اخبار الجزائر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٤ نيسان ٢٠٢٦
تشير وثائق دبلوماسية لعام 1994 إلى اتهامات رسمية جزائرية بوجود شبكات لتمويل الإرهاب تمتد من إيران مروراً بلبنان والسودان مع وجود مسارات لتهريب الأسلحة كانت تمر أحياناً عبر أوروبا
في سياق الحرب العنيفة التي شهدتها الجزائر خلال تسعينيات القرن الـ20، تكشف وثائق دبلوماسية تعود إلى عام 1994 تفاصيل لافتة حول رؤية الحكومة الجزائرية لمصادر تمويل الإرهاب. وخلال لقاءات رسمية مع وفد الترويكا الأوروبية في الجزائر، عرض وزير الخارجية الجزائري آنذاك محمد الصالح دمبري معطيات حساسة عن شبكات تمويل وتسليح الجماعات المسلحة، مشيراً إلى أن مسارات الدعم بدأت من إيران وامتدت مروراً بلبنان والسودان، إضافة إلى قنوات أخرى عابرة للحدود.
وتقدم هذه الوثائق قراءة مباشرة من صانع القرار الجزائري في تلك المرحلة الحرجة، وتوضح كيف حاولت الجزائر إقناع شركائها الأوروبيين بخطورة تلك الشبكات وتأثيرها في الاستقرار الإقليمي.
خلال الأول من يونيو (حزيران) 1994، أتمت الترويكا الأوروبية محادثاتها مع الرئيس الجزائري ليامين زروال، إذ أعاد تأكيد النقاط الأساس التي سبق أن عرضها وزراء حكومته، مشدداً على التزام الحكومة والوفد المرافق لها بإحداث قطيعة مع ممارسات الماضي، وأهمية تحقيق التعافي الوطني عبر الحوار والإصلاحات الاقتصادية.
وذكرت البعثة البريطانية في تقريرها إلى مرجعيتها في لندن أن الرئيس أقر بصعوبة الأوضاع التي كانت تمر بها الجزائر آنذاك، موضحاً أن البلاد لا تتحكم بالكامل في جميع العوامل المؤثرة في اقتصادها، لا سيما أسعار المحروقات.
وأكدت الوثيقة أن زروال شدد خلال المحادثات على حاجة الجزائر إلى دعم فعال من شركائها الدوليين، وفي مقدمتهم الاتحاد الأوروبي، مشيراً إلى أن أوروبا نفسها تواجه مطالب متعددة من جهات مختلفة، خصوصاً من دول أوروبا الشرقية، خلال وقت تخوض فيه الجزائر معركة من أجل الاستقرار بالمنطقة.
وأشارت الوثيقة إلى أنه في ما يتعلق بالجدل الدائر داخل منطقة البحر المتوسط حول إشراك الجناح المعتدل من الإسلاميين في الحوار، أوضح الرئيس أن الحكومة الجزائرية تمثل التيار المعتدل، وأن باب الحوار مفتوح أمام جميع الأطراف بصرف النظر عن معتقداتهم، باستثناء من وصفهم بالإرهابيين، مؤكداً أن الحوار معهم يتعارض مع القانون والأخلاق. وتضمنت الوثيقة أيضاً دعوة الرئيس، بصفته رئيس اتحاد المغرب العربي آنذاك، إلى تعزيز التعاون بين دول المغرب العربي وأوروبا، معتبراً أن هذا التعاون يمثل خطوة ضرورية لدعم الاستقرار والتنمية في المنطقة.
وفي ختام المحادثات، كشفت الوثيقة أن زروال عبر عن ثقته في قدرة الجزائر على تجاوز الأزمة القائمة، مؤكداً أن الظروف اللازمة لتنظيم انتخابات ديمقراطية حقيقية ستتحقق عاجلاً أم آجلاً، وخلال فترة لا تتجاوز ثلاثة أعوام، بدعم من القوى الحية في المجتمع المدني والجيش لترسيخ سيادة القانون.
وحول زيارة وفد الاتحاد الأوروبي إلى الجزائر، ورد ضمن الوثيقة الصادرة عن السفارة البريطانية في الجزائر ما نصه: 'خلال الـ30 من مايو (أيار) 1994، قامت الترويكا الأوروبية بزيارة قصيرة إلى الجزائر استمرت نصف يوم، إذ التقت بالرئيس الجزائري ورئيس الوزراء وستة وزراء آخرين'.
وبعد اللقاء، صرح جورج باباندريو الذي قاد الوفد للصحافة بالإفراج عن النصف الثاني من قرض ميزان المدفوعات بقيمة 150 مليون وحدة نقدية أوروبية، مشيراً إلى أن تقديم 200 مليون وحدة إضافية من الدعم المالي لا يزال قيد النقاش.
وأكدت الوثيقة أن باباندريو شدد على دعم الاتحاد الأوروبي لعملية الإصلاح الاقتصادي في الجزائر، كما يتجلى في الاتفاق الأخير مع صندوق النقد الدولي، موضحاً موقف الاتحاد الأوروبي الرافض الإرهاب والداعم لحقوق الإنسان، مع تشجيع العودة إلى الديمقراطية عبر حوار وطني يشمل جميع الأطراف التي ترفض الإرهاب. ولاقت الزيارة ترحيباً واسعاً، إذ فسرتها السلطات والصحافة الجزائرية على أنها إشارة قوية إلى الدعم الأوروبي للبلاد.
وقبل أيام من الزيارة، وخلال الـ24 من مايو (أيار)، أفادت الصحافة الجزائرية بإقالة خمسة مسؤولين كبار، من بينهم والي باتنة ومدير سجن تازولت، على خلفية التحقيق في عملية الهرب الجماعي للإرهابيين من السجن خلال مارس (آذار) من العام نفسه، في حين كان التحقيق لا يزال مستمراً. وأشارت الوثيقة إلى دلائل على عودة نشاط الجماعات المسلحة، من بينها عملية على أطراف الجزائر العاصمة أسفرت عن مقتل خمسة إرهابيين في الأقل، يعتقد أن اثنين منهم شاركا في اغتيال رئيس الوزراء السابق قاصدي مرباح خلال أغسطس (آب) السابق، وأصيب عدد من رجال الشرطة بجروح خطرة.
وتحدثت تقارير عن هجوم على ثكنة عسكرية قرب سيدي بلعباس على بعد نحو 400 كيلومتر غرب العاصمة، حيث يعتقد أن عدداً كبيراً من الجنود قُتلوا. وذكرت الصحافة أيضاً حوادث اغتيال طاولت محامين ورئيس شرطة إقليمي ورئيس شركة في القطاع العام خلال الأسبوع نفسه، إلى جانب تقارير غير مؤكدة عن عمليات قتل أخرى داخل الجزائر العاصمة ومحيطها، شملت عدداً من رجال الشرطة.
وضمن سياق متصل، ذكرت الوثيقة أن الصحافة الجزائرية خصصت تغطية واسعة لما وصف بخلافات بين الولايات المتحدة وفرنسا في شأن السياسة تجاه الجزائر، إذ قيل إن الأميركيين يدفعون السلطات نحو الحوار مع العناصر المعتدلة في الجبهة الإسلامية للإنقاذ، بينما يرى الفرنسيون أن هذه السياسة تنطوي على أخطار كبيرة. وأوضحت الوثيقة أن هذه التقارير على رغم احتوائها على قدر من الحقيقة، تمثل المرة الأولى التي يظهر فيها هذا الخلاف بوضوح في الصحافة الجزائرية.
ضمن اجتماع الترويكا الأوروبية في الجزائر، أكدت الوثيقة أن وزير الخارجية الجزائري دمبري أشار إلى أن عملية الحوار السياسي قد بدأت بالفعل، وأنها تجد إطارها في المجلس الوطني الانتقالي، وهي هيئة تعددية بطبيعتها، حتى وإن لم تنضم بعض الأحزاب بعد إليه. وأضاف أن سياسة الانفتاح بدأت تحقق بعض النتائج الإيجابية، لكنه استبعد إمكانية استعادة النواة الصلبة للمعارضة الإسلامية المتمثلة في الجماعة الإسلامية المسلحة (GIA)، على رغم استعداد بعض المتمردين المسلحين للتوبة وترك العمل المسلح.
وذكرت الوثيقة أن الوزير أشار إلى أن تمويل الإرهاب من الخارج أمر لا شك فيه، وأن قنواته معروفة، تنطلق من إيران مروراً بلبنان والسودان، بينما تمر بعض طرق تهريب الأسلحة عبر أوروبا نفسها، مؤكداً أن الهدف الواضح للإرهابيين هو عرقلة العملية الدستورية.
وأوضح دمبري أن الوضع الأمني خصوصاً في الجزائر العاصمة تحسن، على رغم أن وقوع بعض العمليات المحدودة لا يزال ممكناً. وأضاف أن القضاء على الإرهاب سيستغرق وقتاً، وأن قوات الأمن تعمل وفق تعليمات صارمة، مع تأكيد أن القمع المفرط لا يؤدي إلا إلى خدمة المتطرفين، وأن مكافحة الإرهاب تشمل أيضاً احترام حقوق الإنسان. وأشارت الوثيقة إلى أن أي تجاوزات يجري التحقيق فيها ومعاقبة المسؤولين عنها، وأن للمنظمات غير الحكومية مثل الصليب الأحمر ومنظمة العفو الدولية دوراً يمكن أن تضطلع به في هذا المجال.
بحلول نهاية عام 1994، تبين من الوثيقة أن الرئيس الجزائري زروال أغلق الحوار مع أوروبا، في حين استمر العنف في الجزائر على رغم تحسن مؤشرات الاقتصاد. وفي الوقت نفسه، انتقدت فرنسا ازدواجية المعايير الأميركية، ورأت أن العراق يجب أن يفي بالتزاماته قبل العودة إلى المجتمع الدولي، بينما أبقت على الحوار مع إيران على رغم التوتر والقلق من دعمها لحركة 'حماس' و'حزب الله'.
يشير التقرير السري المرسل من قبل السفير البريطاني لدى باريس خلال السابع من نوفمبر (تشرين الثاني) 1994، إلى مرجعيته في لندن، إلى تصريحات الأمين العام لوزارة الخارجية الفرنسية دوفورك حول عدة قضايا دولية بارزة خلال تلك الفترة، منها العراق وإيران والجزائر.
بالنسبة إلى العراق، ذكرت الوثيقة أن دوفورك أكد أن الموقف الفرنسي معروف، إذ يجب على العراق الوفاء بجميع التزاماته قبل إعادة الانضمام إلى المجتمع الدولي، مع تركه في وضع يمكنه من إعادة الاندماج. وأشارت الوثيقة إلى أن دول الخليج أعربت عن قلقها أكثر في شأن إيران من العراق على المدى الطويل، ولفت دوفورك إلى أن الأخبار الواردة من إيكيوس كانت مشجعة، وأنه لو لم يرتكب صدام حسين خطأه الأخير لكان العراق على طريق العودة إلى المسار الصحيح. واستعرض أسباب فرنسا لعدم الانضمام إلى خطة P2/3 بعد قرار مجلس الأمن رقم 949، مؤكداً أن إعادة اندماج العراق لن تزعزع سوق النفط نظراً إلى النمو الاقتصادي الكافي لاستيعاب ذلك.
وفي ما يتعلق بإيران، أكدت الوثيقة أن فرنسا ستواصل الحوار النقدي خلال رئاستها، متناولة قضايا حقوق الإنسان والإرهاب وغيرها، على رغم التوتر الناتج من محاكمة المتهمين في قضية اغتيال شابور بختيار، مع تأكيد أن العدالة ستأخذ مجراها. وعبرت باريس عن قلقها من دعم إيران لحركة 'حماس'، وبخاصة 'حزب الله'، لكنها رأت أن الحوار معها لا يزال مفيداً، إذ زار نظيرها الإيراني باريس قبل الصيف كجزء من الحوار المنتظم بين البلدين.
بالنسبة إلى الجزائر، ورد في الوثيقة أن دوفورك أشار إلى أن الرئيس زروال أغلق ما سمي بالحوار الزائف، ومن المتوقع تسارع العنف إذ بلغ معدل الوفيات بين 300 و400 أسبوعياً، مع توقع وصول البلاد إلى حالة من الفوضى المطلقة. وأضافت الوثيقة أن الحديث عن الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها عام 1995 كان مجرد سراب، في حين بدا الوضع الاقتصادي أفضل، إذ جدد صندوق النقد الدولي التزامه، وكان من المتوقع تطبيق الانضباط المالي مع تراجع التضخم، إضافة إلى ضرورة تفعيل مساعدات الاتحاد الأوروبي.
ولفت التقرير إلى هجوم ديجاميه على المعايير المزدوجة الأميركية، مشيراً إلى رغبتهم في التحدث مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ ربما لمنعها من زعزعة استقرار الأنظمة الصديقة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ولا سيما السعودية.
وتشير الوثائق الدبلوماسية لعام 1994 إلى اتهامات رسمية جزائرية بوجود شبكات لتمويل الإرهاب تمتد من إيران مروراً بلبنان والسودان، مع وجود مسارات لتهريب الأسلحة كانت تمر أحياناً عبر أوروبا. غير أن المشهد الإقليمي اليوم يبدو مختلفاً إلى حد كبير، فمع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط والحرب التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران بسبب برنامجها النووي والصاروخي ودعمها ميليشيات مسلحة داخل المنطقة، وتزامناً مع تعرض دول مجلس التعاون الخليجي لهجمات مباشرة من طهران، اتخذت الجزائر في مرحلة ما موقفاً سياسياً أقرب إلى إيران، معلنة تضامنها مع النظام الإيراني.
وعكس هذا الموقف نهجاً في السياسة الخارجية الجزائرية يقوم على دعم بعض الأنظمة الحليفة، كما ظهر سابقاً في موقفها المؤيد للرئيس السوري السابق بشار الأسد. غير أن هذا الموقف شهد تحولاً لاحقاً، إذ غيرت الجزائر توجهها تجاه إيران، متجهة نحو إبداء التضامن مع دول مجلس التعاون الخليجي بعد الهجمات الإيرانية التي استهدفت السعودية وقطر ومملكة البحرين ودولة الكويت والإمارات وعمان.
ويبرز هذا التباين والتقلب في المواقف بين الأمس واليوم حجم التحولات التي شهدتها السياسات الإقليمية وأنماط التحالف في الشرق الأوسط خلال العقود الثلاثة الماضية.




















