناطق، وخصوصاً في المناطق القاحلة، تقترب هذه النسبة من الـ90 في المئة، وقال 'لقد تضررت جميع الأراضي الرطبة تقريباً الواقعة بين خطي عرض 40 درجة جنوباً و60 درجة شمالاً إلى حد ما'.
وأشار إلى أن المناطق الرطبة تنظف مياهنا، وتمنع التغيرات الهيدرولوجية (الجفاف والفيضانات)، وتوفر موطناً لكثير من الكائنات الحية وتحافظ على التنوع البيولوجي، وتوفر ممرات الهجرة والغذاء وحتى مواد البناء للاستهلاك البشري.
وتشير وداد ليشاني، المتخصصة في القانون البيئي، إلى أن القوانين في التشريع الجزائري والاتفاقات الدولية الخاصة بحماية المناطق الرطبة، لا ينبغي أن تبقى حبراً على ورق أو مجرد نصوص جامدة، بل يجب تطبيقها في الميدان.
وأوضحت ليشاني في تصريحات صحافية أن 'الجزائر أمام المحك الفعلي لتطبيق القانون البيئي بكل حزم'، ورأت أن 'الاعتداء على المناطق الرطبة يرتقي إلى جريمة بيئية صريحة يجب معاقبة مرتكبيها قانونياً'.
وشددت على 'ضرورة دق ناقوس الخطر في شأن وضعية بعض المناطق الرطبة في الجزائر، والتحرك العاجل لسن تشريعات حماية خاصة ومحينة تترافق مع تفعيل شرطة البيئة واستحداث آليات رقابية ميدانية صارمة تحول النصوص والاتفاقات المكتوبة إلى حماية فعلية ومستدامة على أرض الواقع'.
وحذرت ليشاني من 'ترك النشطاء في مواجهة الكارثة بمفردهم، بينما يفترض أن تكون حماية المناطق الرطبة مسؤولية مؤسساتية، قانونية ومجتمعية شاملة، لا مبادرة فردية يدفع ثمنها الناشط من صحته وحياته'.




















