اخبار الصومال
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٨ تشرين الثاني ٢٠٢٦
على رغم النجاح الجزئي على المستوى السياسي إلا أن المجال الأمني لا يزال يحتاج إلى مزيد من الجهود
أعلنت بعثة الأمم المتحدة للمساعدة الانتقالية في الصومال (UNTMIS) إنهاء عملياتها، لتختتم بذلك فترة دامت نحو ثلاثة عقود كاملة من البعثات السياسية الأممية في ذلك البلد.
وجاء القرار تماشياً مع قراري مجلس الأمن الدولي رقم 2753 (لعام 2024) ورقم 2809 (لعام 2025)، وبناء على طلب من الحكومة الفيدرالية الصومالية.
ويمثل هذا الإغلاق نهاية للعمل الأممي في مجالات بناء السلام، وبناء الدولة، والحوكمة، والمصالحة الوطنية، بدءاً منذ أبريل (نيسان) 1995.
ويرى مراقبون للأوضاع السياسية في الصومال أن إنهاء مهام البعثة الأممية السياسية في البلاد يفتح الباب أمام فرص تعزيز المؤسسات الوطنية، إلا أن ذلك يتوقف على مدى قدرة الحكومة الفيدرالية الصومالية على معالجة الخلافات القائمة بينها وبين حكومات الأقاليم، فضلاً عن الخلافات المتصاعدة مع قوى المعارضة السياسية، إذ لا تزال أزمة الثقة قائمة في ما بين القوى السياسية الصومالية، لا سيما بعد تمديد ولاية الرئيس حسن شيخ محمود لعام آخر.
وأعلنت الأمم المتحدة أنها أنهت مهام بعثتها السياسية، لكنها أكدت في الآن نفسه أن وكالاتها وصناديقها وبرامجها ستواصل الأنشطة الإنسانية والتنموية والحقوقية.
ويرى متابعون للشأن الصومالي أن طلب مقديشو إنهاء مهام البعثة السياسية التابعة للأمم المتحدة، يعد بمثابة 'رسالة سياسية لبدء مرحلة وطنية انتقالية، تهدف إلى تعزيز السيادة الوطنية' وتجاوز مرحلة الاقتتال وغياب الدولة الوطنية الفاعلة والقادرة على فرض الأمن والاستقرار في البلاد، إلا أن خبراء أمنيون يحذرون من تداعيات هذه الخطوات على المستويين السياسي والأمني، بخاصة في ظل محدودية الدعم الذي تحصل عليه بعثة الاتحاد الأفريقي للسلام، وانسحاب عدد من الوحدات العسكرية الأفريقية، من بينها القوات الأوغندية، نتيجة تعليق الموازنة المخصصة للبعثة من الولايات المتحدة، في إطار ترشيد النفقات'.
كانت الأمم المتحدة قد اتخذت قرار تشكيل البعثة الأممية السياسية في الصومال في الـ15 من أبريل 1995، بدفتر مهام واضح يتعلق بدعم الحوار السياسي والمصالحة الوطنية بين الأطراف الصومالية كافة، وذلك إثر انتهاء مهام البعثة العسكرية لحفظ السلام، التي تشكلت للسيطرة على تداعيات انهيار الدولة الصومالية في عام 1992 في أعقاب سقوط نظام زياد باري.
وفي عام 2012 أعيد تشكيل البعثة وفق قرار لمجلس الأمن، نص على ضرورة إنشاء بعثة أممية جديدة للمساعدة في توسيع الدعم السياسي والمؤسسي للحكومة الفيدرالية في مقديشو، وظل مجلس الأمن يمدد مهام البعثة كل عامين، إلى أن طلبت مقديشو إنهاء وجودها.
وتحددت المهام الرئيسة للبعثات الأممية في الصومال خلال العقود الثلاث الماضية في ست بنود هي: تنسيق الدعم الدولي والقاري للحكومة الصومالية لإنجاز المهام المتعلقة بإدارة الدولة، ودعم المصالحة الوطنية المفضية إلى قيام نظام سياسي انتقالي، ومساندة الإصلاحات الدستورية والنظم الانتخابية لضمان سيرورة الانتقال السلمي للسلطة، وتعزيز سيادة القانون ومبادئ حقوق الإنسان، وإصلاح القطاع الامني، إلى جانب بناء المؤسسات السياسية والدستورية في البلاد وإنهاء المظاهر المسلحة بما فيها الحركات المتطرفة.
وفي حين نجحت البعثة الأممية بمساعدة الإدارات الصومالية المتعاقبة في تحقيق جزء من هذه المهام لا تزال بعض البنود مؤجلة، بخاصة المتعلقة بإنهاء المظاهر المسلحة وحركات التمرد، إضافة إلى تعثر مسار بناء مؤسسات دستورية راسخة، إذ لا يزال المشهد الصومالي معقداً على المستوى السياسي، بخاصة بعد تمديد ولاية الرئيس الحالي لعام، مما أثار غضب أحزاب المعارضة المنضوية تحت مظلة 'تحالف مستقبل الصومال' المطالبة برحيله، فضلاً عن التحديات الأمنية التي لا تزال قائمة بما في ذلك التحديات المتعلقة بوحدة الصومال وسيادته على أراضيه كافة، في ظل المطالب المتعلقة بالانفصال كما هو الحال في إقليم صوماليلاند.
من جهته يرى المحلل الصومالي حسين طاهر أن 'إنهاء وجود البعثة الأممية في الصومال، يمثل علامة رمزية مهمة، أرادت من خلاله مقديشو تأكيد أنها ماضية في اتجاه تعزيز مقومات السيادة الوطنية، والانتقال من مرحلة الوصاية السياسية إلى الوضع الاعتيادي لدولة مستقلة ومستقرة، وهي رمزية مهمة لنظام ظل يؤكد أنه قادر على حلحلة المشكلات الداخلية من خلال الحوار السياسي البناء'.
ويرى طاهر أن 'رمزية الرسالة قد وصلت برحيل البعثة، إلا أن تأكيد صدقيتها يعتمد على مدى قدرة المؤسسات السياسية في تجسيد التعهدات وترجمتها على أرض الواقع'.
ويتابع 'ثمة مشاريع مهمة جرى إعلانها أخيراً من بينها إطلاق مؤتمر الحوار والمصالحة الوطنية، المزمع عقده الشهر المقبل، وعلى رغم الملاحظات التي تبديها قوى المعارضة، فإن الحكم على التجربة سابق لأوانه'، مشيراً إلى أن 'رحيل البعثة السياسية الأممية ليس مؤشراً كافياً لتأكيد استقلالية الصومال أو استقراره، بخاصة وأن البلاد لا تزال تعاني تحديات جوهرية تحد من قدرتها على بناء المؤسسات السياسية المستقلة، أهمها الوضع الأمني بخاصة في ظل انتشار السلاح، خارج المؤسسات العسكرية والأمنية التابعة للدولة الصومالية، بما في ذلك حركة الشباب المتطرفة، إضافة إلى الوجود العسكري الأجنبي في البلاد، سواء في إطار البعثة الأفريقية لحفظ السلام، أو ضمن اتفاقات ثنائية عقدتها الحكومة الصومالية مع دول إقليمية. ومن ثم فإن رحيل البعثة السياسية الأممية لا يعدو أن يكون خطوة رمزية ينبغي أن تتبعها تدابير فعلية على الأرض، لا سيما في مجال الحوار السياسي الشفاف'.
ويقدر المحلل الصومالي أنه 'على رغم أن دور البعثة الأممية اقتصر على تعزيز قدرات الصومال في بناء المؤسسات السياسية، والإصلاح الدستوري، فإن التحدي الأبرز سيظل قائماً على المستويين الأمني والاستراتيجي، بخاصة في ظل تصاعد التوترات في البحر الأحمر وخليج عدن، فضلاً عن ارتباط ذلك بالمهددات الناتجة من المشروع الإثيوبي بالوصول إلى البحر من خلال السواحل الصومالية'.
ويتابع 'ثمة توجه دولي نحو الاعتراف باستقلال إقليم صوماليلاند، بخاصة بعد الاعتراف الإسرائيلي الذي من المتوقع أن يتبعه اعترافاً إثيوبياً، وربما دول أخرى في المنطقة أو خارجها'.
ويقدر طاهر أن 'هذه التطورات تفرض تحديات إضافية، على المستوى الدبلوماسي والجيوسياسي، وتتطلب من الحكومة الفيدرالية الصومالية، تعزيز فاعليتها السياسية على المستوى الدولي'.
ويرى المختص في الشأن الصومالي أن 'سعي مقديشو إلى إنهاء وجود البعثة السياسية للأمم المتحدة، يتسق مع رؤيتها الدبلوماسية بأن الصومال ليس دولة فاشلة أو إقليم تحت الوصاية، بل بإمكانه ممارسة السيادة على كامل إقليمه السيادي كأية دولة مستقلة عضو في الأمم المتحدة، ومن ثم لا تناقض بين التحديات الماثلة وإنهاء وجود المكتب الأممي.
بدوره يرى المختص في الشأن الصومالي محمد عبدي إن 'رحيل البعثة الأممية من الصومال لا يحقق أهدافاً جوهرية للواقع الصومالي، كما أنه لن يوثر في المسار السياسي بصورة مباشرة'، مشيراً إلى أن 'نتاج تجربة البعثة خلال العقود الثلاث الماضية، ظل متواضعاً للغاية، بخاصة وأن اهتمامها ظل منصباً على البعد السياسي، في حين أن الأزمات الأساسية تتعلق بالتحديات الأمنية والعسكرية والتنموية'.
ويتابع 'على رغم أن جوهر الأزمة في الصومال سياسي الطابع، فإن غياب الحوار وعدم قدرة المؤسسات الدولية على دفع النظم السياسية الحاكمة لتبني خططاً فاعلة في اتجاه تعزيز بناء المؤسسات وتجاوز تركة الحرب الأهلية، أسهم سلباً في استمرار الأزمة الصومالية'. ويرى عبدي أن 'النظام الحالي أسهم بصورة كبير في عودة الصومال مرة أخرى إلى نذر الحرب الداخلية، سواء بتمديده غير الشرعي لعهدة الحكومة الحالية بقيادة حسن شيخ محمود، أو لتلكؤه في إطلاق الحوار الوطني الجامع'.
ويقدر عبدي أن التحديات الإقليمية المتعلقة بالتوترات القائمة في البحر الأحمر وخليج عدن، فضلاً عن المساعي الإثيوبية المتعلقة بالنفاذ إلى البحر عبر السواحل الصومالية، شكلت مبررات مناسبة للنظام الحاكم لاكتساب الشرعية بخاصة بعد انتهاء ولايته السياسية في حكم البلاد، موضحاً أن الشروع في حوار وطني جامع وحده كفيل بإيجاد حلول سياسية ناجعة للأزمات كافة التي يعانيها الصومال، مضيفاً أن 'الجبهة الوطنية المتينة تمثل ضرورة وطنية لمواجهة التحديات الخارجية، بما فيها المطالب المتعلقة بالانفصال في صوماليلاند'.
ورجح عبدي أن 'مؤتمر الحوار الوطني المزمع عقده، لم يستوف بعد الشروط الضرورية لنجاحه'، موضحاً أنه قد يعزز فرص الانقسام في حال عدم التزامه بضرورة إشراك الأحزاب والتيارات السياسية والاجتماعية الصومالية كافة.
ولفت إلى أن 'النظام الحاكم وعوض أن يشرك التيارات الصومالية كافة، يسعى إلى استغلال شعار الحوار لخدمة أهدافه السياسية'، مشدداً على أن المطالبة برحيل البعثة الأممية في حد ذاتها استغلت للأهداف ذاته، كما أن استقدام قوى خارجية بغرض محاربة الإرهاب في ظل غياب حوار شفاف ومسؤول على المستوى الداخلي، يؤشر إلى عدم جدية النظام في إحداث قطيعة سياسية مع الممارسات السابقة، ويفتح الباب أمام شرعية جديدة تنتج من مؤتمر الحوار والمصالحة الوطنية'.

















