اخبار الجزائر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢٢ أب ٢٠٢٦
تبع عودة السفيرين تبادل تصريحات إيجابية بانتظار زيارة رئيس الوزراء المالي إلى الجارة الشمالية
يرتقب أن يشهد التقارب الجزائري المالي قفزة نوعية بعد عودة الدفء للعلاقات الثنائية التي شهدت توتراً كاد أن يعصف بالروابط التاريخية والمجتمعية المشتركة، وفي حين تواجه باماكو تحديات على جميع المستويات وفي مختلف المجالات لاعتبارات عدة، تتمسك الجزائر بضرورة تنويع الشراكات الذي لا يلغي الحاجة إلى الحفاظ على علاقات مستقرة مع الجوار المباشر، بصورة تخدم مصالح منطقة الساحل وقارة أفريقيا عامة.
بعد فترة طويلة من الخصام بدأت العلاقات بين الجزائر ومالي تأخذ مجراها الطبيعي، إذ عاش البلدان خلافات بلغت ذروتها بعد حادثة إسقاط طائرة مسيرة مالية ضمن المجال الجوي الجزائري في أبريل (نيسان) 2025، وما أعقب ذلك من تبادل للاتهامات واستدعاء السفراء للتشاور، قبل أن يعلن البلدان في الـ10 يوليو (تموز) الماضي، عودة سفيريهما للجزائر وباماكو، في خطوة اعتبرت مؤشراً على إطلاق مسار تطبيع تدريجي للعلاقات، تبعه تبادل تصريحات إيجابية من العاصمتين، في انتظار زيارات للمسؤولين تنهي الأزمة الديبلوماسية بصفة نهائية.
ويأتي التقارب الجزائري المالي في وقت تواجه فيه باماكو تحديات أمنية واقتصادية وسياسية متزايدة، فالهجمات المسلحة التي استهدفت مواقع داخل البلاد ووصلت تداعياتها إلى العاصمة باماكو، أعادت للواجهة مدى قدرة الحل الأمني وحده على احتواء الأزمة.
في المقابل اعتمدت الجزائر في تعاطيها مع الأزمة في مالي على المبادئ والبراغماتية، إذ تمسكت دوماً بسياسة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، كما فضلت توظيف أدوات الدبلوماسية وتعزيز الإجراءات الأمنية على الحدود لمواجهة التهديدات.
وبحسب الأستاذ الجامعي محمد شيحات 'تتسم المقاربة الجزائرية بكونها مقاربة حوار لا هيمنة، وشراكة لا وصاية، وتعاون لا تدخل، إذ تجمع بين السياسة والاقتصاد والثقافة والتنمية'. وقال إن 'هذا التوجه أفرز حضوراً أفريقيا أكثر كثافة في ملفات الساحل وليبيا ومسارات التكامل الاقتصادي والسلم والأمن، بما يعكس إعادة توظيف الرصيد التاريخي للدبلوماسية الجزائرية بأدوات أكثر ديناميكية واتساعاً'.
وأضاف شيحات أن 'أفريقيا تحتل موقعاً مركزياً في هذه الرؤية بوصفها عمقاً استراتيجياً للجزائر، فاستقرار المحيط الأفريقي، ولا سيما منطقة الساحل، يمثل شرطاً بنيوياً للأمن الوطني الجزائري، بحكم تداخل الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة'، موضحاً أن 'هذا الحضور مبني على رفض منطق الوصاية والتدخل، ويؤكد دعم الحلول السياسية الأفريقية - الأفريقية'، وختم قائلاً إن 'المقاربة الجزائرية تتجاوز البعد السياسي لتشمل الدبلوماسية الاقتصادية'.
وتتقاسم الجزائر ومالي حدوداً تتجاوز بطولها 1300 كيلومتر، وأي اضطراب أمني في شمال مالي يلقي بتداعيات مباشرة على الأمن الجزائري، كما أن عدم الاستقرار في منطقة الساحل ينعكس على حركة الجماعات المسلحة والجريمة المنظمة والهجرة وشبكات التهريب، وبالتالي تحتاج مالي إلى علاقات مستقرة مع جار بحجم الجزائر، ليس فقط بحكم الجغرافيا، وإنما أيضاً بالنظر إلى الوزن السياسي والأمني والدبلوماسي الذي تتمتع به الجزائر في منطقة الساحل.
وتملك الجارة الشمالية نقطة قوة أساسية تتمثل في علاقاتها التاريخية مع مختلف الأطراف في داخل مالي، وفي مقدمها مكونات الشمال، وفي الوقت نفسه تحتفظ بعلاقة دولة مع السلطة المركزية في باماكو، وتمنحها هذه المعادلة قدرةً على لعب دور الوسيط، ما لا يتوفر بسهولة لعدد كبير من الأطراف الأخرى.
من جانبه، يرى الباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية محمد الصالح جمال أن 'المرحلة الجديدة تفتح المجال أمام إعادة تفعيل قنوات التشاور السياسي والتنسيق الأمني بين الجزائر ومالي، بما يسمح بتعزيز التعاون في مواجهة التهديدات المشتركة، وفي مقدمها الإرهاب والجريمة المنظمة والإتجار غير المشروع عبر الحدود'، مبرزاً أن 'الجزائر تمتلك خبرة كبيرة معترف بها في مكافحة الإرهاب، وتأمين الحدود، وإدارة الأزمات، كما راكمت تجربة دبلوماسية كبيرة في الوساطة وتقريب وجهات النظر، وهذه الخبرة تمثل رصيداً مهماً يمكن أن يدعم التعاون الثنائي في إطار الاحترام الكامل لسيادة كل دولة وعدم التدخل في شؤونها الداخلية'.
وتابع الصالح جمال أن 'الحلول الأمنية لا تتحرك بمعزل عن أوراق جيو - اقتصادية، وفي مقدمها ورقة المساعدات الإنسانية واللوجستية، ويضاف إلى ذلك الورقة النفطية، لا سيما جاهزية شركات النفط الجزائرية للدخول في قطاع الطاقة لخفض كلفة الإنتاج، إضافة إلى شبكة الطرق البرية العابرة للصحراء، خصوصاً وأن مالي تئن تحت وطأة حصار الوقود، مما يثبت حتمية الجغرافيا الاقتصادية كواحدة من أبرز العوامل التي قادت إلى هذا الصلح'.
وأوضح أن 'طي صفحة الخلافات البينية بين البلدين لا يمثل خياراً دبلوماسياً بروتوكولياً، بل يمثل إجراء احترازياً حتمياً أملته إكراهات الميدان المحترق'. وختم بالقول إن 'الأيام القليلة المقبلة كفيلة بالكشف عما إذا كانت التهدئة كافية لإخماد جمر الفوضى، لاسيما وأنها تمكنت سابقاً من ترويض حزام النار المشتعل'.
ومع تهاوي جدار الجفاء وعودة المياه لمجاريها، إلا أن نقاط الخلاف لم تختف، ومن المؤكد أنها ستكون على جدول أعمال المناقشات المقبلة بين قادة البلدين، إذ من المقرر أن يتوجه رئيس الوزراء المالي عبدالله مايغا إلى الجزائر خلال الأسابيع المقبلة، بدعوة من نظيره الجزائري سيفي غريب.
ولعل نقطة الخلاف الرئيسة تتمثل في الطريقة التي ينبغي اعتمادها لحل الأزمة الأمنية في مالي، على اعتبار أن الجزائر، التي قادت في السابق الوساطة الدولية المكلفة بتطبيق اتفاق السلام الموقع عام 2015 بين تمرد الشمال وباماكو، لا تزال تدعو إلى حل سياسي، في حين تصر باماكو على الحل العسكري كخيار أوحد لفرض سيادتها شمالاً.
وأما النقطة الثانية التي ما تزال السلطات المالية تبدي تحفظات في شأنها، فهي الاتصالات التي تجريها الجزائر مع بعض قادة المتمردين، وكذلك منحها اللجوء للإمام محمود ديكو، الذي يعتبره نظام الرئيس الانتقالي أسيمي غويتا معارضاً.
ووفق متابعين، فإنه ما دام لم تتم تسوية هذه القضايا، فإن تطبيع العلاقات الثنائية سيبدو أقرب إلى تسوية براغماتية منه إلى مصالحة سياسية حقيقية، وعلى رغم أن الجزائر نجحت في إعادة تموضعها بالساحل، إلا أن تحويل التهدئة إلى شراكة استراتيجية صلبة، يبقى مرهوناً بقدرتها على إدارة التناقضات بين 'حلفاء الضرورة' في رمال الساحل المتحركة.




















